إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 7 مارس 2019

توقير رسول الله ﷺ

توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم
مرة أخرى وحديثنا اليوم عن الوقار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 فمِنْ حَقّ النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أن يُهاب ويُعظم ويُوَقّر ويُجَل أكثرَ مِما يُجِلّ الوَلدُ والِدَه، والعبدُ سيدَه، قال تعالى﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157]. ﴿ وعزّروه ﴾ [الأعراف: 157]: أي وَقَّرُوه وعَظّمُوه.
 كيف لا نوقّره ونجِله؛ وهو صاحب المهابة والوقار، وصاحب القيم والأخلاق؟
  كيف لا نُوقّرُه؛ وهو صاحب الخلق العظيم، الذي زكاه ربه فقال سبحانه﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].
 كيف لا نُوقّرُه؛ وهو نِعمةُ ربّ العالمين على الناس أجمعين. قال ربنا سبحانه﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164]. وقال عز وجل﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].
 كيف لا نُوقّرُه؛ وهو سيد المرسَلين، وخاتم النبيين، وإمام المتقين؟. هو الذي اصطفاه ربه واجتباه فختم به الرسالة، وهدى به من الضلالة، بعثه الله ليكون مبشرا بالخير، محذرا من الشر، سراجا ينير الطريق للسالكين. قال سبحانه﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ [الأحزاب: 45، 46]
 كيف لا نُوَقره؛ وبه هُدِينا إلى الطريق المستقيم؟.
 كيف لا نُوَقّرُه؛ وهو الحريص على هداية أمته؟ تعب من أجل هداية أمته، وأوذي فصبر من أجل هداية أمته، ما مِن خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذر الأمة منه، قال ربنا سبحانه﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]. 
كان عليه الصلاة والسلام يتألم لآلام قومه، ويصبر على أذاهم، ويفرح بهدايتهم، ويخشى عذابَ الله عليهم، كان يدعو لهم ولا يدعو عليهم؛ روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ [إبراهيم: 36]، وقال عيسى عليه السلام﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 118] فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي» وبكى صلى الله عليه وسلم، فقال الله: «يا جبريل، اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسَله ما يبكيه»، فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: «إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك».
 وها هو عليه الصلاة والسلام يجَسّدُ لنا حِرصَه على إنقاذ أمته من الهلاك والضلال فيقول: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادِب والفراش يقعْنَ فيها، وهو يَذُبُّهن عنها؛ وأنا آخِذٌ بحُجَزِكم عن النار، وأنتم تفَلَّتُون مِن يَدِي». رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه.
 ولكل نبي من الأنبياء عليهم السلام دعوة مستجابة، دعوا ربهم فاستجاب الله تعالى دعواتهم، وأعطاهم مسائلهم، إلا رسولنا صلى الله عليه وسلم فإنه ادّخر دعوته شفاعة لأمته في موقفٍ هُمْ أحوجُ ما يكونون إلى شفاعتِه، فصلوات ربي وسلامه عليه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجّلَ كل نبي دعوَته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله مَنْ ماتَ مِنْ أمّتي لا يشركُ بالله شيئا».
 وإنّ نبيا بلغ حِرصُه علينا ورحمتُه بنا هذا المبلغَ العظيم لحَرِيٌّ بنا أن نؤمن به ونصَدّقه، وأن نعزّره ونوقره، وأن نتّبعه ونُطيعه، وأن نحبه أشدّ مِن محبتنا لأنفسنا وآبائنا، وأمهاتنا وأزواجنا، وأولادنا وأموالنا، فهو بفضل الله تعالى هدايتنا ونجاتنا، وهو حياتنا وسعادتنا، فما بُعِثَ به كان غيثَ قلوبنا وحياتَها، وزكاءَ نفوسنا وصفاءَها، وأعظمُ خير بلغنا-وهو الإيمان- إنما بلغنا عن طريقه، وأعظم شرّ تركناه -وهو الكفر- إنما تركناه لأنه صلى الله عليه وسلم قد حذرَنا منه، ومَن مات منا على الإيمان، ونال الجنة والرضوان، فما نال ذلك إلا بسبب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته؛ فهل تروْن لأحدٍ حقا عليكم -بعد حَقّ الله عز وجل- أعظمَ مِن حَقّ أبي القاسم صلى الله عليه وسلم؟. فكونوا من أحبابه، وكونوا من أتباعِه وأنصاره.
وجوب توقير النبي صلى الله عليه وسلم واحترامه في حياته وبعد مماته:
أما في حياته فقد أمر الله تعالى بطاعتِه صلى الله عليه وسلم وحُسْنِ الأدَب معه في مخاطبته، ونهى عن أذيته ومخالفته، فقال سبحانه﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الحجرات: 1 - 4].

