إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 22 يناير 2019

الاختلاط وأثره

الاختلاط وآثاره ) 
الخطبة الاولى : 
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، فإن تقواه وطاعته سبب لصلاح أمور العباد في الدنيا والآخرة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) [الأحزاب:70-71].

أيها الناس: شريعة الله تعالى جاءت بكل خير، ومنعت من كل شر، فهي الصلاح والرشاد للناس في العاجل والآجل، بلغها النبيون عن ربهم، واستنكف عنها المجرمون من البشر، وحاربوا أتباعها والدعاة إليها، وزينوا للناس كل طريق تخرج الناس من دينهم، وتصدهم عن شريعة ربهم.

ومن حكمة الله تعالى ورحمته بعباده أنه حرَّم الزنا ونهى العباد عنه؛ لما ينطوي عليه من المفاسد، ويؤدي إليه من الهلاك وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) [الإسراء:32] وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة أعظم ما يفتن الرجل فقال عليه الصلاة والسلام " ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ على الرِّجَالِ من النِّسَاءِ " رواه مسلم.

ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه لما جعل في كل من الرجل والمرأة ميلاً إلى الآخر نظم العلاقة بينهما بما يحقق المصلحة، ويروي الشهوة، ويحافظ على النسل، ويصون العرض، ويدرأ الشر، فرغب في النكاح وحض عليه فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) [النساء:3] 
وأمر سبحانه وتعالى بالعفاف من لا يجد مؤنة النكاح وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [النور:33] وقال النبي صلى الله عليه وسلم " من اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فإنه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ " متفق عليه.

ثم أوصد الشارع الحكيم تبارك وتعالى كل طريق يؤدي إلى وقوع الفاحشة أو مقدماتها؛ فحرم خلوة الرجل بالأجنبية عنه، ومنع من سفر المرأة بلا محرم، وأمر النساء بالحشمة والستر والحياء والعفاف، ونهى عن اختلاط النساء بالرجال؛ لما فيه من الفساد والانحلال، ولما يخلفه من ذهاب الأخلاق وقلة الحياء، ولأنه سبب في وقوع الفواحش ونشرها.

والأدلة على تحريم خلط النساء بالرجال تظاهرت بها نصوص الكتاب والسنة، وأجمع عقلاء البشر على ما يخلفه الاختلاط من مفاسد وكوارث دينية وأخلاقية واجتماعية وصحية واقتصادية ، ولم يمار في ذلك إلا جاهل أو مكابر.

وقد اتجه جمع من الباحثين في الدول التي شرَّعت للاختلاط بعد عقود من تجربته - لدراسة آثاره ونتائجه؛ فأجمعت دراساتهم وإحصائياتهم على أن ضرره أعظم من نفعه، وأن المنافع التي توهمها من شرعوا للاختلاط خلفت من الأضرار الدينية والأخلاقية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية ما لا يحصى.

ومن ذلك: أن معهد أبحاث علم النفس الاجتماعي في مدينة بون بألمانيا أجرى دراسة على المدارس المختلطة وغير المختلطة فتبين: أن تلاميذ وتلميذات المدارس المختلطة لا يتمتعون بقدرات إبداعية، وهم محدودو المواهب، قليلو الهوايات، وأنه على العكس من ذلك تبرز محاولات الإبداع واضحة بين تلاميذ مدارس الجنس الواحد غير المختلطة.

وفي تجربة أخرى تم فصل البنين عن البنات في الدراسة، فحقق الجميع نتائج أفضل في شهادة الثانوية العامة وأثبتت التجربة: أن عدد البنين الذين نالوا درجات مرتفعة تزايد أربع مرات على ما كان سيكون عليه الحال لو أن الفصل الدراسي كان مختلطا.

وفي دراسة أخرى بمعهد كيل بألمانيا تبين بعد الفصل بين الطلاب والطالبات أن البنات كن أكثر انتباها، ودرجاتهن أفضل كثيرا قبل فصلهن عن الطلاب.

وعلى إثر ذلك ذكرت الدكتورة كاولس شوستر خبيرة التربية الألمانية: أن توحد نوع الجنس في المدارس بحيث يكون البنين في مدارس البنين، والبنات في مدارس البنات يؤدي إلى استعلاء روح المنافسة بين التلاميذ، أما الاختلاط فيلغي هذا الدافع.

وهذه الدراسات المتعددة صدرت في ألمانيا وهي بلد نصراني علماني، ولم تصدر عن مسلمين حتى يقال إنهم منحازون للقيم الإسلامية، بل صدرت عن متخصصين يعنيهم الشأن الألماني أولا وأخيرا.

