إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 سبتمبر 2019

الهجرة النبوية

( الهجرة النبوية ) 
إخوة الإيمان: تظلّنا هذه الأيام ذكرى حادثة عظيمة من حوادث وأحداث تاريخنا الإسلامي، هذه الحادثة كانت إيذانًا بعهد جديدٍ، وتحوّل مهمّ في تاريخ الدعوة الإسلامية، تلكم هي هجرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من مكة بيت الله الحرام إلى المدينة دار الهجرة، هذا الحدث يمثل أهمّ حدث من أحداث التاريخ الإسلامي، به بدأ بناء الدولة الإسلامية وبناء الأمة التي تعبد الله وحده لا شريك له، وتبلّغ دينه الحنيف إلى كل الناس، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) [الفتح: 28].

تجدُّد هذه الذكرى -عباد الله- يزيد في أعمارنا عامًا كلّما تكرر، ويذكرنا بانصرام الأيام، ويبيَّن لكل مسلم أن حياته على هذه الأرض محدودة، وأن كل يوم يمضي يقرب الإنسان من نهايته وأجله، فهذه أول عبرة من عبر مرور الأيام، وتجدد ذكريات الأحداث، فما من مظهر من مظاهر الزمان والمكان إلا هو آية وعبرة للإنسان: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُِوْلِي الألْبَابِ) [آل عمران: 190].
تحمل حادثة الهجرة النبوية -على صاحبها أشرف الصلاة وأتم التسليم- الكثير من الإلهامات للسائرين في درب الدعوة إلى الله تعالى، فهي أنموذج رباني من البذل والتضحية وهضم النفس في سبيل الوصول إلى الغاية الكبرى التي من أجلها خلق الله هذه الدنيا، وقد تُثار في النفس تساؤلات واندهاشات عدة عن أحداث السيرة بتفاصيلها النوعية، فما المعنى في أن يترك العبد دياره وأرضه التي نشأ بين جنباتها، والتي بين كل ذرة من ذرات ترابها ذكرى من أيامه السالفة، عَذْبَةٍ أو مُرَّة لا يهم، المهم أنها ذكرى محفورة في ضميره يستحضرها كلما هبت نسائم ذلك البلد، أو اشتم عبق القادمين من جهته!!

وما المعنى في أن يهجر الإنسان أهله وماله وعشيرته لينزل أرضًا جديدة لا يعرفها بلا مال ولا مأوى ولا عشيرة؟!
بل وما المعنى في أن يدع أبناءه وزوجته ووالديه وأهله بين ظهراني أعدائه ليفر بنفسه إلى أرض قد لا يلقى فيها قبولاً ولا ترحيبًا؟!

إنه لا معنى لكل ذلك سوى الإسلام!! دين الله تعالى، الذي يهون بجانبه كل غال وعزيز، فمهما عزَّت الأوطان والديار والضيعات فالإسلام أعزّ، ومهما تعلقت القلوب بالأبناء والزوجات فإن تعلقها بالإسلام أشد، ومهما منعت الأموال والعشيرة فالإسلام أقوى وأمنع.