 وقال عز وجل﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ﴾ [النور: 63]. أي لا تخاطبوه باسمه المجرد كما يخاطب بعضكم بعضا. ولكن احترموه ووقروه، واختاروا في مخاطبته ما يدل على تشريفه وتوقيره.
 قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، إعظامًا لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، قال: فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله.
 وقال قتادة: أمَر الله أنْ يُهابَ نبيُّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأنْ يُبَجَّلَ وأنْ يُعظَّمَ وأنْ يُسوَّدَ.
  وتوقيرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه واحترامه بعد وفاته لازم كما كان حالَ حياته، وذلك عند ذِكره وذكر حديثه وسنته، وسماع اسمه وسيرته، وتوقيرُ أهل بيته وصحابته.
 عن السائب بن يزيد قال: كنتُ قائمًا في المسجد فحصَبَنِي رجلٌ، فنظرت فإذا عمرُ بن الخطاب، فقال: اذهَبْ فائتني بهذين، فجئتُه بهما، فقال: مَن أنتما؟ أو مِن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتُما من أهل البلد لأوجعتُكما؛ تَرفعان أصواتَكما في مسجدِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
 وقد كان من توقير أهل العلم للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يحدثون بحديثه إلا وهم على أحسن حال وهيئة، ويربون أتباعهم على ذلك، قال أبو سلمة الخزاعي رحمه الله تعالى: (كان مالك بن أنس إذا أراد أن يخرج ليُحدّث توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوة، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقر به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم).
 وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحاضرين بالسكوت وقال﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ [الحجرات: 2] ويتأول أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله.
 وهذا الحسن البصري رحمه الله تعالى كان يبكي إذا حدّث بحديث الجذع الذي بكى لما فارقه النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: يا عباد الله، الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ شوقا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.
 من توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم: كثرة الصلاة والسلام عليه:
فالمحِب لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي لا يمل من كثرة الصلاة والسلام عليه، هو الذي لا يبخل بالصلاة عليه عند سماع اسمه وقراءة حديثه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: « البخيل مَن ذُكِرتُ عنده ثم لم يُصَلّ عَليّ ». أخرجه الإمام أحمد وابن حبان والنسائي والحاكم وصححه.
 ومن توقيره عليه الصلاة والسلام: تعظيمُ شرعِه وحُكمِه وسُنّتِه:
فما عظّمَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ولا وقَّرَه من يعترض على شرعه وحُكمه؛ فعن أبي رافع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم مُتّكِئا على أريكتِه، يأتيه الأمرُ من أمري مما أمَرْتُ به أو نهيْت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
 وقال تعالى﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]. أي: إذا حَكَّموك في أمر من الأمور فعليهم أن يطيعوك في بَواطنهم، فلا يجدُون في أنفسهم حرَجًا ممَّا حكمت به، وينقادون له في الظاهر فيُسلِّمون لذلك تسليمًا كليًّا من غير مُمانَعة ولا مُدافَعة ولا مُنازَعة.
الخطبة الثانية : 
 ومن توقيره عليه الصلاة والسلام: محبته أكثر من غيره من الخلق:
قال تعالى﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24]
 وروى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه مِن والِده ووَلَده، والناسِ أجمعين».
 ومن توقيره عليه الصلاة والسلام: طاعتُه واتباعه:
فطاعته طاعة لله، كما أن مخالفته مخالفة لأمر الله، قال تعالى﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]
 وقال تعالى﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]. أي: مهما أمرَكُم به فافعَلُوه، ومهما نَهاكم عنه فاجتَنِبوه، فإنَّه إنَّما يأمُر بخيرٍ وإنَّما ينهى عن شرٍّ.

