إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 12 يوليو 2019

نعمة الأمن

( نعمة الامن ) 
أيّها المسلمون، فرَض الله الفرائضَ وحرَّم المحرَّماتِ وأوجب الحقوقَ رِعايةً لمصالحِ العباد، وجعل الشريعةَ غِذاءً لحِفظ حياتِهم ودواءً لدَفع أدوائهم، وجاءت دعوةُ الرّسل بإخلاصِ العبادةِ لله وحدَه بخضوع وخشوعٍ وطمأنينة، ومَقَتت ما يصرِف القلوبَ عن خالقِها، فكانت أوَّل تضرُّعات الخليل عليه السلام لربّه جل وعلا أن يبسُطَ الأمنَ على مهوى أفئِدَة المسلمين فقال: ربِّ اجعل هذا البلدَ أمنًا، فاستجاب الله دعاءَه فقال سبحانه: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا[آل عمران:97].

وفضَّل الله البيتَ الحرام بما أحلَّ فيه من الأمنِ والاستقرار، وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125]. 

وامتنَّ الله على ثمودَ قومِ صالح نحتَهم بيوتَهم من غير خوفٍ ولا فزع، فقال عنهم: وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ [الحجر:82]. 

وأنعمَ اللهُ على سبَأ وأغدَق عليهم الآلاء المتتابعةَ وأسكنهمُ الدّيار الآمنة، فقال جل وعلا: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ [سبأ:18]. 

ويوسفُ عليه السلام يخاطبُ والدَيه وأهلَه ممتنًّا بنعمة الله عليهم بدخولهم بلدًا آمنًا مستقرًّا تطمئنّ فيه نفوسهم وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [يوسف:99]. وحَبَس الله عن مكةَ الفيلَ وجعل كيدَ أصحابِ الفيل في تضليل لتبقَى كعبةُ الله صرحًا آمنًا عبر التاريخ.

والعربُ قبلَ الإسلام كانت تعيش حالةً من التمزُّق والفوضى والضّياع، تدور بينهم حروبٌ طاحنة ومعاركُ ضارية، وعلَت مكانةُ قريش من بينهم لاحتضانها بلدًا آمنا، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67]، 

بل وأقسم الله بذلك البلدِ المستقرِّ الآمن: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين:1-3]، 

ووعد الله نبيَّه محمَّدًا عليه الصلاة والسلام وأصحابه بأداء النُّسُك على صفةٍ تتشوَّف لها نفوسهم وهي الأمنُ والاطمئنان، قال جلّ وعلا: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ [الفتحة:27].
وممّا اختصَّت به مدينةُ المصطفى  أمنُها حين فَزَع القرى من المسيح الدجال، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يدخُل المدينةَ رعْبُ المسيح الدجال، لها يومئِذ سبعةُ أبواب، على كلِّ باب ملكان)) رواه البخاري

ومن نعيمِ أهل الجنة في الجنّة أمنُ المكان، فلا خوفَ ولا فزعَ ولا تحوُّل، ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ [الحجر:46]، وقال سبحانه: وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ:37]، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ [الدخان:51].

أيّها المسلمون، لقد جمعت شريعةُ الإسلام المحاسنَ كلّها، فصانت الدينَ وحفِظت العقول وطهَّرتِ الأموال وصانت الأعراض وأمَّنت النفوس، أمرتِ المسلمَ بإلقاء كلمة السلام والأمن والرحمةِ والاطمئنان على أخيه المسلم إشارةً منها لنشرِ الأمن بين الناس، وأوجبت حفظَ النفس حتى في مظِنَّة أمنها في أحبِّ البقاع إلى الله، قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا مَرَّ أحدُكم في مسجدِنا أو في سوقنا ومعه نَبلٌ فليمسِك على نِصالها ـ أو قال: ـ فليقبِض بكفِّه أن يصيبَ أحدًا من المسلمين منها بشيء)) متفق عليه

وحذَّرت من إظهارِ أسباب الرَّوع بين صفوفِ المسلمين، قال : ((لا يُشِر أحدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعلَّ الشيطانَ ينزِع في يده، فيقعُ في حفرةٍ من النار)) متفق عليه
وحرَّمت على المسلم الإشارةَ على أخيه المسلم بالسّلاح ولو مازحًا، قال النبيّ : ((من أشار إلى أخيه بحديدةٍ فإنّ الملائكة تلعنُه حتى يدعَها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه)) رواه المسلم
قال النوويّ رحمه الله: "هذا مبالغة في إيضاح عُموم النهي في كلِّ أحدٍ، سواء من يُتَّهم فيه ومن لا يتَّهم، وسواء كان هذا هزلاً ولعبًا أم لا؛ لأن ترويعَ المسلم حرامٌ بكلِّ حال"

