إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 10 ديسمبر 2018

عزة المسلم في دينه

( عزة المسلم في دينه ) 
لا يهم أن تكون فلان بن فلان فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ولا يعنيني أن تكون من الأصل الفلاني أو البلد الفلاني فقد خذلت أبا لهب أصالته وبلال عبد جاوز السحب.
أنه حديث لك يا من تبوأت أعلى مقام إنه الانتماء إلى دين الإسلام .
حينما أصبحت مسلماً فهذا يعني أنك تحمل منة من الله وتكريماً
أي تكريم لك أيها المسلم أعظم من أن أنزل الله لك كتاباً يخاطبك فيه ويناديك، ((لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ)) (الأنبياء:10).
وأي تكريم أجل من أن يرسل الله أعظم خلق وأكرمهم عليه يزكيك ويهديك إلى صراط الله، ((لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)) (آل عمران:164) .
إليك أنت أيها المسلم يا من قدرك عند الله عظيم ومكانتك بين الأمم سامية، ( نحن الأولون والآخرون يوم القيامة ) .
لقد كرمك الله وأعلى شأنك يوم أن جعلك من خير أمة أخرجت للناس .
لقد كرمك الله يوم أن جعلك شهيداً على الناس يوم القيامة، ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) (البقرة:143).
لقد كرمك الله يوم أن عظم حرمتك وصان دمك، ((وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)) (النساء:93) .
ولزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم، ولحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة.
لقد كرمك الله يوم أن هداك للحنيفية السمحاء والدين الأكمل، الدين الذي يجازي على القليل كثيراً، ويتناسق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ((مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)) (الأنعام:160).
كم أنت عظيم أيها المسلم، وكم أنت عزيز لو عرفت قدرك واتصلت ممن يعز ويذل ويخفض ويرفع
أنتم أيها المسلون الأعلون على كل الأمم .
عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون لله وغيركم يسجد لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه، وشريعتكم أعلى، فأنتم تسيرون على شريعة الله وغيركم يسير على شرائع وضعية متناقضة، ، أنتم الهداة لهذه البشرية كلها، وغيركم شارد عن المنهج ضال عن الطريق، ومكانكم في الأرض أعلى، فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها، وغيركم إلى الفناء والنسيان صائرون، فإن كنتم مؤمنين حقاً فأنتم الأعلون، وإن كنتم مؤمنين حقاً فلا تهنوا ولا تحزنوا، ( فإنما هي سنة الله أن تصابوا وتصيبوا على أن تكون لكم العقبى بعد الجهاد والابتلاء والتمحيص) .
أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، فلماذا الوهن والضعف وتقديم التنازلات والظهور أمام العالم بمظهر المنهزم المتخاذل .
ما بال هذه الأمة قد نكست أعلامها، وهزل جسمها، وأفلت الزمام من يدها، هل انقطعت الصلة بينها وبين سلفها وماضيها المشرق، أم أنها هجرت أسباب العزة وعوامل النصر.
أجل حينما انحرفت الأمة عن طريق ربها وتحكيم شرعه في حياتها أصبحت أذل وأضعف أمة، لقد ظهرت النعرات الطائفية والعصبيات القبلية والنزعات العرقية، واعتزوا بغير الله، وافتخروا بالولاء للشرق والغرب، وهجروا كتاب الله المنقذ، وسنة النبي الهادي، فضرب الله عليهم الذل والهوان، فكان أن صاروا كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله، قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن: قال: حب الدنيا وكراهية الموت)) . 
يوم أن كانت الأمة تفخر بدينها، وتعتز بإيمانها، وتربط نفسها بقوة الله التي لا تغلب.
ويوم أن كانت الأمة ترفع راية الإسلام وتحكم القرآن، وتعلي راية الجهاد، يومها كانت للمسلمين مواقف في العزة، كانت نبراساً لمن ينشد العز والقوة.
خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعه أبو عبيدة ، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له فنـزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة، يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك فقال عمر: أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.