ومن خالف أمره عليه الصلاة والسلام فقد ضل عن سواء السبيل، قال تعالى﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 50]
 وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه علامة على صدق محبة العبد لربه سبحانه، لقوله تعالى﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾[آل عمران: 31، 32].
 ولا سبيل إلى الجنة إلا بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلّ أمتي يدخلون الجنة إلا مَن أبى»، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: «مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى».
 فأين نحن من توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتقديره واحترامه؟.
أين نحن من توقيره؛ ونحن نخالف أمره ونترك سنته؟.
أين نحن من توقيره؛ ونحن نتلاعب بدينه وشرعه؟.
 فهل وقرَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَن غيّرَ دينَ الله تعالى، وأولّ النصوص المحكمة الواضحة، ليوافقَ أهواء البشر ورغباتهم؛ لجاهٍ يبتغيه، أو مالٍ يطلبه، أو دُنيا يريدها، والنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنه سيتبرأ يوم القيامة ممن بدّل وغيّر مِن بَعْدِه. ففي الصحيحين عن سهل بن سعد، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إني فرَطُكم على الحوض، مَن مَرّ علي شَرب، ومَن شرب لم يظمأ أبدا، لَيَرِدَنّ عليّ أقوام أعْرِفُهم ويَعْرِفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقولإنهم مِني، فيُقال: إنك لا تدري ما أحْدثوا بعدَك، فأقول: سُحقا سُحقا لمن غيّرَ بَعدي».
 وهل وقرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَن يَسْخَرون مِن سُنتِه، ويطالبون باطراح دينه، ويسعون في صرف الناس عنه واستبداله بمناهج الشرق والغرب؟.
 وهل وقرّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم من يريد القضاء على أخلاقه التي ربى عليها أمته، ووعد المتخلقين بها بجواره في مجالس الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون»، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون». أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة.
 فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بدينكم، واعْرِفوا لنبيكم صلى الله عليه وسلم حَقّه وقدْرَه، ووقروه وعزروه، وعظموا سنته، واحفظوا له مكانته، وأنزلوه منزلته التي أنزله الله تعالى إياها بلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو وتقصير، واقرؤوا سيرته، وتزودوا من حديثه، وأطيعوا أوامره، واجتنبوا زواجره؛ فذلكم هو طريق النجاة والنجاح، وسبيل الفوز والفلاح، ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 71].

3

 