وفي مقام آخر أوفدت وزارة التربية السورية مهتما بشأن التعليم والتربية إلى بلجيكا في رحلة علمية زار فيها المدارس البلجيكية، وفي إحدى الزيارات لمدرسة ابتدائية للبنات سأل المديرة: لماذا لا تخلطون البنين مع البنات في هذه المرحلة؟ فأجابته: قد لمسنا أضرار اختلاط الأطفال حتى في سن المرحلة الابتدائية.

وفي أمريكا نشر الموقع الإخباري الأمريكي (سي إن إن) قبل سنتين خبراً تحت عنوان: " الطلاب الأمريكيون في الصفوف المختلطة يحصلون على علامات متدنية " وذكر فيه: " أن إدارة الرئيس قد منحت مديري المدارس العامة في البلاد حق فصل الصفوف بين الجنسين حسب ما يرونه من المصلحة التربوية للطلاب والطالبات وهذا يعد أكبر تعديل يطال النظام التربوي في أمريكا منذ عقود كثيرة.

واستندت الدوائر التربوية الأمريكية في موقفها هذا على تقارير إحصائية أثبتت حصول الطلاب في الصفوف غير المختلطة على علامات أعلى من نظرائهم في الصفوف المختلطة، خاصة في مادتي الرياضيات واللغات الأجنبية.

هذا؛ وقد اشتهر ابتزاز الضباط والجنود في الجيوش المختلطة للمجندات والعاملات في الجيش، وأُجري أكثر من تحقيق في اغتصابهن والتحرش الجنسي بهن، وإكراههن على ما يريده رؤساؤهن منهن، وسبب ذلك هو الاختلاط.

وكشف تقرير صحفي لجريدة (نيويورك تايمز) أن الجيش الأمريكي يواجه اتهامات كثيفة تتعلق بتحرشات جنسية، واعتداءات جنسية بحق مجندات أمريكيات من جانب زملاء لهن وخاصة في العراق والكويت و أفغانستان، كما تشير إحصاءات صادرة في إسرائيل إلى ارتفاع حاد في ظاهرة تحرش الجنود بزميلاتهم المجندات.

ولكثرة الشكاية من التحرشات الجنسية في وسائل المواصلات المختلطة عمدت بعض الدول الوثنية إلى تخصيص عربات خاصة للنساء في بعض القطارات.
فمجلة فروندين الألمانية المتخصصة في شؤون المرأة في ألمانيا أظهرت أن 68من النساء الموظفات يتعرضن للتحرش الجنسي المستمر أثناء العمل من زملائهن الرجال؛ ومن أراد أن يعرف الوضع المزري في الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة الاختلاط فليقرأ كتاب: (الابتزاز الجنسي) للمؤلفة الأمريكية لين فارلي.
في تقرير آخر للمكتب التحقيق الاتحادي (إف بي آي) ، بلغ عدد النساء التي اغتصبن بالقوة أو تحرش بهن جنسياً، وبلغت قضاياهن للجهات المختصة منذ عام 1960 وحتى 2001م ما يقارب 2.836.442 امرأة، أي بمعدل 190 عملية اغتصاب أو تحرش جبري يبلغ عنها يومياً، وهذا الرقم لايأخذ في الحسبان مالا يبلغ عنه، وهو كم مقدر وذلك وفقاً للاستبيانات والدراسات فقد بينت بعض الدراسات أن كثيراً من ضحايا الاغتصاب لايبلغون، ونصت بعض الدراسات على أن نسبة الذين لايبلغون قد تصل إلى 61%
في دراسة بعنوان ضحايا الجنس من نساء الكليات الوطنيات، فكانت النتيجة (27.7) عملية اغتصاب أو حادثة محاولة اغتصاب جنسي من كل مجموع ألف طالبة أي 2.7%. خلال ستة اشهر فقط

وفي دراسة تربوية لبنانية تَبَين نتيجةً للاختلاط بين الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات: أن الطالبة في المدرسة والجامعة لا تفكر إلا بعواطفها والوسائل التي تتجاوب بها مع هذه العاطفة... وأن كثير من الطالبات سقطن في الامتحانات, وتعود أسباب الفشل إلى أنهن يفكرن في عواطفهن أكثر من دروسهن وحتى مستقبلهن.