لقد أدرك مسلمو الجيل الفريد أن حياتهم في الإسلام هي الحياة الحقيقية، وأن قوتهم في الإسلام لا فيما سواه، وأن اطمئنان قلوبهم وراحة أفئدتهم في الإسلام لا فيما سواه، وأن عزهم وشرفهم في الإسلام لا فيما سواه، وأن وجودهم رهن بوجود الإسلام، وأنه لا الأولاد ولا الأموال ولا الأوطان ولا التراب أولى بتضحية الإنسان بنفسه من الإسلام، لذا كان غاية ما يتمنون أن تُجدع أنوفهم، وتُبقر بطونهم، وتتخطفهم الطير أو تهوي بهم الريح في مكان سحيق، وتأكل أشلاءهم السباع في سبيل الإسلام، كانت غاية آمالهم أن يكونوا جسرًا يعبر عليه الناس إلى دين الله أفواجًا، أو حلقة في سلسلة الدعوة والجهاد على مر تاريخها؛ لذا لم يتمكن منهم عدوهم تاريخَهم كله، بل كان أعداؤهم أشد خوفًا منهم على ضآلة أجسامهم، وضعف قوتهم، وقلة حيلتهم، ونقص عتادهم، فكانوا يواجهون الموت بقلوب جسورة، يواجهونه ولا يخشونه، بل كان أحدهم يسعى إليه سعيًا، وكان شعارهم:
إِذَا كَشَـفَ الـزَّمَـانُ لَكَ القِنَـاعَ *** وَمَدَّ إِلَيْـكَ صَـرْفُ الدَّهْـرِ بَـاعًا
فَـلاَ تَـخْـشَ المَنِيَّــةَ وَالتَقِيْـهَا *** وَدَافِـعْ مَا اسْتَطَـعْتَ لَهَـا دِفَـاعًا
كانوا يحرصون على الموت أشد ما يكون حرص أعدائهم على الحياة، لذلك وُهبت لهم الحياة، ودانت لهم الدنيا بحذافيرها.
إن الهجرة النبوية كانت تعني بالمفاهيم البشرية انتحارًا مؤكدًا، فكتائب الأعداء متربصة بالنبي وآله، مدججة بالسلاح لاستئصال شأفته والقضاء على دينه، ولكن المشيئة الربانية لا معقب لها، ولا راد لقضائها، حتى تبدلت العتمة الكونية نقطة انطلاقة كبرى نحو النصر المنشود والنور المبين الذي غطى ظلام البشرية، مسفرة عن وضع أول حجر في صرح الدولة الإسلامية الناشئة.

البذل والتضحية هما العنوان الرئيس لهجرة النبي -صلى الله عليه وسلموأصحابه، فكما بذل المهاجرون مُهَجَهُم وأموالهم وديارهم ووطنهم، فقد بذل الأنصار كذلك كل ما يملكون في سبيل النهوض بالدولة ونصرة الملة، عن طيب نفس ورضا خاطر لا مثيل لهما في التاريخ، فضحوا بالأموال والديار والزوجات في سبيل إيناس وحشة إخوانهم من المهاجرين؛ تعويضًا لهم عن قسوة الحال، وتسليةً لقلوبهم عن مفارقة أحبابهم وأوطانهم، ويا له من شعورٍ عزَّ وجوده، ومشاركة وجدانية عميقة أعقبها عطاء بلا حدود، قَابَلَهَا تعفف ورُقِيّ واستغناء من المهاجرين لا مثيل له كذلك.

إن هذا الدين لن تقيمه فضول أوقات الداعين إليه، ولا تنصره زلات أقلامهم وألسنتهم، فالنفوس المشغولة والمنشغلة لا تقوم على أكتافها الدعوات، فالمشغول لا يُشغل، وقضية الإسلام لا تقبل لها في النفوس شريكًا، فإنها تستحوذ على القلب، وتأخذ بمجامعه، فلا تدع فيه لغيرها همًّا، وهذا هو معنى الهجرة الحقيقي، لا ما يتردد كل عام عنها بطريقة رتيبة، وعرض سمج ممل، إننا نحتاج أقصى ما نحتاج إلى أصحاب قضية، يحملون همَّ هذا الدين، ويعيشون به وله، ويسعون لمجده ليلاً ونهارًا، أما همُّ اللقمة والمسكن والملبس فهي أمور ثانوية في حياتهم، أو ينبغي أن تكون كذلك، بل هي لا تمثل شيئًا فيها، فالأمر أعجل من ذلك، والمرء يعيش حياته في سباق محموم بين دنياه وآخرته، ولكن جارت الدنيا على الآخرة جورًا عظيمًا حتى لم تدع لها في نفس المسلم نصيبًا، إلا عبادات مفروضة يؤديها بلا قلب، ظانًّا أنه بذلك أدى ما عليه تجاه دينه وربه، وحاشا أن يكون الأمر كذلك، فدنيا المسلم قنطرة إلى الآخرة، لم يُتعبد أو يؤمر بتزيينها وتجميلها، وإنما هو متعبد بتذليلها لأهدافه وغاياته، لتحقيق هدف أكبر، والوصول لغاية أعظم، وهي نشر "لا إله إلا اللهفي الأرض، والإيمان بها، والإذعان إليها، وتربية الأجيال التي تحمل مشاعل الإيمان، فتنير بها طريق النفوس التائهة الحائرة