الخميس، 28 فبراير 2019

تعظيم السلف للنبي -صلى الله عليه وسلم-

تعظيم السلف للنبي صلى الله عليه وسلم
من أخبار الصحابة رضي الله عنهم
الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله عز وجل ؛ فإنها وصية الله تعالى للأولين والآخرين  {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً }النساء131
أيها الناس: فضل الله تعالى الرسل على بعض ، وفاوت بينهم في كثرة أتباعهم وقلتهم ، وقوة هؤلاء الأتباع وضعفهم ، وقد  عرضت الأمم على النبي صلى الله عليه وسلم   فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط ، والنبي ليس معه أحد قال - عليه الصلاة والسلام - :(حتى رفع لي سواد عظيم قلت: ما هذا ؟ أمتي هذه ؟ قيل: هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سواد يملأ الأفق ثم قيل لي: انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء فإذا سواد قد ملأ الأفق قيل: هذه أمتك) رواه الشيخان
ولذلك غبط موسى - عليه السلام- نبينا محمدا - عليه الصلاة والسلام- على كثرة أتباعه
وأفضل الناس في كل أمة من الأمم هم من صحبوا رسولهم مؤمنين به ، مدافعين عنه ، داعين إلى دينه0ومن جاء بعدهم ممن لم يدركوا الرسول فآمنوا به أُلحقوا بهم في الفلاح والفوز العظيم بدليل كلام الله تعالى  {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }التوبة100 وقالت الأنصار- رضي الله عنهم - :   ( يا رسول الله لكل نبي أتباع وإنا قد اتبعناك فادع الله أن يجعل أتباعنا منا فدعا به ) رواه البخاري
ولما كان الصحابة - رضي الله عنهم - أصحاب أفضل نبي - عليه الصلاة والسلام - ؛ كانوا أفضل الأصحاب ، وخير هذه الأمة ، فهم السابقون إلى الإيمان والهجرة ، والجهاد والنصرة0صدّقوا حين كثر المكذبون ، واتبعوا إذ قل المتبعون ، وتحملوا في سبيل ذلك هجر الأوطان ، ومفارقة الأهل والولدان ، ومعاداة العشيرة والخلان ، ومهما عمل من بعدهم فلن يبلغوا مبلغهم ، ولن يحوزوا فضلهم ، أو يدركوا سبقهم ؛ ولكنهم يلحقون بهم في الفوز والجنة ، لا في الفضل والدرجة .. وفي هذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:( لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ) رواه الشيخان ،
إنهم - رضي الله عنهم - أعظم هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم إيمانا ويقينا ، وأكثرهم تضحية وبذلا ، فاستحقوا ما نالوا بفضل الله تعالى عليهم ، ورحمته بهم ، واصطفائه لهم ؛ ليكونوا أحباب خاتم رسله  -عليه الصلاة والسلام - ، وأخبارهم  -رضي الله عنهم - غزيرة في تصديقهم ومحبتهم ، ووفائهم وفدائهم له- عليه الصلاة والسلام- ، ودفاعهم عنه ، وتقديمه على كل محبوب سوى الله تعالى.
وفي باب محبته صلى الله عليه وسلم  يقدم الصديق أبو بكر -رضي الله عنه- قرابة النبي صلى الله عليه وسلم  على قرابته ، وما ذاك إلا لمحبته الصادقة ، والفاروق عمر- رضي الله عنه- يخبر النبي صلى الله عليه وسلم  بأنه يحبه أكثر من كل شيء حتى من نفسه ، وبناء على هذه المحبة العظيمة أحب عمر إسلام العباس - رضي الله عنهما- أكثر من محبته لإسلام الخطاب لو أسلم مع أنه والده ؛ لمكان العباس من النبي  صلى الله عليه وسلم  ، وسئل علي -رضي الله عنه- ( كيف كان حبّكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ؟ فقال: ( كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ)
 وقال عمرو بن العاص -رضي الله عنه- : (ما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجلَّ في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه ) رواه مسلم
إنهم - رضي الله عنهم - قدموه  -عليه الصلاة والسلام - على آبائهم وأمهاتهم وأزواجهم وأولادهم حتى هم عبد الله بن عبد الله بن سلول أن يقتل أباه لما بلغه أنه يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، ولما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم  نساءه وبلغ ذلك عمر- رضي الله عنه- دخل على ابنته حفصة -رضي الله عنها- مغضبا فقال ( لقد بلغ من شأنك أن تؤذي الله ورسوله ، ولقد علمت أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لا يحبك ولولا أنا لطلقك ، فبكت أشد البكاء ، فاستأذن عمر في الدخول عليه، فلم يجب بشيء فقال عمر للبواب: يا رباح استأذن لي على رسول الله  فإني أظن رسول الله صلى الله عليه وسلم   ظن أني جئت من أجل حفصة ، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم  بضرب عنقها لأضربن عنقها )
لم تكن هذه المحبة العظيمة منهم زعما كاذبا ، أو ظنا مشكوكا فيه ، أو مجرد دعوى ليس عليها برهان ؛ إذ لما جدَّ الجد ، ودارت رحى الحرب ، وحضرت المنايا ميدان المعركة تخطف من أمرت به كانت أجساد الصحابة - رضي الله عنهم- فداء لنبيهم - عليه الصلاة والسلام - ، وسيوفهم أسبق إلى المشركين من أن يصل الأذى للنبي صلى الله   ، وفي المغازي من بدر الى احد ومن الاحزاب الى فتح خيبر  ومن حنين الى تبوك مواقف مشهورة ، وبطولات مشهودة ، تبرهن أن القوم صدقوا في محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم0
وليست تلك المحبة ، والتضحيات في سبيلها موقوفة على مواطن العز والانتصار ؛ بل ظهرت حتى في حال الهزيمة والانكسار ، واسألوا أُحُدا ينبئكم عن ذلك ، ويخبركم أن سبعة من الأنصار استماتوا في الدفاع عن النبي  صلى الله عليه وسلم  لما أحاط به المشركون حتى قتلوا عن آخرهم ، ولهم الجنة بقول النبي  صلى الله عليه وسلم  ( من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة ) فكان هؤلاء السبعة هم ممن ردوا المشركين عنه حتى جادوا بأرواحهم فداء له - عليه الصلاة والسلام -0وشُلَّت يد طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في أحد من شدة صموده دفاعا عن النبي 0صلى الله عليه وسلم  وكان أبو طلحة الأنصاري- رضي الله عنه- رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول النبي صلى الله عليه وسلم  : انثرها لأبي طلحة ، ويشرف النبي  صلى الله عليه وسلم  ينظر إلى القوم وأبو طلحة يحميه ويدرأ عنه المشركين بالنبال ، فيقول أبو طلحة: ( بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك)                                                                                    
والشاعر منهم كان يدافع عنه - عليه الصلاة والسلام - بالشعر كما كان حسان -رضي الله عنه- يفعل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم    يقول له : ( اهجهم وجبريل معك )
ولم تكن محبته -عليه الصلاة والسلام- حكرا على الرجال من الصحابة-رضي الله عنهم- ، بل كان لنسائهم- رضي الله عنهن- حظ أوفى من تلك المحبة ؛ ابتداء بأمهات المؤمنين -رضي الله عنهن -حين خيرهن الله تعالى بين البقاء معه -عليه الصلاة والسلام- والصبر على شظف العيش ، وقلة المئونة ، وشدة الحال ، وبين الفراق والتمتع بطيبات الدنيا ، فاخترنه -عليه الصلاة والسلام - على متاع الدنيا ،
قالت عائشة- رضي الله عنها-: فبدأ بي أول امرأة فقال: إني ذاكر لك أمرا ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك ، قالت -رضي الله عنها-: قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقك ثم قال- عليه الصلاة والسلام- إن الله تعالى قال ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) قالت عائشة - رضي الله عنها- :أفي هذا أستأمر أبوي ؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ، ثم خير نساءه فقلن مثل ما قالت عائشة ) رواه الشيخان
 ورضي الله عن أمهات المؤمنين وأرضاهن ، اخترنه -عليه الصلاة والسلام- على الدنيا وزينتها ، فلا عجب حينئذ أن يمر شهران كاملان لا توقد النار للطبخ في بيوتهن وما يجدن إلا التمر والماء ، وما شبعن من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض النبي - عليه الصلاة والسلام - ، وما ضجرن ولا اشتكين لأنه الأمر الذي اخترنه ، ونعم الاختيار اختيارهن!!
 وللصحابيات الأخريات- رضي الله عنهن -حظهن من محبة النبي صلى الله عليه وسلم  ، وتقديمه على الآباء والأزواج والأبناء والإخوان ؛ كما فعلت إحدى الأنصاريات لما قتل أقرب الناس إليها في أحد فما سألت إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم    ، قال أنس - رضي الله عنه -:( لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة قالوا: قتل محمد حتى كثرت الصوارخ في ناحية المدينة فخرجت امرأة من الأنصار متحزمة فاستقبلت بابنها وأبيها وزوجها وأخيها لا أدري أيهم استقبلت به أول ، فلما مرت على آخرهم قالت: من هذا ؟ قالوا: أبوك أخوك زوجك ابنك ، وهي تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم   ؟ فيقولون: أمامك ، حتى دفعت إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم    فأخذت بناحية ثوبه ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذ سلمت من عطب )
وهم -رضي الله عنهم- ما أحبوه هذه المحبة الصادقة إلا لأنهم آمنوا به وصدقوه ، وأيقنوا أنه رسول الله تعالى إليهم ، ولو أخبرهم بما لم يعتادوا وقوعه لصدقوا خبره ، وأولهم تصديقا أبو بكر- رضي الله عنه- حتى نعت بالصديق على إثر حادثة الإسراء والمعراج ؛ إذ كذب المشركون ذلك واستعظموه ، واستهزءوا بالنبي صلى الله عليه وسلم    ، وقالوا لأبي بكر- رضي الله عنه -  ( هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس ، قال أبو بكر- رضي الله عنه- : أو قال ذلك؟ قالوا:نعم ، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق ،قالوا: أَو َتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح ؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك ، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة )رواه الحاكم وصححه
وكانوا - رضي الله عنهم- أسرع الناس امتثالا لما يقول ، روى نافع عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم    : (لو تركنا هذا الباب للنساء ، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات) رواه أبو داود
و كان من توقير الصحابة- رضي الله عنهم- للنبي  صلى الله عليه وسلم    وتعظيمهم له : أنهم يلتزمون الأدب بحضرته ، ولا يتكلمون أو يفعلون الفعل إلا بإذنه0
وبلغ من أدبهم معه - عليه الصلاة والسلام -أن الراوي يُشبِّه هدوءهم وسكينتهم بمن على رؤوسهم الطير قال البراء  بن عازب - رضي الله عنه - يصف حضورهم جنازة يجهز لحدها :   ( فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله  صلى الله عليه وسلم    وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير)
ولم تكن سكينتهم تلك حال حضور الجنازة فحسب ، أو لمكان القبر من القلب ؛ إذ كان ذلك حالهم حتى في مجلسهم معه أثناء تحديثهم وتعليمهم أمور دينهم قال أسامة بن شريك - رضي الله عنه -  ( كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم    كأن على رؤوسنا الرَخَم ، ما يتكلم منا متكلم إذ جاءه ناس من الأعراب فقالوا: يا رسول الله أفتنا في كذا،أفتنا في كذا )
وإذا حدث الواحد منهم عن النبي صلى الله عليه وسلم    أخذته هيبة عظيمة ، حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم    إجلالا لحديثه ، كما روى عمرو بن ميمون فقال: ما أخطأني عشية خميس إلا آتي عبد الله بن مسعود فيها ، فما سمعته بشيء قط يقول: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم    حتى إذا كان ذات عشية قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم    ثم نكس فرفع رأسه ، فرأيته محلول أزرار قميصه ، قد انتفخت أوداجه ، واغرورقت عيناه ، فقال: أو فوق ذلك أو دون ذلك أو قريبا من ذلك أو شبه ذلك) رواه الطبراني