وأشار تقرير حكومي ياباني إلى ارتفاع واضح في قضايا التحرش الجنسي بالنساء العاملات وصل إلى خمسة وأربعين في المائة، ونفس النسبة ثبتت في دراسة ميدانية في مصر على النساء العاملات، وهي نسبة تقارب النصف، أي: ما يقارب من نصف العاملات في أجواء مختلطة يتعرضن لمضايقات وتحرشات جنسية، وربما وصل الأمر إلى التهديد أو الاغتصاب.

وهناك مئات التقارير والدراسات تثبت أضرار الاختلاط ومآسيه في الغرب والشرق، والبلاد الإسلامية وغير الإسلامية، وبعد تجربة مريرة عانى النساء من آثارها معاناة شديدة يعود العالم من جديد إلى اكتشاف أن الاختلاط شر وبلاء على الرجال والنساء، وهو ما نهت عنه شريعة الله تعالى؛ فالحمد لله الذي هدانا لها وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونسأله تعالى أن يثبتنا عليها إلى الممات.

 الخطبة الثانية
أيها المسلمون: من نظر إلى البحوث الأكاديمية والإحصائية، والدراسات المتخصصة الجادة فيما يتعلق بمشكلة خلط الفتيات بالفتيان في المدارس والجامعات، وخلط النساء بالرجال في الوظائف والمهن والأعمال - وصل إلى ما قررته الشريعة الغراء من لزوم فصل الفتيات عن الفتيان، وإبعاد الرجال عن النساء، وإلا كانت المصائب والمشكلات.
وأكثر هذه البحوث والدراسات والإحصاءات صدرت في دول علمانية نصرانية سبقت العالم في الاختلاط، وجربته عقوداً متتابعة، ثم صدرت بحوث أخرى في بلاد عربية وأخرى شرقية أثبتت بجلاء ووضوح أن منع الاختلاط خير للنساء والرجال والمجتمع بأسره.
ولكننا قد ابتلينا بصحفيين وإعلاميين وكتاب وبعض الذين لهم علاقة بالشأن التعليمي لا ندري ما هم؟ ولا كيف يفكرون؟ ولا ماذا يريدون؟
لا يحفلون بشرع الله تعالى، ولا يرفعون به رأسا، ولا يرضون به حكما حتى نحتكم وإياهم في قضية الاختلاط إلى الشريعة التي ارتضاها لنا ربنا، وأمرنا بها!
وليسوا من عقلاء البشر حتى نحتكم وإياهم إلى بدائه العقل ومسلماته.
وليسوا من أهل الدراسات والبحوث والإحصاء حتى نعرض قضايا الاختلاف بيننا وبينهم على تلك الدراسات والبحوث والإحصاءات.
إنهم عالة على مجتمعاتهم ،لا حظَّ لهم من تجربة وخبرة، وليس لديهم أثارة من علم ولا معرفة، ولم يكونوا من أهل القراءة والثقافة ومتابعة آخر البحوث والدراسات .
ثم فجأة أُبرزوا للناس في هيئة خبراء ومفكرين ومثقفين، يلوكون كلاماً لا يدركون أبعاده ولوازمه، ويستعملون ألفاظا ومصطلحات لا يفقهون أكثرها، وقد أُذِن لهم وربما شُجعوا على أن يخوضوا في القضايا الكبرى للأمة، وأن يردوا شرع الله تعالى بمحض أهوائهم وشهواتهم، وأن يناكفوا بهذيانٍ كهذيانِ البُلْه والمجانين كبار علماء الشريعة، والمختصين في علوم النفس والاجتماع والحضارة، لا زمام لمقولاتهم ولاخطام، ولا تستند إلى قواعد حتى يحاكمها عقلاء البشر إلى تلك القواعد؛ لنقص عقولهم ومعارفهم، ومرض قلوبهم ونفسياتهم...