في زمن العزة والقوة يدخل ربعي بن عامر إلى إيوان كسرى، معتمداً على رمحه، مخرقاً بهالسجاد والبسط، ويقف في عزة وشموخ قائلاً: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .
إن إظهار اللين دائماً ليقال: إن المسلمون رحماء مسالمون، وإن التنازل عن المبادئ والثوابت ليقال: إنكم معتدلون وشريعتكم سمحة – ذلكم هو الفشل والضعف، وربما تفعل كلمة حازمة جازمة مالا تفعله السيوف، وربما ترعب العدو وتضع له حداً، ونحن اليوم نرى بعض المسلمين يطلقون التصريحات اللينة، فلا تزيدهم إلا ضعفاً، ولا تزيد أعداء الإسلام إلا صلفاً وغروراً واستمراراً في الإيذاء والاستعداء.
العزة والإباء والكرامة من أبرز الخلال التي نادى بها الإسلام وغرسها في أنحاء المجتمع، وتعهد ثمارها بما شرع من عقائد، وسن من تعاليم، وإليها يشير الفاروق عمر بقوله: أحب من الرجل إذا سيم خطة خسف أن يقول بملء فيه: لا
.أيها المسلمون: والإسلام عندما أوصى المسلم بالعزة هداه إلى أسبابها ويسر له وسائلها، وأفهمه أن الكرامة في التقوى، وأن السمو في العبادة، وأن العزة في طاعة الله،
لقد أخبر الله أن العزة له جميعاً، وأن من أسبابها ووسائلها القول الطيب والعمل الصالح، ((مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً)) (فاطر:10).

والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس، حقيقة تستقر في القلب فيستعلى بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله، حقيقة يستعلى بهاعلى نفسه أوب ما يستعلى، يستعلى بها على شهواته المذلة ورغائبه القاهرة، ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس، ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه، فإنما تذل الناسَ شهواتهُم ورغباتهم ومخاوفهم ومطامعهم، ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شيء وعلى كل إنسان، وهذه هي العزة الحقيقة ذات القوة والاستعلاء والسلطان.
إن من أسباب العزة العفو والتواضع، ففي الحديث وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً ومن تواضع لله رفعه، ومن خلق المسلم أن يغفر إذا استغضبه من دونه، لكن من خلقه أيضاً أن يؤدب المجترئين عليه حتى يفل حدهم ويكسر شوكتهم، ((وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ)) (الشورى:39).
وإن إحياء خلق الانتصار لازم ومهم لئلا تعتاد الأمة قبول الذل، لا من فاسق يقهرها ولا من كافر ينحرها، لأن الأمة التي تعتاد السكينة أمام الظلم، والوداعة أمام الخسف والعسفتفقد دافعية الأمر المعروف والنهي عن المنكر، وتنعدم فيها روح الجهاد.
إن الناس يذلون أنفسهم، يقبلون الدنية في دينهم ودنياهم لواحد من أمرينإما أن يصابوا في أرزاقهم أو في آجالهم، ولقد قطع الله سلطان البشر على الأرزاق والآجال جميعا، ((أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ)) (الملك:20).
ذلك هو التوحيد الكامل، وذلكم ما يجب أن يستشفي به أولئك الضعاف المساكين، الذين يريقون ماء وجوههم في التسكع على الأبواب والتمسح بالثياب، والزلفى على الأعتاب.
وإن القضاء أخي المسلم يصيب العزيز وله أجره، ويصيب الذليل وعليه وزره، فكن عزيزاً مادام لن يفلت من محتوم القضاء إنسان.

الخطبة الثانية 
إذا علمنا أن العزة مبدأ إسلامي، وخلق رفيع، فالذي يجب أن نعلمه أن العزة كلها لله، وليس شيء منها عند أحد سواه، فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره، ليطلبها عند الله الذي يملك وحده كل العزة ولا يذهب يطلبها من الناس وهم مثله طلاب محاويج ضعاف.
إن العزيز في الدنيا والآخرة هو من أعزه الله، ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (آل عمران:26).