جاءت هجرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بعد الرسالة بثلاثة عشر عامًا، بعد أن أمضى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هذه المدة وهو يجاهد من أجل إبلاغ دين الله سبحانه، ومن أجل أن يهدي قومه والناس إلى طريق الله سبحانه صابرًا محتسبًا، يؤذى في سبيل الله، ويرى أصحابه يؤذون ويعذَّبون ويقتلون ولا يزداد مع ذلك إلا صبرًا ويقينًا وطاعة لله سبحانه، وقد جاء الأمر بالهجرة إلى يثرب بعد أن بايع سكانها الأوس والخزرج رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على الإيمان وعلى حمايته مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم، وكان ذلك حين جاؤوا مكة حاجين، فكانت هذه البيعة مقدمة للهجرة المباركة.

خرج رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة مهاجرًا إلى ربه، وقد وعد الله من هاجر إليه أجرًا عظيمًا، يقول سبحانه: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [النساء:100].

خرج –صلى الله عليه وسلم- إلى الهجرة بعد أن أعدت قريش العدة لقتله أو حبسه أو طرده، ولكن مكرهم عاد عليهم؛ لأن هذا المكر لن يحيق بمن يرعاه الله ويؤيده ويسدده: (إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُون) [آل عمران:160].

أعدت قريش العدة لقتل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن طريق عدد من شباب قبائلها حتى يتفرّق دمه بين القبائل، ولكن جبار السموات والأرض أبطل سحرهم، ورد كيدهم إلى نحورهم، يقول سبحانه: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:30].

فتوجه الحبيب –صلى الله عليه وسلم- إلى حبيبه أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ليخبره بأمر الهجرة، فما أن سمع الصديق بأمر الهجرة حتى كان همه الوحيد والكلمة الوحيدة التي قالها: "الصحبة يا رسول الله"؛ عن عائشة أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- جاء إلى بيت أبي بكر في ذلك اليوم ظهرًا على غير عادته، فلما دخل على أبي بكر قال: "أَخْرِج من عندك"، قال: يا رسول الله: إنما هما ابنتاي، يعني عائشة وأسماء، قال: "أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج؟!"، قال: الصحبة يا رسول الله؟! قال: "الصحبة"، قال: يا رسول الله: إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج، فخذ إحداهما، قال: "قد أخذتها بالثمن". أخرجه البخاري.

هكذا كان شغف الصديق بنصرة الدين: "الصحبة يا رسول الله؟!"، وهذا هو طلبهالصحبة، وهي -عباد الله- ليست صحبة رجل ذا ثراء وأموال، وليست صحبة رجل ذاهب في نزهة، وليست صحبة رجل يسافر إلى دولة يترفه فيها ويتنعم، وليست صحبة رجل له موكب وحاشية وخدم وحشم، إنها صحبة رجل مطارد مطلوب للقتل ، فعلام يحرص الصديق على هذه الصحبة ويفرح ويفتخر بها؟! إنه الإيمان الذي تميز به صديق هذه الأمة -رضي الله عنه-، والذي جعله يُسخِّر نفسه وأهله وماله من أجل الدعوة ومن أجل الهجرة، فقد عرض نفسه لمصاحبة وخدمة وحماية رسول الله صلى الله عليه وسلم- في الهجرة، وأنفق ماله في إعداد العدة لذلك وفي استئجار الدليل، وعرَّض ابنه عبد الله للخطر حيث كان يمسي عندهما عندما كانا في الغار ويصبح عند قريش يتسقط الأخبار، وكان مولاه عامر بن فهيرة يسرح بغنمه عند الغار ليسقيهم من لبنها، وكذلك فعلت أسماء التي حفظت السر والتي شقت نطاقها لتضع فيه طعامهما، فسميت ذات النطاقين، فكانت عائلة الصديق كلها مجندة في سبيل الله وخادمة لرسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

لقد هاجر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من أجل الدين لا من أجل الدنيا، فقد بقي في مكة طيلة هذه المدة رغم الأذى الذي يتعرض له هو وأصحابه؛ لأنه كان يسير بأمر الله سبحانه، وكان يريد أن يبلغ دين الله سبحانه، وأن يهدي البشرية إلى طريق السعادة الأبدية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) [الأحزاب:45، 46].