ومعهم لفيفٌ ممن يتسمون بالليبراليات ويرون ان الليبرالية هو خروج المرأة واختلاطها بالرجال في كل مجال وفي كل مكان، وانما يردن إفساد بنات المسلمين باسم الإصلاح وانتزاع حقوق المرأة من المجتمع زعموا...
ولن يعطي المرأة حقوقها، ويضعها في مكانها اللائق بها إلا من خلقها أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) [الملك:14] فمن عارض شريعته ضُرِب بكلامه عرض الحائط كائنا من كان، ووجب الأخذ على يده، ورده عن غيه وإفساده.
واجب علينا ـ معشر الآباء معشر الأمهات ـ أن ننشِّئ بناتنا على أن تعتزّ الواحدة وتحمد ربها على أن جعلها أنثى، قال الله عزّ وجل: وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32]، ما ينبغي للمرأة أن تتمنى لو كانت رجلاً، ولا ينبغي للرجل أن يتمنى لو كان امرأة, لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمًا [النساء:32]، هذه التربية هي التي نشّأ عليها محمد الرجال والنساء ومَنع الاختلاط.
أيها الإخوة المسلمون، لا يقعدُ بالمرأة عن بلوغ أمل ولا عن تحصيل علم ولا تفاضل في عمل, فقد كان نساء من المؤمنات يشهدن صلاة الصبح مع رسول الله متلفعات بمروطهن ما يُعرفنَ من الغلس، كانت المرأة تشهد صلاة الصبح مع رسول الله ، وكنَّ يشهدن الجمعة والجماعة والغزو والجهاد، وكنّ يتلقّين العلم، ويسابقنَ في مضامير العمل, ما قعد بهن منع الاختلاط عن تحصيل ثواب أو التفوق في الحصول على أجر، لكن أعداء الله عزّ وجلّ يريدون أن يصوِّروا لنا أن منع الاختلاط معناه أن تحرم المرأة من العلم والعمل، يقولون لنا: أتريدون أن نعود إلى عصر الحريم؟! أتريدون لنا أنْ نرجع إلى القرون الوسطى، إلى العصور المظلمة؟! ونحو ذلك من كلام يهوِّلون به، ويخوّفون كل مُصْلِح, كل من يدعو إلى إصلاح، وكل من يدعو إلى منع الفساد، يهولون عليه بمثل تلك الشعارات الباطلة, لكن يبقى الحق حقًا، ويبقى الباطل باطلاً،
وإن من الواجب على عموم المسلمين أن يواجهوا الحملات المنظمة لإفساد المرأة والأسرة، وأن يدفعوا المحاولات المكرورة لتوسيع مجالات الاختلاط والفساد، وأن يسعوا في ردع المفسدين والمفسدات؛ ديانة لله تعالى في إنكار منكرهم، وصيانة لأعراضهم، وحفظا لنسائهم وبناتهم؛ فإن البلدان التي سبقت إلى الاختلاط يعاني نساؤها مشكلات تلو مشكلات، فإن استطاع المفسدون نشر الاختلاط وتعميمه أصابنا ما أصاب غيرنا، ولن يوقفهم عن غيهم إلا وقوفكم -عباد الله- في وجوههم، وفضح مخططاتهم، وبيان عوارهم، وكشف زيفهم، بالاحتساب عليهم، ونشر ما صدر من دراسات وإحصاءات تثبت ضرر الاختلاط، وذلك مسئولية الجميع، ولا يختص بأحد دون أحد؛ فإن الفساد إن انتشر عمَّ ضرره الجميع يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ) [النساء:27].
3