وبذلك تعلم ضلال من بحث عن العزة عند غير الله تعالى، وبغير طاعته والتزام نهج المؤمنين فعادى رب العزة وشريعته، وحارب حزبه المؤمنين، ووالى أعداء الله ، ظناً منه أن هذا هو سبيل العزة وطريقها، ((الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً)) (النساء:139). 
ومع عظم الطاعة تزداد العزة، فأعز الناس هم الأنبياء ثم الذين يلونهم من المؤمنين المتبعين لهم، وعزة كل أحد بقدر علو رتبته في الدين.
وإذا علمنا مكان العزة من الدين ومنزلتها في شريعة الإسلام، فإن من الواجب علينا أن نعلم أن من خوارمها الهزيمة النفسية، والاستسلام للواقع، والرضا بحياة الذل والهوان، والانبهار بقوة الأعداء المادية وحضارتهم الزائفة.0
وإن مما يتنافى مع العزة: الخجل من الانتماء إلى الإسلام، والحياء من إظهار شعائر الدين وأحكامه0
وإن من خوارم العزة: التشبه بأعداء الله في طرائقهم وتقاليدهم، ونظم حياتهم، فمن تشبه بقوم فهو منهم0
ألا وإن مما يقدح في عزة المسلم أن يقدم التنازلات لخصوم الإسلام ، والانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، ، ولقد قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: ((وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً)) (الإسراء:73) . ( والله يا عماه ما انا بقادر على ان اترك هذا الامر على ان يشعلوا لي شعلة من الشمس ) وفي رواية ( لو وضعوا الشمس في يمني والقمر في شمالي على ان اترك هذا الامر ما تركته او تنفرد هذه السالفة )
وأخيراً: أيها المسلمون: لابد أن نربي أنفسنا أولاً، ثم أبناءنا والأجيال القادمة على معاني العزة، وربطهم بأسبابها ومصدرها0
إن من الخلل في التربية أن ينشأ أفراد المجتمع المسلم أذلة مستهانين يستجدون أعداء الله، ويقفون بانبهار وإعجاب أمام حضارتهم الزائلة الزائفة 
إن من واجب الآباء والمربين أن ينشئوا الأجيال على التخلق بعزة المسلم، من خلال ربطهم بالقدوات الحقيقية، بدءاً برسول الهدى صلى الله عليه وسلم الذي يمثل العزة الحقيقية بأجلى وأسمى صورها 
ثم تربية النشء على قصص السابقين واللاحقين ممن رسموا معالم العزة بأقوالهم وأفعالهم، وتعليمهم البطولات والمواقف الخالدة في سماء العز والشرف
وإن من الأمور المهمة التي يجب أن يهتم بها المربون في تربية الابناء ترك البطالة والكسل، والإعراض عن حياة اللهو والترف، وإضاعة الأوقات بالسفاسف والتوافه، مع تذكيرهم بشكل دائم بمواقف أبناء السلف وصور من همم بعض شباب اليوم، ليتأسوا بهم ويمشوا على منوالهم 
كما ينبغي أن يهتم المربون بتحذير الابناء من الانسياق وراء التقليد الأعمى بلا روية ولا تفكير، لما في التقليد من تحطيم لشخصية المسلم وتمييع لأخلاقه وقتل لرجولته 
إن من واجبنا أن نصنع العزة الحقيقية بأنفسنا.. بكلماتنا.. بمواقفنا.. بأفعالنا.. بعيداً عن العواطف والانفعالات، وإنما عزة موصولة بعزة الله، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون..ويا أيتها المرأة المسلمة يا ذات الستر والعفاف: لا يغرنك مكر الماكرين، ولا يضعف إيمانك سخرية الساخرين، فارتفعي بحجابك، واعتزي بعفافك، واشمخي بحيائك، فو الله إنهم ينفقون ويبذلون ويألمون ويخططون ليصدوك عن سبيل الله فستكون جهودهم عليهم حسرة ثم يغلبون، وفي النهاية سيكون النصر والتمكين لأهل الإصلاح والدين، والذلة والصغار والخسار للمنافقين والمفسدين، والله غالب على أمره ولكن المنافقين لا يعلمون0
 

العبودية لله

( العبودية لله ) : عباد الله: إن أول نداء وجهه ربنا لنا في كتابه الكريم أنْ أمرَنا بعبادته(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة:21-22].