هاجر –صلى الله عليه وسلم- من أجل الله ومن أجل الدعوة إلى الله سبحانه، وكذلك هاجر أصحابه -رضوان الله عليهم- من أجل دينهم، ومن أجل المحافظة على دينهم، لا من أجل الدنيا، بل إنهم تركوا الدنيا في مكة، فمنهم من هاجر وترك ماله، ومنهم من هاجر وترك بيته ومتاعه؛ لأنهم لما نظروا إلى المال وإلى الدين وجدوا أن ضياع المال يُعوَّض، ولكن ضياع الدين لا يعوّض أبدًا، وجدوا أن كسر المال والبيت والأهل يُجبر، أما كسر الدين فإنه لا يُجبر.

وكل كسر فإن الدين يجبره *** وما لكسر قناة الدين جبران
الخطبة الثانية : 

والهجرة إلى مكة تعتبر ثالث هجرة لأصحاب الرسول –صلى الله عليه وسلم-؛ فقد هاجروا قبلها إلى الحبشة مرتين، وركبوا البحر وصارعوا الأمواج وتعرضوا للأخطار من أجل دينهم، وها هم يتركون مكة موطنهم وموطن آبائهم ومرتع طفولتهم وصباهم إلى المدينة؛ استجابة لأمر الله سبحانه وأمر رسوله –صلى الله عليه وسلم-.

أمضى –صلى الله عليه وسلم- في غار ثور ثلاث ليال هو وصاحبه أبو بكر، ينتظران أن يخفّ عنهما الطلب حتى يخرجا إلى المدينة، وكانت قريش تبحث عنهما في جنون، وتبعث بعيونها في كل مكان، وتجعل الأموال الطائلة لمن يأتيها بمحمد –صلى الله عليه وسلم-، وقد وصل كفار قريش إلى الغار الذي يختبئ فيه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وصاحبه، ولكن الله سبحانه صرفهم عنه وردهم خائبين، يقول أبو بكر كما في صحيح البخاري: قلت للنبي –صلى الله عليه وسلموأنا في الغار: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: "ما ظنك -يا أبا بكر- باثنين الله ثالثهما؟!". 

إذا كان الإنسان في معية الله، وفي عناية الله، وإذا أيّد الله عبده ونصره، فإن الكون كل الكون لن يضره بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عليه: "ما ظنك -يا أبا بكر- باثنين الله ثالثهما؟!".

هكذا -عباد الله- لا يخاف العبد إذا أيقن أن الله معه، وهكذا يكون مسددًا موفقًا في كل ما يقدم عليه إذا كان مراعيًا لمرضاة الله -عز وجل-: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم) [التوبة:40].

لقد كانت الهجرة نتيجة صبر ثلاثة عشر عامًا من الخوف والجوع والحصار والأذى، فكانت الثمرة على قدر التعب، وعلى قدر الصبر، وهكذا هذا الدين لا يعطي ثمرته إلا لمن صبر وثابر، أما من استعجل النتائج فإنه يُحرَم، فدولة المدينة التي شعّ منها النور إلى كلّ الأرض كانت نتيجة لصبر مكّة، ورسول الله الذي خرج من مكة سرًّا والناس يبحثون عنه، دخل المدينة في احتفال عظيم يحفّ به الناس من كلّ جانب، كلّ منهم يطلب منه أن ينزل عنده، وتحقق للنبي –صلى الله عليه وسلم- ولأصحابه قول الله تعالى ووعده لعباده الصالحين: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [النور:55].