ودعا الإسلامُ إلى كلِّ عمل يبعَث على الأمن والاطمِئنان بين صفوفِ أفراده، وأمر بإخفاء أسباب الفزَع في المجتمع، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّع مسلِمًا)) رواه أحمد
ولمَّا دخل النبيّ  مكَّة عامَ الفتح، منح أهلَ مكَّة أعظمَ ما تتوُق إليه نفوسهم، فأعطى الأمانَ لهم وقال: ((من دخَل دارَ أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقَى السّلاحَ فهو آمن، ومن دخل المسجدَ فهو آمن)) رواه مسلم
وما شُرعت الحدود العادِلة الحازمة في الإسلام على تنوُّعها إلاَّ لتحقيقِ الأمن في المجتمعات.

أيها المسلمون، بالأمن والإيمان تتوحَّد النفوسُ، وتزدهِر الحياة، وتغدَق الأرزاق، ويتعارف الناس، ، ويزدادُ الحبلُ الوثيق بين الأمة وعلمائها، وتتوثَّق الروابطُ بين أفراد المجتمع، وتتوحَّد الكلمةُ، ويأنس الجميعُ، ويتبادل الناسُ المنافع، وتُقام الشعائر بطمأنينة، وتقُام حدود الله في أرض الله على عباد الله.

وإذا اختلَّ الأمنُ تبدَّل الحالُ، ولم يهنأ أحدٌ براحةِ بال، فيلحقُ الناسَ الفزعُ في عبادتهم، فتُهجَر المساجد ويمنَع المسلم من إظهارِ شعائر دينه، قال سبحانه: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس:83]، وتُعاق سُبُلُ الدعوة، وينضَب وُصول الخير إلى الآخرين، وينقطع تحصيلُ العلم وملازمة العلماء، ولا توصَل الأرحام، ويئنُّ المريض فلا دواءَ ولا طبيب، وتختلُّ المعايش، وتهجَر الديار، وتفارَق الأوطان، وتتفرَّق الأسَر، وتنقَضُ عهودٌ ومواثيق، وتبور التجارة، ويتعسَّر طلبُ الرزق، وتتبدَّل طباعُ الخَلق، فيظهرُ الكَذِب ويُلقَى الشحّ ويبادَر إلى تصديق الحَبَر المخوف وتكذيب خبر الأمن.

باختلال الأمن تُقتَل نفوسٌ بريئة، وترمَّل نساء، ويُيتَّم أطفال. إذا سُلِبت نعمةُ الأمن فشا الجهلُ وشاع الظلم وسلبتِ الممتلكات، وإذا حلَّ الخوفُ أُذيق المجتمعُ لباسَ الفقر والجوع، قال سبحانه: فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112]
الخوفُ يجلِب الغمَّ، وهو قرين الحزن، 
ولو قلَّبتَ البصرَ في الآفاقِ لوجدتَ الأمنَ ضرورةً في كلّ شأن، ولن تصلَ إلى غايةِ كمالِ أمرٍ إلا بالأمن، بل لن تجدَ مجتمعًا ناهضًا وحبالُ الخوف تهزّ كيانَه.
أيّها المسلمون، نعمةُ الأمن من نعَم الله حقًّا، حقيقٌ بأن تُذكَر ويذكَّر بها وأن يُحافَظ عليها، قال سبحانه: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ [الأنفال:26]

ونعمةُ الأمن تُقابَل بالذكر والشكر، فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239]. 
وأمَر الله قريشًا بشكر نعمةِ الأمن والرخَاء بالإكثار من طاعته، قالَ جل جلاله: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ  الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3، 4].

والمعاصي والأمنُ لا يجتمِعان، فالذنوب مُزيلةٌ للنِّعم، وبها تحُلّ النقم، قال سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53]، وما نزل بلاءٌ إلاَّ بذنب، ولا رُفِع إلا بتوبة. والطاعةُ هي حِصن الله الأعظمُ الذي من دخله كان من الآمنين.
وبالخوف منَ الله ومراقبتِه يتحقّق الأمن والأمان، فما منع الاخ من قتل أخيه الاّ خوفِه من ربِّه جل وعلا، مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة:28].

والعنايةُ بالعلم والتمسُّك بالكتابِ والسنة شريعةً وقِيَمًا وأصولاً اجتماعية عصمةٌ من الفتن، وللتعليم الشرعيِّ أساسٌ في رسوخ الأمن والاطمئنان، قال ابن القيّم رحمه الله: "وإذا ظهر العلمُ في بلدٍ أو محلّة قلّ الشر في أهلها، وإذا خفي العلمُ هناك ظهَر الشرّ والفساد"
والعلماءُ الربانيّون هم ورثةُ الأنبياء، وفي ملازمتِهم وزيارتهم وسؤالهم والاستنارةِ بآرائهم سدادٌ في الرأي وتوفيقٌ للصواب ودرءٌ للمفاسد. وببركةِ الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر تُمنَع الشرور والآفات عن المجتمعات. وحِفظُ العبد نفسَه من شهواتِ النفس وشبهاتِ القلبِ أصلٌ في صيانةِ المجتمع من المخاوف والمكاره. وتأويلُ نصوص الشريعة على غير وجهِها سببُ انحرافِ الفهوم، ومنها ينطلق الأعداءُ لتلويث عقولِ الناشئة، ويزداد أثره حينَ يضعُف التحصُّن بعلوم الدين.

الخطبة الثانية : 
وبعد: أيها المسلمون،.
يجب أن ينهلَ الجميعُ من منبع الكتاب والسنّة من غير تحريفٍ أو تأويل لنصوصِهما، ومعرفة ضوابط الولاءِ والبراء من غير إفراطٍ فيها أو مجافاة عنها, وبالتمسك بالشريعة يسعَدُ الجميعُ بالأمن والرخاء.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ[النور:55].
إن من أراد أن يأمن في هذه الحياة الدنيا من عذاب الله عز وجل، ويحصل على الأمن والسلام في دينه ونفسه وعقله وماله وعرضه، ويحصل على الأمن يوم القيامة، فلن يجد ذلك إلا في ظل الإسلام الحقيقي الذي هو توحيد الله عز وجل، وأحكامه وطاعته، والدخول في السلم كافة، قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل: 97] 
ومن ذهب يبحث عن الأمن والسعادة في غير طاعة الله عز وجل وتوحيده؛ فمثله كمن رأى سراباً حتى إذا جاءه لم يجد شيئاً، بل لن يجد إلا الخوف والرعب والقلق والشقاء. قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)  [طه: 124].
وليعلم المؤمن إن الأمن الذي يشعر به في طاعة الله عز وجل، ويجده في محبة الله تعالى والأنس به، واليقين بلقائه لا يعني أنه لا يتعرض للخوف والفزع في الدنيا بل إن من سنة الله عز وجل في عباده المؤمنين أن يبتليهم ويمحصهم بصنوف من البلاء. 
ومن أنواع البلاء: المخاوف والهموم والأذى الذي يتعرضون له من أعداء الله عز وجل لكنهم بما عندهم من الإيمان، والتوكل على الله تعالى، والثقة في كفايته، ورجاء الأجر عنده يوم القيامة كل ذلك من شأنه أن يخفف عليهم المخاوف ويسكب في نفوسهم الأمن والطمأنينة والسكينة والثبات. والأمثلة على ذلك كثيرة وكثيرة.
فهؤلاء أنبياء الله تعالى وصفوته من خلقه لم يتعرض أحد من البشر إلى الأذى والمخاوف مثل ما تعرضوا له، ولكنهم واجهوا ذلك كله بالطمأنينة، والاستعانة بالله تعالى وتفويض الأمور إليه ، ثم إن لهم أعظم الكرامة حين يلقون ربهم تبارك وتعالى في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
فمن أهم أسباب الامن إقامة شرع الله في الارض ، وتطبيق حدوده ، والاخذ على أيدي السفهاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، قمع أهل الفساد وأطرهم على الحق أطرا ، وقصرهم على الحق قصرا ، حتى يأمن المجتمع من شرهم ويكون الدين كله لله ، فبالشكر تدوم 
1

الجمعة، 5 يوليو 2019

فضل العالم والمتعلم

( فضل العالم والمتعلم ) 
قال الله عز وجل ) فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [الأنبياء: 7فأوجب علينا الرجوع إليه في المسائل، وأوجب علينا اللجوء إليهم في النوازل والحوادث، فقال ) وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83].
وأخبر الله  سبحانه وتعالى أن الذين يخشونه حقًا هم العلماء، فقال )  إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[فاطر : 28].
وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته على أعظم حقيقة وهي التوحيد، فقال ) شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ [آل عمران: 18فأشهدهم على هذه الحقيقة العظيمة.
وأخبر عن الفرق بينهم وبين الجهال فقال قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ[الزمر: 9].

وقد أمر الله عباده بأن ينقسموا إلى قسمين، فقال عز وجلوَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: 122].
فأوجب على إحدى الطائفتين الجهاد في سبيل الله لئلا يغلب الكفار المسلمين، وأوجب على الطائفة الأخرى التفقه في الدين لئلا تندرس الشريعة، فحرس بيضة الإسلام بالمجاهدين، وحفظ شريعة الإيمان بالمتعلمين.
هؤلاء العلماء يأتون يوم القيامة طائفة من الناس بين يدي الله -سبحانه وتعالى- كما قال عليه الصلاة والسلام ) إذا حضر العلماء ربهم يوم القيامة كان معاذ بن جبل بين أيديهم بقذفة حجر [صححه الألباني في الصحيحة: 109].
فهؤلاء إذًا يأتون الله يوم القيامة مكرمين بين يدي ربهم بسبب أنهم أوصلوا إلى الناس شريعته، ودرسوا وحيه.

وقال عليه الصلاة والسلام مبينًا فضلهم فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب [ حسن لغيره
وقال فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ، 
وقال عليه الصلاة والسلام ) :  إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير  [رواه الترمذي: 2685، وقال الألباني: "حسن لغيره"؛ كما في صحيح الترغيب والترهيب: 81].

فكفى بهذا شرفًا وكفى بهذه الرتبة أجرًا عظيمًا لمن صار من أهلها؛ كما جاء في هذه الأحاديث الصحيحة التي سقناها، وحتى الأشياء التي قد يظنها بعض الناس سهلة يتراجعون فيها إلى من هب ودب أمر عليه الصلاة والسلام بالرجوع في شأنها إلى أهل العلم، فقاللا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح [رواه الترمذي: 2280، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 119].
قال أبو مسلم الخولاني -رحمه الله "مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، إذا بدت لهم اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيرواولم يعودوا يدرون أين الطريق. ) 
أما فضل أهل العلم فإنه كثير، وقد يتصور بعض الناس أن الفضل فقط للعلماء، لكن الحقيقة أن كل من يتعلم مسألة واحدة من المسائل ويعلمها لغيره فإنه ينال أجرًا عظيمًا، ولذلك لا ينبغي احتقار تعلم مسألة واحدة أي مسألة من مسائل العلم، وتبليغها للناس.
وإذا كان المسلم عندما يرى الآيات والأحاديث في فضل العلم وأهله تترا لا يتحمس بعد ذلك لطلب العلم، ولا تندفع همته ونفسه ترتفع من أجل تحصيله، فعليه أن يراجع نفسه .
إن المسلم إذا سمع قول اللهيَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ[المجادلة: 11وكم بين الدرجة والتي تليها؟ الله أعلم.
عندما يسمع قول الله وهو لم يأمر نبيه أن يزداد من شيء إلا من العلم في قولهوَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طـه: 114فهو يسأل الله في دعائه أن يزداد من العلم.
وعندما يسمع حديث رسول الله الذي يخبر به أنه )   لا حسد إلا في اثنتين  ذكر منهما رجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها [رواه البخاري: 73، ومسلم: 816هذا يغبط ويتمنى مثل حاله يقضي بالحكمة يقضي بالعلم ويعلمه الناس.
لو لم يكن في طلب العلم وتحصيله وتعليمه إلا مثل الأجر الوارد في حديثه عليه الصلاة والسلام لكفى، وهو الحديث الذي يقول فيه لعلي -رضي الله عنه ) -: لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم [رواه البخاري: 2942، ومسلم: 2406].
كيف تستطيع أن تحصل هذا الأجر وهذه الهداية إلا بالعلم الذي تحصله وتكتسبه ليقودك إلى هداية الناس.
وقال صلى الله عليه وسلم مبينًا فضل تعليم الناس: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجوره من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا [رواه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في صحيحه2674].
إذا أراد الله بك خيرًا يا عبد الله فسيفقهك في الدين كما قال الرسول من يرد الله بهخيرًا يفقه في الدين [رواه البخاري: 71، ومسلم: 
يا عبد الله : إذا كان الإنسان يبعث على ما مات عليه يوم القيامة كما أخبر رسول الله فيما رواه الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه ) يبعث كل عبد على ما مات عليه [رواه مسلم: 2878فما ظنك بالحال التي سيبعث عليها طالب العلم أو العالم يوم القيامة، وعلى أي منزلة يكون بين الخلائق؟
وقد ذكر الخطيب البغدادي -رحمه الله- في كتابه: "الفقيه والمتفقه" فصلاً بعنوان: ذكر إن الله يبعث يوم القيامة كل عبد على مرتبته التي مات عليها، ثم قال: ذكر الرواية أن الله -تعالى- لا يخلي الوقت من فقيه أو متفقه، وساق بإسناده حديثه عليه الصلاة والسلاملا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعمله فيه بطاعته إلى يوم القيامة [الفقيه والمتفقه: 1/137، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 2442].
وذكر ابن القيم -رحمه الله- في "مفتاح دار السعادة": أن هذا الغرس هم أهل العلم الذين يغرسهم الله في أرضه يعلمون الناس الخير [
لولا هؤلاء لصارت الأرض صحراء قاحلة لأنه ليس فيها خير، ليس فيها علم، ليس فيها دين، فلا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً، يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة.
إذًا -أيها الإخوة- يتبين مكانة هؤلاء الناس وعظم أثرهم ..
قال عليه الصلاة والسلام :  تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا [رواه البخاري: 3493، ومسلم: 2526إذا تعلموا وفهموا.
وفي الحديث : (  بينا أنا نائم إذا أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى لأرى الري يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب  قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم [رواه البخاري: 82، ومسلم: 2391].
الخطبة الثانية : 
ومن الأمور المهمة -: معرفة فضل الطلب والأجر الذي يكون لصاحب العلم إذا طلبه، ولا شك أن النفوس تتشوف لمعرفة الأجر، ولا شك أن معرفة الأجر والثواب مما يدفع المسلم الىمجالس العلم وحلق الذكر ، 
قال  من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء ولم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر [رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، وابن ماجه: 223، وأحمد: 21715، وقال محققو المسند: "حسن لغيره"].
وقال عليه الصلاة والسلام ) :  من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة [رواه مسلم: 2699].
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله-: فكل طريق حسي أو معنوي يسلكه أهل العلم يعين على العلم أو يحصله فإنه داخل في قوله من سلك طريقًا أي طريقة توصل للعلم  سهل الله له طريقًا إلى الجنة  أي طريقة، سؤال بالهاتف، سماع شريط، قراءة كتاب، تفكير في مسألة، مدارسة مع طلبة العلم، بحث وتنقيب في الكتب، أي طريقة تحصل بهاالعلم يسهل الله لك بها طريقاً إلى الجنة.
وقال عليه الصلاة والسلام ) إن الله أوحى إليّ أنه من سلك مسلكًا في طلب العلم سهلت له طريق الجنة، وقصد في علم خير من فضل في عباده [رواه البيهقي في شعب الإيمان: 5367، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 255].
وقال ) : ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم، إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع [رواه ابن ماجه: 226، وأحمد: 18093، وابن خزيمة: 193، وابن حبان: 85، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 85ذاهبًا وراجعًا، حتى يرجع، تذهب إلى حلقة علم في بيت من بيوت الله تحيي قلبك، وتعرف الحلال من الحرام، تفتح كتابًا، تتصل بشيخ أو عالم تسأله.
ومعنىتضع الملائكة أجنحتها  قال الخطابي -رحمه الله-: يحتمل ثلاثة معاني: الأول: أنه بسط الأجنحة. الثاني: أنه بمعنى التواضع تعظيمًا لطالب العلم، تصور ملائكة الله بأجنحتها، ملائكة الرحمن بأجنحتها الهائلة العظيمة تتواضع لطالب العلم رضا بما يصنع.
ثالثًا: أن المراد به النزول عند مجالس العلماء وترك الطيران [معالم السنن: 1/61]؛ لأن الملائكة تطير ولها أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فتترك الطيران، وتنزل تحف الحلق بأجنحتها فيما بين السماء والأرض، كل هذا لطالب العلم، تسهيل الطرق إلى الجنة، وإنزال الملائكة، ووضع الأجنحة له رضا بما يصنع، من الذي يستطيع أن يحصل فضيلة مثل هذه الفضيلة، وأي عمل يكون له من الفضل والأجر مثل هذا العمل؟ طلب العلم.
هذه الآيات والأحاديث تحمس وتدفع إلى الطلب، ويكون الإنسان مغبونًا أي غبن إذا ترك العلم وطلب العلم وهذه الآيات والأحاديث تدل على فضل الطلب وأجر الطلب.
ونختم بهذا احديث العظيم : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا
قال فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم ما يقول عبادي قال يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك
قال فيقول هل رأوني قال فيقولون لا والله يا رب ما رأوك قال فيقول فكيف لو رأوني قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا
قال فيقول فما يسألوني قال يقولون يسألونك الجنة قال فيقول وهل رأوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها
قال فيقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة
قال فمم يتعوذون قال يتعوذون من النار
قال فيقول وهل رأوها قال يقولون لا والله ما رأوها
قال فيقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة
قال فيقول أشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة ...قال هم القوم لا يشقى بهم جليسهم

رواه البخاري واللفظ له ومسلم