يا أيها الناس، يا أيها العرب والعجم، يا أيها الحُمر والسود والبيض، يا أيها الشيوخ والشباب، يا أيها الرجال والنساء، يا أيها الناس: نداء عام لبني آدم جميعًا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)؛  فهي الغاية التي من أجلها خُلقتم، وهو الهدف الذي لأجله وجدتم  : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات:56-58].
ما خلقكم الله -أيها الناس- ليستكثر بكم من قلة، ولا ليستأنس بكم من وحشة، ولا ليستعين بكم على أمر قد عجز عنه؛ ولكنه خلقكم لتذكروه كثيرًا، وتعبدوه طويلاً، وتسبحوه بكرة وأصيلاً.
الله -جل جلاله- خلقكم -أيها الناس- لتعبدوه بقلوبكم وجوارحكم، بألسنتكم وأبدانكم، لتعبدوه في تصرفاتكم كلها؛ لتكون حياتكم كلها عبادة لله.
هكذا كان الأنبياء -صلوات ربي وسلامه عليهم-، حتى وصفهم الله -عز وجلبأنهم عبيده، لأنهم قد استكملوا هذه الصفة، واستتموا تلك الخصلة، كانوا يعبدون الله -عز وجل- في حركاتهم وسكناتهم، في أقوالهم وأفعالهم، في غُدُوهم ورواحهم، في ليلهم ونهارهم، كان الواحد منهم عبدًا لله حتى ينزل به الموت.
قال الله -عز وجل- عن نوح -عليه السلام-: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء:3]، وقال عن أيوب -عليه السلام-: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) [ص:44-45]، 
وهكذا؛ سيد العباد محمد -صلى الله عليه وسلم-، الله -جل جلاله- يصفه بأنه عبده: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) [البقرة:23]، 
وكذلك الملائكة الكرام -عليهم السلام-، الله -جل جلاله- يصفهم بأنهم عباده: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
إنَّ أشرف أحوالك -أيها المسلم- وأسمى مقاماتك حين تكون عبدًا لله، ما خلقك الله -عز وجل- لتكون عبدًا لغيره، بل خلقك لتعبده وحده لا شريك له، لتقوم وتقعد، وتركع وتسجد، وتذكر وتعبد؛ تذلُّلاً لله الواحد القهار، الذي بيده ملكوت كل شيء.
وهذا الأمر بالعبودية لله سبحانه وتعالى: يتضمن أن يكون الإنسان عبدًا لله، العبودية من البشر للبشر ذل، ومن البشر لله تعالى عز وتشريف ولذلك وصف الله تعالى نبيه في أشرف المقامات بالعبودية سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى  )سورة الإسراء1. ثم عرج به إلى السماء في هذه الرحلة العظيمة في هذه الرحلة إلى الملأ الأعلى وصف الله نبيه بالعبوديةالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ )سورة الكهف1.
في مقام إنزال القرآن على هذا النبي وصفه بالعبودية، وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) سورة الأنفال41. وصفه بالعبودية، وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ )سورة الجن19. وصفه بالعبودية، 
فما أعظمها من مكانة، وما أرفعها من منزلة، يوم يتشرف العبد الفقير بعبودية الرب الجليل القوي العلي القدير.
ومما زادنـي شـرفاً وتيهـاً *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيرت أحمـد لي نبياً
وكذلك فإن العبودية تعني تذللًا؛ لأن الطريق المعبد: هو الطريق المذلل، ولا بدّ أن يكون هناك استسلام لا بدّ أن يكون هنالك طاعة؛ لأنه لا يمكن أن يكون عبدًا له، ثم يتمرد عليه، لا يمكن أن يكون عبد حقيقيًا له ثم يعصيه، فلا بدّ أن يستسلم، ولا يتمرد، ولا يعترض على حكم ولا على قدر.