وها هي الدعوة التي انطلقت من رجل فقير من قريش هو رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، معه رهط يسير ممن سبقوا إلى التصديق والإيمان أكثرهم من الضعفاء والموالي، ها هي يحملها اليوم أكثر من مليار إنسان في كافة أنحاء الدنيا، وها هو الإسلام يدخل كل بيت، ونداء الحق يرتفع في كل مكان: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف:8، 9]، يقول –صلى الله عليه وسلم-: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو ذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلاًّ يذل الله به الكفر". أخرجه أحمد عن تميم الداري.

هذا وعد صادق من الله لرسوله، ووعد صادق من الله لأمة رسوله –صلى الله عليه وسلم- ولكل من سار على هدي رسوله سير السلف الصالح دون تبديل ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان..

2

الهجرة... إن الله معنا

الهجرة  ان الله معنا ) 
الخطبة الأولى : 
أما بعد:
.اتقوا الله -أيها المؤمنون-: فإن خير الزاد التقوى، فما هي إلا أعمار تطوى وآجال تفنى، كم من مؤمل قعد به أمله؟ وكم من مسوف عاجله أجله؟ فاجتهدوا -رحمكم الله- في العمل، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين.
 عباد الله: إن سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بكل ما فيها من مواقف محل لكل تأمل، وحق لكل تدبر، تأمل يحرك القلوب، ويستثير الهمم، ويقود إلى العمل.
 إن الحب الصادق للنبي -صلى الله عليه وسلم- يستدعي العزمات الصادقة في الاستمساك بسنته؛ هدياً، وعلماً، وعملاً، وعبادة، وإن الحب رخيص حين يكون زعماً، وكلاماً خالياً عن العمل: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران: 31].
 من حسن حظ المؤمن أنه ما قلب سيرة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلميوماً فأخطأ دمع العين مجراه، في أيام نبينا محمد -صلى الله عليه وسلمأيام خوالد ما تزال تتوضأ على الأيام، وتتألق في غرة الزمان، ومن أروعها وأسطعها يوم الهجرة.
 إن حادث الهجرة يزداد بهاء وسناء كلما تناوله العرض، والبحث كالذهب الإبريز كلما عرضته على النار لتمحصه ازداد إشراقاً وصفاء.
 وهجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت فاتحة الأمل، وبارقة النصر، وطريق العودة له ولأصحابه إلى مكة فاتحين ظافرين، 
 الهجرة النبوية تعطينا قدوة وأسوة، فيها تتجلى دروس من التضحية والفداء والبذل؛ فهذا نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يتحمل العبء الثقيل في سبيل الدعوة إلى الله، وإعلاء كلمته،
 ويشتط المشركون من أعدائه في مقاومته، والتطاول عليه بالسخرية، ثم بحيلة الوعد والإغراء، ثم بتسليط الغوغاء والسفهاء ثم بالتآمر على قتله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30].
 عباد الله: لما رأى المشركون أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلمخرجوا إلى المدينة خافوا خروج الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولحاقه بهم، فاشتد عليهم أمره ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعلي -رضي الله عنهما- ومن اعتقله المشركون كرهاً.
 فلما كانت ليلة من الليالي همَّ المشركون برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجاء جبريل بالوحي من عند الله -تبارك وتعالى- فأخبره وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة، وجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أبي بكر -رضي الله عنه- نصف النهار في ساعة لم يكن يأتيه فيها من قبل، فقال: "أخرج من عندكفقال: "إنما هم أهلك يا رسول الله" فقال: "إن الله قد أذن لي في الخروجفقال أبو بكر -رضي الله عنه-: "الصحبة يا رسول الله؟قال: "نعمفقال أبو بكر: "فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتينفقال عليه الصلاة والسلام: "آخذها بالثمن".
 وأمر علياً بأن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من شقوق الباب، ويرصدون النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويأتمرون أيهم يكون أشقاها.
 فخرج عليه الصلاة والسلام فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يدره على رؤوسهم، وهم لا يرونه، وهو يتلو قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)[يــس: 9].
 ومضى عليه الصلاة والسلام إلى أبي بكر -رضي الله عنه- فخرجا ليلاً ثم مضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى غار ثور فدخله، وجدَّت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافة، حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه، فقال أبو بكر: "يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدمين لأبصرنافقال عليه الصلاة والسلام: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
 ولما يئس المشركون من الظفر بهما جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منهما، فجدَّ الناس في الطلب، فلما مروا بحي مدلج بَصُر بهم سراقة ابن مالك، فركب جواده، وسار في طلبهم، فلما قرب منهم سمع قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فدعا عليه النبي -عليه الصلاة والسلام-، فساخت يدا فرسه في الأرض، ثم قال سراقة: "أدعو الله لي ولكما علي أن أرد الناس عنكمافدعا له عليه الصلاة والسلام فأطلق، ورجع يقول للناس: "قد كفيتهم ما هاهنا".
ومر عليه الصلاة والسلام في مسيره بخيمة أم معبد، فقام عندها، ورأت من آيات نبوته في الشاة العجفاء، وكيف حلبها لبناً كثيراً في سنة مجدبة، ما بهر العقول عليه الصلاة والسلام.
ولما بلغ الأنصار مخرجه من مكة وقصده المدينة، كانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه أول النهار، فإذا اشتد حر النهار رجعوا على عادتهم إلى منازلهم، فلما كان في يوم من الأيام خرجوا على عادتهم، فلما حمي حر الشمس رجعوا وصعد رجل من اليهود على حصن من حصون المدينة لبعض شأنه، فرأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، فصرخ بأعلى صوته: "يا بني قيلة، هذا صاحبكم قد جاء هذا، جدكم الذي تنتظرونه -يعني هذا حظكم-".

فبادر الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسمعت الرجة والتكبير في المدينة، وكبر المسلمون فرحاً بقدومه، وخرجوا إلى لقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيقين مطبقين والسكينة تغشاه.
 وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأكثرهم لم يره بعد، وكان بعضهم أو أكثرهم يظنوه أبا بكر لكثرة شيبه، فلما اشتد الحر قام أبو بكر -رضي الله عنه- بثوب يظلل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتحقق الناس حينئذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
 عباد الله: في مثل هذه السيرة العطرة تتجلى الخواطر لننهل منها دروساً عظيمة يتربى عليها المسلم في حياته، 
 ولعل من أبرز الدروس المستقاة من حادثة الهجرة: أن صاحب الدين والعقيدة الصحيحة، يجب عليه أن لا يساوم في عقيدته، أو دينه، أو أن يحيد عنها، بل إنه يجاهد من أجلها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وإنه ليستهين بالشدائد والمصاعب من أجل دينه.
ومن ذلك: أن الهجرة تؤكد أن الدين هو السياج الحامي لكل حق من نفس، أو عرض، أو مال؛ من أجل الدين تهجر الأوطان، ويضحى بالمهج والثروات.
 ومن دروس الهجرة: أن الله ينصر من ينصره، ويعين من يلجأ إليه، ويعتصم به، ويلوذ بحماه، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن المخلص الموقن بما عند الله حين تنقطع به الأسباب، وحين يخذله الناس.
 ومن دروس الهجرة: الجمع بين الأخذ بالأسباب، والتوكل على الله -عز وجل-، ويتجلى ذلك من خلال استبقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لعلي وأبي بكر -رضي الله عنهما- معه، حيث لم يهاجر إلى المدينة مع المسلمين، ويتجلى في استعانته بعبد الله ابن أريقط، وكان خبيراً ماهر في الطريق.
 ومن دروسها أيضاً: الاعتدال حال السراء والضراء؛ فيوم خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة مكرهاً لم يخنع، ولم يفقد ثقته بربه، ولما فتح الله عليه مكة، وأقر عينه بعز الإسلام لم يفخر، ولم يتكبر، بل دخل مكة وقد طأطأ رأسه، وقال لأهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
 ومن دروس الهجرة: ثبات أهل الإيمان في المواقف الحرجة، وذلك في جواب النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر -رضي الله عنه- لما كانا في الغار، وذلك حين قال أبو بكر: "والله يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى موقع قدمه لأبصرنا" فأجابه النبي -صلى الله عليه وسلممطمئناً بوعد الله، وواثقاً بما عنده: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
 فهذا مثل من الأمثلة في الصدق، والثبات، والثقة، والاتكال على الله في الشدائد.
 ومن دروس الهجرة: أن من حفظ الله حفظه، ويؤخذ هذا المعنى من حال النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن كفار قريش ائتمروا على قتله فأنجاه الله -عز وجل- منهم بعد أن حثا في وجوههم التراب، وخرج من بينهم سليماً معافى، وهذه سنة ماضية؛ فمن حفظ الله في امتثال أمره واجتناب نهيه فإن الله -سبحانه وتعالى- يحفظه في الشدائد.
 ومن دروس الهجرة: أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فالمهاجرون تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم التي هي أحب إليهم، تركوها لله -عز وجلفعوضهم بذلك مرتبة صحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومنقبة الهجرة من مكة إلى المدينة، وفتح الله عليهم الدنيا، وملكوا شرقها وغربها.
 ومن دروس الهجرة: ضرورة التربية الدينية، فقد دلت الهجرة على ذلك، فقد سار الصحابة بتربية النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤهلين للاستخلاف، وتحكيم شرع الله، والقيام بأمره -سبحانه وتعالى-.
 ومن دروسها: التنبيه على عظم دور المرأة، ويتجلى ذلك من خلال الدور الذي قامت به أسماء -رضي الله عنها-.
 ومن دروسها: عظم دور الشباب في نصر الحق، ويتجلى ذلك في الدور الذي قام به علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حين نام في فراش النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة الهجرة، ومن خلال ما قام به عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنهما- حين كان يتسمع أخبار قريش ويزودها النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر.
 اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم علمنا ما ينفعها وانفعنا بما علمتنا.
 أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه غفور رحيم.
الخطبة الثانية : 
لقد كان في حدث الهجرة وقفة تُجلي بكل وضوح صلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بربه، وتعلقه به، وعدم غفلته عنه في أحلك الظروف وأشد المواقف التي يهتز عندها الكبار، ويتزعزع فيها أصحاب الهمم، وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موقف العظمة والتفرد والجمال والجلال ليعطي أمته صورة من أعظم صور التعلق بالله.
لقد خرج -صلى الله عليه وسلم- مطاردًا من قومه يقتفون أثره، يُغْرون الناس بالجوائز إن هم قبضوا عليه أو عرفوا مكانه، يخرج -صلى الله عليه وسلموصاحبه أبو بكر لينزلا في غار ثور، ويصل المشركون عند باب الغار لتبدأ القصة، وتسطر الملحمة، ملحمة التعلق بالله.
أبو بكر -رضي الله عنه- يرتجف خوفًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول: "يا رسول الله: لو نظر أحدهم إلى رجليه لأبصرنا"! حينها تتفجر أنهار العظَمة، وتتفتق أنوار اليقين، وتعبق روائح الإيمان تضمخ جبين الزمان، ينطق الرسول -صلى الله عليه وسلم- في موقع المحنة، وهي محنة عظيمة تعجز الكلمات عن وصفها والإتيان بحقها: "يا أبا بكر: ما ظنك باثنين، الله ثالثهما؟!".
وينقل الوحي هذه اللقطة الرائعة، والوقفة الماتعة، ينقلها ليقتنصها عشاق الكمال، ومحبو الجمال؛ في قلب الغار،وفي الغار، غار ثور، تجلّى معنى الوحي إيمانًا وثقة ويقينًا وثباتًا: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) [التوبة:40].
"إن الله معنا"؛ هذا هو الشعار الذي يجب على كل واحد منا أن يلتزم به، وأن يعيش على مقتضاه، إن هو أراد السكينة في دنيا الضوضاء، والتأييد في عالم الخذلان، فبعد أن ذكر القرآن قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله معنا" ذكر بعده مباشرة: (فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة:40].
 إن الله معنا: شعار تقوله في كل حال، وعلى كل حال، شعار يجعلك واثقًا بالله، مستشرفًا عطاءه، مستشعرًا معيته؛ شعار تقوله في الرخاء فيجعلك تستحضر نعمة ربك عليك فتجود لله، وتعطي لله، وتدمن شكر الله.
إن الله معنا: شعار تقوله وأنت في السلطة فيحملك على مراقبة الله وعدم ظلم العباد.
إن الله معنا: شعار تقوله وأنت في أية مسؤولية؛ فيجعلك تراقب الله وتقف عند حدوده.
إن الله معنا: شعار تقوله وأنت في الضراء؛ فيحملك على تذكر رحمة الله.
إذا نزل بك المرض وصرت ممددًا على السرير الأبيض فقل: إن الله معنا؛ فستنزل سكينة الله عليك.
إذا ضاقت بك الحال وكثرت عليك الهموم فقل: إن الله معنا، والجأْ إليه -سبحانه- مستحضرًا قدرته على كشف ضرك.
إذا استشعرت قرب نهايتك وبدت لك معالم رحيلك فقل: إن الله معنا؛ فسيحملك ذلك على حب لقاء ربك: (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ) [العنكبوت:5].
إذا خدعك القريب، وتخلى عنك الحبيب، ومكر بك، فقل: إن الله معنا؛ فإنها ترياق المهموم، وسلوة المحزون.
إذا دعتك نفسك إلى المعصية وزينت لك المخالفة فقل: إن الله معنا؛ فسينشرح صدرك، وتهدأ جوارحك، وعندها ستحضرك العناية، وستحفك الرعاية، وسيصرف عنك البلاء: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف: 24].
إذا تلبَّسْتَ بالخطيئة، وغلبتك شهوتك، وغرّك ستر الله المرخي عليك، فقلإن الله معنا، والجأ إليه مستغفرًا باكيًا متضرعًا راجيًا: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ)، أي: تذكروا الله، (فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
قال ذو النون المصري -رحمه الله-: "ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته".
إليكَ وإلَّا لا تُشَدُّ الرَّكائبُ *** ومِنْكَ وإلَّا فالْمُؤَمِّلُ خَائبُ 
وفيـكَ وإِلَّا فالغرامُ مُضيّعٌ *** وعنْك وإلَّا فالمحدّث كاذب
.يقول الحسن البصري -رحمه الله-: "تفقد الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن؛ فإن وجدتُّم وإلا فاعلموا أن الباب مُغْلَق".
إن تركك الذكر وغفلتك عنه علامة على الغباء، يقول نبينا -صلى الله عليه وسلم- في حديثٍ عجيب: "مَا تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَبْقَى شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلا سَبَّحَ اللَّهَ بِحَمْدِهِ، إِلا مَا كَانَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَأَغْبِيَاءِ بَنِي آدَمَ". رواه ابن السني وحسنه الألباني.