الأحد، 20 يناير 2019

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


الخطبة الأولى
جاء في الصحيحين من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها فزعاً يقول: ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه – وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها-، فقالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث)).
إذا كثر الخبث، فلا ينكر المنكر، ولا يؤمر بالمعروف، ويسري داء المنكرات في المجتمع سير الهشيم بلا أي تحنّه، ولا ألسنة توهنه، عند ذلك ترى الحال التي تستوجب العقوبة والهلاك، فلا تدري أيصبحها ذلك أم يمسيها.
إن قوماً جاءتهم اللعنة على لسان نبيين من أنبياء الله تعالى، لما أن صارت حالهم إلى تلك الحال، بل إنهم أنكروا المنكر في أول أمره، ولكنهم ألفوه فما عاد بعضهم ينكره على بعض.
روى الترمذي – وحسنه – وأبو داود من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض))، ثم قال: ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون *كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون *ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون ) .
ثم قال: ((كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم)).
وفي الحديث : ( والَّذي نَفسي بيدِهِ ؛ لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ، ولتَنهونَّ عنِ المنكَرِ ، أو ليوشِكَنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكُم عذابًا من عندِهِ ، ثمَّ لتدعُنَّهُ ، فلا يُستَجابُ لَكُم .)| المحدث : الألباني | المصدر : تخريج مشكاة المصابيح : حسن
فيالله العجب، أوَ حقاً يدعو الناس فلا يستجيب الله لهم، وهو القائل: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ ) [البقرة:186]، نعم، إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!؟ ‍إنها ورب الكعبة حقيقة ترتجف لها النفوس فرقاً، ويقشعر الوجدان منها رعباً. ‍ ماذا يبقى للناس إذن؟؟ ماذا يبقى لهم إذا أوصدت من دونهم رحمات الله؟ ولمن يلجئون وقد أوصد الباب الأكبر الذي توصد بعده جميع الأبواب، فهل كتب الله ذلك الأمر المهول على عباده المسلمين؟ نعم، حين يكفون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو بأضعف الإيمان.. حين يتكاسل الناس عن هذا الواجب المقدس، وحينما يتواكلون، فالشر يغري ويهيج، والمنكر يعلن ويذاع به ويدافع عنه.
أيها الأحبة في الله: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمان للمجتمع من تلك العقوبات الإلهية، وصمام أمان من انحدار المجتمع في مهاوي الردى واللحوق بركب الحياة البهيمية.
وخير مثال لبيان ذلك ما جاء في صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)).
فتأملوا هذه المثل العظيم، لتدركوا أن أهل الباطل عندما يدكوا بمعاول باطلهم سفينة النجاة التي يسير فيها المجتمع إذا لم يؤخذ بأيدهم وتكسر معاولهم، فإن الغرق يهدد المجتمع بأكمله.
إذاً: فالنجاة من ذلك بفضل الله تعالى أولاً ثم بتحقيق تلك الشعيرة، وكما قال سبحانه: ) فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ) .
وقال سبحانه: ) فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجيبا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين * وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) .
أيها الأحبة في الله: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أوجب واجبات الشرع، بل قد عدّه بعض العلماء من أركان الإسلام، وقد فرضه الله تعالى على الأمة فقال سبحانه وتعالى: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ).
وروى الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
وروى أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.)). مسلم
وبتحقيق تلك الشعيرة تتحقق الخيرية الموعودة بكتاب الله تعالى: )   كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) .
وفشوها في المجتمع دليل إيمانه ومعدنه النقي ) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) .
وإن ضعف هذه الشعيرة في مجتمع، لا يقف عند حدود هذا الضعف، بل المصيبة في ذلك مضاعفة، حيث ينتج عن ذلك لا محالة قوة شديدة في الدعوة إلى المنكر وإبرازه وإحداث الحصانة له، وينتج عنه أيضاً حرب للمعروف وإيذاء لأهله. وهكذا بقدر ما يكون الضعف يكون ما يقابله حتى تصبغ بالمجتمع حال النفاق والمنافقين كما أخبر الله تعالى بقوله: ) المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون) .
أيها الأحبة في الله:
وإن النفوس الضعيفة عندما تنقطع عليها لذائذها المحرمة بتحقيق تلك الشعيرة في المجتمع تسعى جهدها لتهوين تلك الشعيرة، بإلقاء الشبهات والآراء السفيهة حولها، فتجدهم في حين يدعون أن ذلك ينافي الحرية الشخصية التي يتمتع بها كل إنسان، ويزيد الطين بلة عندما يستدل لرأيه هذا بقوله تعالى: ( لا إكراه في الدين ) وما علم أن هذه الآية في الكافر أن لا يُكره على دخول الإسلام،
ثم أين تلك الحرية المزعومة حين تردّ الأمور إلى اختيار نفس ضعيفة، همها السعي وراء لذائذها، وتلك أحوال الأمم التي تدعي الحرية المطلقة لكل فرد من أفرادها كيف استحالت إلى مجتمعات بهيمية بل أسفل من ذلك، وفي كل يوم ينطق حالها بتلك الفضائح المخزية، وتلك الآراء التي تضحك العقول، وما تلك المؤتمرات التي يعقدون عن السامع ببعيد.
وتأتي حجة أخرى باعثها التقاعس عن تلك الشعيرة أو المحاربة لها، وذلك أن المرء عليه بنفسه وصلاحها، ولا يلتفت إلى مخالفات الآخرين فإن ذلك لا يضربه فالضرر على أصحابها فقط، ثم يستدل بقوله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ).
ولو تأمل الآية بتمامها لما نطق بالاحتجاج بها على رأيه هذا، فالله تعالى يقول: ( إذا اهتديتم ) فأين الاهتداء إذا عطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد تصدى الصديق رضي الله عنه لهذه الشبهة فقال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ) يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وإني سمعت رسول الله عليه الصلاو والسلام يقول: (( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه)) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
ويأتي آخر ويوهن من قدر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والصدع بالحق بحجة أن ذلك موجب للفتنة والبلاء، وقد يُتسلط بسبب ذلك على الصالحين.
وفي أمثال هؤلاء يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضيع، ودينه يترك، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام يُرغب عنها وهو بارد القلب! ساكت اللسان ! شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق.
وهل بليّه الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم فلا مبالاة بما جرى على الدين. )
الخطبة الثانية :
أيها الأحبة في الله:  وإن من عظيم نعم الله تعالى علينا أن نرى بيننا شباباً حملوا على عاتقهم تحقيق هذه الشعيرة، فتراهم في جهود تتوالى، قل أن تغمض جفونهم، أو تستريح أبدانهم، فكم من خير نشروه، وكم من منكر في مهده قتلوه، وكم من حرمات كادت أن تنتهك حالوا دون انتهاكها، وقطعوا على الشيطان طريقة فيها.
وحُق لهم أن يهدى لهم كلام الإمام أحمد في رسالة له إلى مسدد بن مسرْهد حيث يقول: (الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم، والتقى، يدعون من ضل إلى الهدى، وينهون عن الفساد والردى، ويحيون بكتاب الله الموتى، وبسنة رسول الله أهل الجهالة والعمى، فكم من قتيل لإبليس أحيوه، وكم من ضال هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين  وأعمال المفسدين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا أعنّة الفتنة) أهـ.
وإن من نافلة القول أن يُتحدث عن عظيم الثغر الذي يسدّه أولئك المرابطون، فإن ذلك أجلى من الشمس في ضحاها، وليس يخفى إلا على من انطفئت بصيرته فانقلبت عند الموازين.
أيها المسلمون:
وإن هذه الطائفة لما قطعت على أهل الباطل باطلهم، فلا عجب أن يسعى أهل الباطل بنفث سمومهم عليها فيلصقون الأكاذيب، ويهولون الأخطاء، وكأنهم يريدونها طائفة معصومة عن كل خطأ، فسبحان الله.
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
فلا تحلو المجالس لكثير إلا بالنيل من أمثال هؤلاء، فهذا يروي قصة، وهذا يزيد، وهذا ينقص، وما دروا أنهم خرموا حرمة عظّم الله قدرها في كتابه، وكان حقيقة استهزائهم لا على أشخاص لذواتهم، ولكن لما حملوه على عاتقهم، وهو أمر من أمور الدين عظيم، فليخش أولئك من قول الله تعالى: ( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ).
ثم إن ذلك وعشرات أمثاله، لا يضير أولئك المحتسبين شيئاً، بل تلك سبيل قديمة، وسنة تتوالى، قد أدركها عمير بن حبيب بن حماسة الصحابي الجليل في زمن من أفضل الأزمان حين قال لأولاده وصيةٌ لهم ( إذا أراد أحدكم أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر والأذى وليوقن بالثواب من الله، فإنه من يثق بالثواب من الله لا يجد مس الأذى) [أخرج الإمام أحمد في الزهد].
وهذا الإمام أحمد يخبر عمر بن صالح بمثل ذلك. قال عمر بن صالح: قال لي أبو عبد الله – يعني الإمام أحمد -: يا أبا حفص يأتي على الناس زمان المؤمن بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع، فقلت: وكيف يشار إلى المنافق بالأصابع؟  قال: صيروا أمر الله عز وجل فضولاً.
قال: المؤمن إذا رأى أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر لم يصبر حتى يأمر وينهى، يعني: قالوا هذا فضول.
قال: والمنافق كل شيء يراه قال بيده على أنفه، فيقال: نعم، الرجل ليس بينه وبين الفضول عمل).
أيها الأحبة في الله:
وإن من أعظم التعاون على البر والتقوى التعاون على تحقيق هذه الشعيرة.
ومن طرق التعاون معهم في ذلك:
-       الدعاء لهم. الذب عن أعراضهم. تبليغهم بالمنكرات. زيارتهم والشد من أزرهم . مشاركتهم في بعض أعمالهم في حدود الممكن من ذلك والمسموح به بالانظمة.
هذا الأمر أيها الإخوة الكرام إذا أُفلت زمامه، وطُوىِ بساطه، وقل أنصاره، وأخفقت رايته، وأهمل علمه وعمله، هلك العباد وفسدت البلاد وانتشرت الفواحش والمنكرات، فلابد أن يتعاون الجميع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بهذا الأمر. رائدنا جميعًا في ذلك الإخلاص والحكمة والشفقة والرفق والأناة والرحمة. تلك أبرز صفات القائم بهذا الأمر، أمر الأمر رحيمًا رفيقًا

3