الخطبة الثانية
وبلغ من أدبهم معه أنهم  يقرعون بابه إن أرادوه بالأظافير ، وما كانوا يرفعون أصواتهم بحضرته - عليه الصلاة والسلام - ، ومن كان جهوري الصوت منهم جاهد نفسه على خفض صوته بعد نزول آية الحجرات {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ }الحجرات2 قال ابن الزبير - رضي الله عنهما- ( فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم     بعد هذه الآية حتى يستفهمه خشية حبوط العمل) رواه البخاري
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه- أن النبي  صلى الله عليه وسلم     افتقد ثابت بن قيس فقال رجل: (يا رسول الله أنا أعلم لك علمه ، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه فقال له: ما شأنك ؟ فقال: شر كان يرفع صوته فوق صوت النبي  صلى الله عليه وسلم    فقد حبط عمله وهو من أهل النار ، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم     فأخبره أنه قال كذا وكذا ، فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة) رواه البخاري
وكانوا  -رضي الله عنهم- يتفقدون أحوال النبي صلى الله عليه وسلم    ، ويتألمون لآلامه ، ويبذلون الغالي والنفيس لأجله ، وفي غزوة الخندق رأى جابر- رضي الله عنه - بالنبي  صلى الله عليه وسلم  الجوع فانكفأ إلى امرأته وقال ( هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم    خمصا شديدا ) رواه الشيخان