إنه غباء ما بعده من غباء، لا يغفل عن ذكر حبيبه وربه وخالقه وسيده وموجده إلا غبي، ومع الأسف! قد اختلت موازين الذكاء والغباء في عالمنا اليوم، فأصبح الذكي هو الذي يحوز المناصب ويملك الأموال، ويُحسن التحايل؛ أما الذكاء الحقيقي في ميزان القرآن وعند النبي عليه الصلاة والسلام فهو الانتصار لله، والتذلل له، ومحاسبة النفس، والاستعداد للرحيل.
.إن الذكر -يا عباد الله- هو الظل الذي تأوي إليه الأرواح لتستظل من شعاع الفتن وبريق الشهوات، وكما كان الذكر في الدنيا ظلاًّ لأهله يستظلون به؛ فإنه يكون يوم القيامة ظلاًّ يستظلون به تحت العرش من شمس وحَرّ يوم القيامة في المشهد العظيم، والموقف الجسيم، موقف حشر الخلائق، موقف الفزع والهول الأكبر، الموقف الذي ينادي فيه كل واحد: نفسي نفسي! الموقف الذي يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، بينما المرء في هذا الموقف فإذا به يرى مَن استظلوا بعرش الرحمن، حيث الظل والأمان.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدّق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفقه يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه". رواه البخاري ومسلم.


3