هذه العبودية، فيها محبة وخوف ورجاء، فالعبودية: تقتضي أن يحب المعبود، وهذا الحب ليس مجرد حب عاطفي! بمعنى أن يقول: إني أحبك، وأنا أحبك، ولكن الأفعال، والأقوال على غير هذا،
محبة الله ليست مجرد محبة عاطفية لكنها محبة تقتضي طاعة؛ إن المحب لمن يحب مطيع، وهذه المحبة مقدمة على محبة الولد والوالد والناس أجمعين، وكذلك محبة كل ما في الدنيا من مال أو متاع مساكن ترضونها أو تجارة تخشون كسادها، فمحبة الله في العبودية مقدمة على محبة كل أحد
محبة رب العالمين هذه التي تجعلك يا عبد الله: تطيعه تعبده تقوم بالعبادة وأنت مقبل ولست بكاره ، ولا أن تمل أو أنك تسأم؛ لأن العبادة التي فيها محبة تسهل القيام بالأعمال لله، وتجعلها مستحلاة، فأنت لا تقوم لصلاة الفجر وأنت نافر كاره، وإنما أنت محب، وعندما تعطي المال تعطي عن طواعية وطيب نفس لأنه لله فأنت محب، وعندما تتحمل مشاق الحج، والتعب المحبة في العبودية تهون عليك المشاق
عباد الله : الإنسان لا بدّ أن يكون عبدًا لشيء، هكذا جعل الله القلب، إما أن يتملكه مال، أو يتملكه امرأة، تتملكه الدنيا، تتملكه علاقة مع معشوق يتملكه شيء، أو عدة أشياء؛ لكن إذا صار الإنسان عبدًا لإنسان، أو لشيء من الدنيا فستكون حياته شقاء، لا يمكن أن يرتاح، سيكون معذبًا بالعبودية لغير الله، 
ولن يكون مرتاحًا،  ولا مطمئنًا إلا إذا عبد الله، وتعبد لله، وصار عبدًا حقيقًيا له وحده لا شريك له، وعند ذلك يتحرر من تسلط بقية الأشياء عليه، لأن العبودية لله تعوضه عن النقص في الأشياء الأخرى، هذه من فوائد العبودية أن العبد مهما فقد من الدنيا، فإن عنده الأمل، وهو يعيش ويرجو رحمة الله سبحانه وتعالى ولا زال الهدف الأساسي قائمًا في حياته وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )سورة الذاريات56 فهو يعمل لهذا الهدف الأساس، بقية الأشياء وقفت تعطلت نقصت، لن تضر نفسيته ومسيرته لأنه قائم بالوظيفة الأساس التي خلق من أجلها لكن أهل الدنيا المتعلقين بها، الذين ليسوا عبيدًا لله، إذا نقص عنده شيء من الدنيا انهار وقد ينتحر
والله -يا عباد الله- إن الشرف والرفعة والمكانة والراحة والطمأنينة والسعادة ليست في الدور ولا في الفلل والسيارات والعمارات، ولا في الأموال والمناصب والجاه، إنها -والله- في عبادة رب الأرض والسموات، إنها في التشرف بالتذلل بين يدي الله، في الخضوع لله، في الارتباط بالله، في الاتصال بالمولى جل في علاه.
فليتك تحلـو والحيـاة مريرة *** وليتـك ترضـى والأنـام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامـر *** وبينـي وبيـن العـالمـين خـراب
إذا صح منك الود  فالكل هين*** وكل ما فوق التراب تراب
عباد الله: العبودية، تقتضي الرجاء أن ترجو ثواب الله، وهذا مما يسرع الأعمال الصالحة عند الإنسان، وكذلك يجعله يمضي فيها لأن هنالك أملًا يريده، على طول حياته، يرجو الثواب من الله في كل شيء، ولو كان شيئًا دقيقًا ولو أخر غصن شجرة عن الطريق، وكذلك فإن العبودية تقتضي الخوف من الله وهذا مهم لأنه هو العنصر الذي يمنع عن ارتكاب المعاصي هو العنصر في العبودية الذي يقي الإنسان من الوقوع في المحرمات هذا الخوف من الله الذي يجعل العبد دائم العبادة لربه سبحانه وتعالى يخاف من التقصير يخاف أن لا يقبل منه.
الخطبة الثانية : العبودية تكون بجميع الجوارح :عباد الله: أن العبودية لله، ليست في القلب فقط، ولا في الجوارح فقط، هي موزعة على أشياء، فهناك عبوديات للقلب، الخوف الرجاء المحبة الاستحياء من الله سبحانه وتعالى الإخلاص الصدق التوكل على الله عز وجل التفويض عبوديات كثيرة قلبية لا يمكن أن تفعل الرجاء باليد! لا يمكن أن تفعل هذا الحياء من الله بعضو من الأعضاء! لكن هذه عبودية قلب، ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، فيض العين أثر للذي حصل في القلب؛ لأن الهيبة والوجل والخوف هذه عبادة قلبية وحتى الشوق إلى الله عبادة قلبية مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ )سورة العنكبوت5
فضرب الله للمشتاقين إليه الذين يحبونه، ويحبون أن يلقونه ويحبون الأجر الذي عنده يريدون الأجر الذي عنده ضرب لهم موعدًا فقال: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ)سورة العنكبوت5. والعبد لا يتمنى الموت؛ لأنه يريد مزيدًا من الوقت للعبادة، لكن إذا نزل الموت اشتاق ، نزل وهو مقبل محب للقاء الله
بخلاف الذي ليس بعبد أو ناقص العبودية، ولذلك من القصص حادث سيارة مؤلم فظيع أقبل الشخص على شاب في الحادث، وقد تقطع، وبقي فيه رمق، وهو يصرخ ويقول: لا أريد أن أموت! لا أريد أن أموت! أنا ما صليت، أنا ما صليت! أريد أن أصلي! لا أريد أن أموت! لكن استمر النزيف حتى وصلت سيارة الإسعاف، كان قد فارق الحياة،
كلمة لا أريد أن أموت قالها عظماء، وكبراء على فراش الموت، لما نزل بهم الموت قال أحدهم من غير المسلمين: لا تتركوني أموت! لا تتركوني أموت! لأن الأمل كله كان في الحياة وملذاتها، فالآن إذا ذهبت إلى أين سيمضى وماذا سيبقى؟ 
بينما المؤمن العابد عندما ينزل به الموت يشتاق للقاء الله ، يشتاق لما امضى حياته في عبوديته ، يشتاق للثواب من الله ، بل ان الحياة الحقيقية تبدأ حينها في نظر المؤمن ، وان كل ما مضى على هذه الارض انما هي في نظره معبر وطريق قطعه للوصول الى وجهته ولقاء ربه 
العبوديات يا عباد الله: قلبية، ولسانية كهذه الأذكار من التسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل، والحوقلة، والاسترجاع هذه الأذكار الكثيرة المؤقتة، وغير المؤقتة، والمحدودة بعدد وغير المحدود بعدد، والمقيدة بزمان، والمقيدة بمكان، مقيدة بهيئة بحال، أو غير مقيدة على اختلافها، 
وهناك عبوديات لليد كمصافحة المسلم للمسلم، واستلام الحجر الأسود، وتغيير المنكر، ونحو ذلك، هناك عبوديات بالأذن كسماع القرآن، وبالعين كالنظر في المصحف، وكذلك بالشم كشم الأولاد وتقبيلهم، وتمييز الشيء عن غيره في الأمانات أحيانًا، وكذلك عبوديات بالقدم كالطواف حول الكعبة والمشي الى الصلاة والطاعة ونحو ذلك، فانظر إلى توزع العبودياتهنا على الجسد بحيث تغطي سائر أحوال الإنسان وأوقاته ويكون فعلًا يعيش مع الله وهذه من معاني العبودية أن يكون عيشك معه 
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا وتهيئوا للعرض الأكبر على الله (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة:18]
 يا شيخاً كبيراً احدودب ظهره ودنا أجله ماذا تنتظر؟ وماذا أعددت للقاء الله؟ ويا شاباً غره شبابه وطول الأمل ماذا تنتظر؟ وماذا أعددت للقاء الله؟ يا من بدنياه اشتغل *** وغـره طـول الأمل
الموت يأتـي بغتـة *** والقبر صندوق العمل