وإذ ذاك كان النبي صلى الله عليه وسلم    قد عصب بطنه بالحجارة ، ولم يذق طعاما ثلاثة أيام مما جعل جابرا يقول لامرأته  ( رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم    شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء ) ثم ضيفه جابر فضيف النبي صلى الله عليه وسلم    أهل الخندق كلهم على وليمة جابر وطرح الله تعالى البركة في طعامهم فشبعوا..

وفي غزاة أخرى أمرهم النبي  صلى الله عليه وسلم  بالمسير كل الليل ، قال أبو قتادة - رضي الله عنه -  ( فبينما رسول الله   صلى الله عليه وسلم  يسير حتى إبهار الليل وأنا إلى جنبه قال: فنعس رسول الله  صلى الله عليه وسلم    فمال عن راحلته ، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ، قال: ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته قال: فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ، قال: ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأوليين حتى كاد ينجفل فأتيته فدعمته ، فرفع رأسه فقال: من هذا ؟ قلت: أبو قتادة ، قال: متى كان هذا مسيرك مني ؟ قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة ، قال: حفظك الله بما حفظت به نبيه ) رواه مسلم
وربما بكى أحدهم لحال النبي صلى الله عليه وسلم    كما وقع من عمر- رضي الله عنه- ؛يقول  -رضي الله عنه- ( دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير قال: فجلست فإذا عليه إزار ليس عليه غيره ، وإذا الحصير قد أثر في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم    فإذا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظ في ناحية الغرفة وإذا أفيق - وهو الإهاب الذي قد ذهب شعره ولم يدبغ - فابتدرت عيناي فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب ، قلت: يا نبي الله ، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك ولا أرى فيها إلا ما أرى ، وذلك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك قال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ؟ قلت: بلى) رواه ابن حبان
وقال مصعب بن عبد الله: "كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليَّ ما ترون، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكي حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفرَّ، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا وإما صامتًا وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل، ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيُنظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينية دموع، ولقد رأيت الزهري وكان من أهنأ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته، ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه" ( الشفا 2-27 )
هكذا كانت سيرة القوم مع نبينا -عليه الصلاة والسلام- ورضي الله عنهم وأرضاهم ؛ ولذا شرفوا بصحبته ، وعسى أن نأخذ العبر من سيرتهم ، ونستن بسنتهم ، ونقتفي أثرهم ، ونبرأ إلى الله تعالى ممن تبرأ منهم0
ونقول في الاخير : آلا ان المحبة الاتباع ، آلا ان المحبة الاتباع ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) ( كل الناس يدخلون الجنة ، الاّ من أبى ، قالوا : ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى )