إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 22 ديسمبر 2018

تحفة البررة

تُحْفةُ البَرَرة ْ- في الحصونِ العَشَرَةْ 
 أما بعدفاتقوا الله عباد الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.
إخوة الإسلام: الإنسان في هذه الدنيا مبتلى بشياطينٍ من الجن والإنس يؤذونه ويضرونه وهذا ابتلاءٌ ملازمٌ للإنسان لا ينفك عنه حتى تقوم الأبدان للرحيم الرحمن.
هذا كما أنه للجن شياطين، فكذلك للإنس شياطين، وقال الله عزَّ وجلَّ: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)الناس:6
ولدفع هؤلاء الشياطين حصونٌ عظيمة، وقواعد كبيرة، فمعنا في هذه اللحظات حصونٌ عشرة تدفع عن الإنسان شر الإنس والجان بإذن الله :
 فالحصن الأول –عباد الله-: قراءة سورة البقرة، وقراءة سورة البقرة من أوراد البيوت وأذكارها، وفي الصحيح: ( أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ولا تستطيعها الْبَطَلَةُ ) والبطلة هم: السَّحرة.
وقد جاء في الصحيح أيضًا: ( لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا اقرؤوا فيها سورة البقرة فإن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة ).
وقراءة سورة البقرة مشتركة، فمن شاء أن يُفرقها أو يجمعها أو يشترك في قراءتها اثنان فأكثر في يومٍ أو يومين أو أيام فإنها حمايةٌ للإنسان من شر شياطين الإنس والجان، فاجعل لبيتك من قراءة سورة البقرة حظًّا عظيمًا، واحرص على قراءتها مباشرة، فإن المباشرة أعظم وأقوى من السماع.
ومن الحصون الحصن الثاني: قراءة آية الكرسي، وقراءة آية الكرسي كما جاء في البخاري معلقًا في قصة أبي هريرة مع الشيطان الذي كان يسرق منه صدقة الفطر، فكلما قبض عليه قال: دعني لن أعود، فقبض عليه القبضة الثالثة، وقال: لأبعثنك إلى رسول الله، قال: دعني أعلمك كلمات اقرأ آية الكرسي عند النوم، فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطانٌ حتى تُصبح، فذهب أبو هريرة ﭬ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره، فقال المقالة المشهورةصَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ) .
وقراءة آية الكرسي في موطنين:
الموطن الأول: دُبر كل صلاةٍ مكتوبة ( فَمَن قرأَ آيةَ الكُرسيِّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ، لم يمنَعْه مِن دخولِ الجنَّةِ إلَّا الموتُ ) كما رواه النسائي وغيره.
والموطن الثاني: عند النوم كما في الحديث السابق.
الحصن الثالث –أيها الإخوة-: التسمية :، جاء عند أحمد أن رجلًا كان مع النبي عليه الصلاة والسلام فسقط، فقال: تعِس الشيطان، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : (لا تقل: تعِس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعِس الشيطان تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، قُل: بسم اللهولهذا جاء عند أحمد والترمذي (سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الكنيف يعني: الحمام- أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ ) 
وإذا دخل الإنسان بيته وذكر الله وسمَّى عند طعامه قال الشيطان: لم تُدركوا المبيت ولم تدركوا الطعام.
بل التسمية –عباد الله- أمرها عظيم؛ ولهذا شُرِع للإنسان يُسمي في صباحه، ومساءه، فمن قال ثلاث مرات: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء وهو السميع العليم لم يضره شيء في يومه ذلك، 
ولهذا –عباد الله- التسمية أمرها عظيم تطرد الشياطين، وتُذهِب الوساوس عن الإنسان.
ومن الحصون الرابع –أيها الإخوة-: ذِكر الله عزَّ وجلَّ :، نعم إنه ذِكر الله العظيم أعظمه وأفضله وأكبره وأَجلُّه هو: قراءة القرآن، من أعظم الأذكار قراءة القرآن فكم لك حظٌّ من كلام ربك في يومك، في بيتك، في سوقك، في حياتك، في مسجدك، في عملك، في كل حالةٍ من الأحوال؛ ولهذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يذكر الله على كل أحيانه.
جاء عند الترمذي من حديث الحارث بن نافعًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال الحديث وفيهوآمركم بلا إله إلا الله فإن ذلك كمثل رجلٍ طلبه العدو سراعًا، فدخل حصنٌ حصين، فهل يستطيع أن يدخل عليه العدو؟) قالوا: لا، قال: ( فكذلك ذِكر الله ) 
مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) (الناس:4) يخنس الشيطان عند ذِكر الله عزَّ وجلَّ.
ومن الأذكار العظيمة اجعلها على بالك من الأوراد اليومية قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير -وليس فيها يُحيي ويُميت- إذا قلتها في صباحك مائة مرة كانت لك كعدل عشر رقاب و كتب الله لك مائة حسنة، ومحا عنك مائة سيئة، وكانت حرزٌ لك من الشيطان في يومك ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جئت به، وهي لا تأخذ إلا بضع دقائق، وسواءً قلتها متفرقة أو مجتمعة فقلها في يومك فإنها ذكرٌ عظيم، كيف لا! ولا إله إلا الله أعظم الحسنات وأيسر الحسنات.
ومن الأذكار: أذكار الصباح والمساء، ومن الأذكار: الأذكار عند دخول دورة المياه، وعند الخروج، وعند الطعام، وعند الانتهاء، وغير ذلك من الأذكار العظيمة التي تجعل العبد في حصنٍ حصينٍ من الشياطين.
والحصن الخامس –أيها الأحبة-: الاستعاذة، إنها الاستعاذة العظيمة، الاستعاذة –عباد الله- هي: الالتجاء والاعتصام والاحتراز من شيءٍ تخافه إلى من يعصمك منه، وشياطين الجن والإنس لا يعصمك من شرهم وكيدهم ومكرهم إلا الله (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ) 
ولما كان رجلٌ عند النبي عليه الصلاة والسلام غضب غضبًا عظيمًا انتفخت أوداجه واحمر وجهه، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما إنه لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ذلك ) فقيل للرجل: قُل ذلك، فأبى.
 فالشاهد –عباد الله- أن الاستعاذة حرزٌ وحمايةٌ من شر الشياطين؛ ولهذا جاء الاستعاذة في مواطن عظيمة عند دورة المياه، عند الدخول للخلاء، وعند ظهور الفتن، والاستعاذة من شر ما يعمل الإنسان ومما لا يعلم، وغير ذلك من مواطنها.
والحصن السادس –أيها الأحبة-: قراءة المعوذتان، سورة الفلق وسورة الناس، سورتانعظيمتان كبيرتان حمايةُ للإنسان من شر شياطين الإنس والجن؛ ولهذا في الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: (مَا تَعَوَّذَ بِمِثْلِهِمَا مُتَعَوِّذٌ ) 
وجاء عند الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الجان وعين الإنسان) صحيح الجامع ... فلما نزلتا عليه أخذ بهما وترك ما سواهما. وقراءتهما فيمواطن:
الموطن الأول: قراءتهما عند النوم ثلاثًا.
والموطن الثاني: في الصباح والمساء ثلاثًا ثلاثًا.
والحصن السابع –أيها الأحبة-: الإخلاص لله، والإيمان بالله، والتوكل على الله ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) (النحل:99) (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (ص:82-83).
وكلما قوي إخلاصك، وقوي إيمانك، وقوي توكلك، فتعلم علم اليقين أن الضُّر والنفع بيد الله (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) (البقرة:102) فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك حينئذٍ تدفع شر الشياطين.
الخطبة الثانية 
والحصن الثامن –عباد الله-: قراءة خواتيم سورة البقرة (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) (البقرة:285الآيتين فإنهما كما في الصحيحين: (مِنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) كفتاه من كل سوء، ومن كل مكروه، ومن كل عين، ومن كل سحر، ومن كل أذى؛ ولهذا جاء في صحيح مسلم لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة:286) (قال الله: قد فعلت) الحديث رواه مسلم.
ولهذا ..هاتان الآيتان كان السلف يستحبون أن يدعو الإنسان بما فيهما من الدعاء، وقد نزلتا على النبي عليه الصلاة والسلام نزل بهما هما وفاتحة الكتاب ملكٌ خاصٌّ، وفُتِح بابٌ خاصٌّ وقال: إنك لن تسأل الله عزَّ وجلَّ بشيءٍ منهما إلا أُعطيت، وهما خواتيم سورة البقرة وهما من أوراد الليل، 
والحصن التاسع: لزوم الجماعة والاجتماع، فقد قال في الحديث عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد) ولما ذكر صلاة الجماعة قال: (فإن الشيطان يأكل من الغنم القاصية ) 
 فالجماعة والاجتماع رحمة منه تفر الشياطين، ولا تستطيعه شياطين الإنس والجن؛ ولهذا (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا (
ولهذا شُرِع الاجتماع في أمهات العبادات: في الصلوات الخمس، وفي الجُمَع، وفي الأعياد، وفي بعض نوافل العبادات والطاعات.
والحصن العاشر -وهو الأخير-: لزوم الطاعة والعبادة، والإكثار منها، فإن الشيطان يفر من الطاعة، ويفر من صاحب العبادة.
جاء في صحيح مسلم يقول النبي عليه الصلاة والسلام : (إذا مر العبد بالسجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، فقال: ويحي أُمِرت بالسجود فلم أسجد، وأُمِر ابن آدم بالسجود فسجد) فعند العبادة والطاعة، والذكر، والصدقة، والصِّلة، والبِر والإحسان، وحُسن الخلق، والاجتماع، والإتلاف، وألوانٍ من العبادات والطاعات تفر منه شياطين الإنس والجن.
فاجعل لحياتك نصيبًا من العبادة، واسمع إلى مقالة الإمام ابن تيمية حيث قال : من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.
وقال أسعد الناس أعبدهم لله.

 

الأحد، 16 ديسمبر 2018

الله الستير

الله الستير
الله تعالى ستير يحب الستر : الستير سبحانه هو الذي يحب الستر ويبغض القبائح، ويأمر بستر العورات ويبغض الفضائح، يستر العيوب على عباده وإن كانوا بها مجاهرين، ويغفر الذنوب مهما عَظُمَت طالما أن عبده من الموحدين، وإذا ستر الله عبدًا في الدنيا ستره يوم القيامة .. 
معنى الستيـــر في حق الله تعالى : يقول البيهقي “ستيــر: يعني أنه ساتِرٌ يستر على عباده كثيرًا، ولا يفضحهم في المشاهد. كذلك يحبُّ من عباده السَّتر على أنفسهم، واجتناب ما يَشينهم، والله أعلم” 
النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه الستر كان النبي صلي الله عليه وسلم أعرفَ الناس بالله تعالي وكان كثير الدعاء  فعن ابن عمر قال:  لم يكن رسول الله يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: “اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظنيمن بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي” [رواه أبو داوود وصححه الألباني (5074)] 
فاللهُ عز وجل هو الستير يستر العورة والسوأة ويستر كلَ ما يسوئك ولا تُحبُ أن يراهُ الناسُ منك ،فلا يمكنُ أن تُسترَ سوءَةَ عبدٍ إلا بستر الله له ،
عن عطاء عن يعلى: أن رسول الله رأى رجلاً يغتسل بالبراز (أي: بالخلاء) فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال “إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ” [رواه النسائي وصححه الألباني، صحيح الجامع (1756)] ، أي أن الله عز وجل ستير سُبحَانَهُ وَتَعَالى يحب الستر، ويحب أن يستر على العباد وألا تكشف أمورهم ولا يفضح ما أسروه؛ لأنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى يحب أن يضع كنفه وستره على العباد.فالمستورُ من سترهُ اللهُ تعالي ، والمفضوحُ من تولي عنهُ وخذلَهُ ، فكل عبد ظهرت عورتُه وفضحَ بين الخلقِ ما كانَ ذلكَ ليحدثْ إلا لما تخلي اللهُ تعالي عنهُ ،ولذلك أنعم الله تعالي علي بني  أدم بالستر لعورتهم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْوَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: {أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا}، أَيْ خَلَقْنَا لَكُمْ مَا تَلْبَسُونَ مِنْ الثِّيَابِيُوَارِي سَوْآتِكُمْ أَيْ يَسْتُرُ عَوْرَاتِكُمْ وَسُمِّيَتْ الْعَوْرَةُ سَوْأَة؛ لِأَنَّهُ يَسُوءُ صَاحِبَهَا انْكِشَافُهَا مِنْ جَسَدِهِاللباس الثاني معنوي وهو لباس التقوي  وَإِنَّ لِبَاسَ التَّقْوَى خَيْرٌ مِنْ الرِّيَاشِ وَاللِّبَاسِ
إذا المرء لم ثيابا من التقى... تقلب عريانا وان كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربه... ولا خير فيمن كان عاصيا
والله تعالي لحبه السَّتْر أمر المرأة بالحجاب لتستر نفسها قال الله تعالي { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك وَبَنَاتِك وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَوَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }فالله تعالي يُحبُ المرأةَ المستورة فالأولي لها ذلك والله تعالي يحب منها ذلك أن تستر جميع بدنها ، وألا يراها إلا زوجُها ومحارمها ،ونهي النبي المرأة أن تخلع ثيابها في غير بيت زوجها كما يحدث في الشواطيء وفي الحمامات المغربية وغرف المساجوغير ذلك لأن فيها كشف للعورات لذا أخرج بن ماجه في سننه بسند صححه الألباني  عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ أَنَّ نِسْوَةً مِنْ أَهَلْ حِمْصَ اسْتَأْذَنَّ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ لَعَلَّكُنَّ مِنْ اللَّوَاتِي يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا فَقَدْ هَتَكَتْ سِتْرَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ ” 
ومن صفات المرأة المؤمنة أن تستر عيوب زوجها وأن لا تظهر للناس أسوأ ما فيه قال شريحالقاضي لزوجته لما دخل بها مارأيت من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها ، وستر العيوب من صفات المرأة الصالحة ؛ ولذا فسر بعض العلماء قول الله تعالى: حافظات للغيب بما حفظ الله. أي: اللاتي لا يكشفن أسرار أزواجهن. يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: ” إنّ مِنْ شَرِّ الناسِ عِنْدَ الله مَنْزلَةً يَوْمَ القِيامَةِ الرجُلَ يفضِي إلى امْرَأَتِهِ وتُفْضِي إلَيْهِ ثمَّ يَنْشُرُ سِرَّها “.
ومن الستر  أن لا تنعت المرأة امرأة أخرى لزوجها .. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا” [متفق عليه] .. وهذا للأسف ينتشر بين المسلمات حتى المتدينات منهن، وينبغي أن لا تصف المرأة امرأة أخرى لزوجها ،قال رسول الله “هل منكم رجل إذ أتى أهله فأغلق عليه بابه وألقى عليه ستره واستتر بستر الله، قالوا: نعم، قال “ثم يجلس بعد ذلك فيقول فعلت كذا فعلت كذا”، فسكتوا .. ثم أقبل على النساء فقال “هل منكن من تحدث؟”، فسكتن .. فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها وتطاولت لرسول الله ليراها ويسمع كلامها فقالت: يا رسول الله، إنهم ليحدثون وإنهن ليحدثن، فقال “هل تدرون ما مثل ذلك؟، إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانًا في السكة فقضى حاجته والناس ينظرون إليه، ألا إن طيب الرجال ما ظهر ريحه ولم يظهر لونه، ألا إن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يظهر ريحه ..” [رواه أبو داوود وصححه الألباني، صحيح الجامع (7037).
والله تعالي لحبه السَّتْر يستر علي عبده حال تلبسه بالمعصية ومع ذلك يُلقي اللهُ عليه الكنف والستر فلا يفضح إلا إذا فضح نفسه هو، ولحب الله تعالي الستر.. يحب الله لمن أبتلي بالمعصية ألا يفضح نفسه وليستتر بستر الله ، وكان من أبغض الناس إلي الله تعالي هؤلاء المجاهرين في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ ” فمثل هذا لا يغفر الله تعالي له لأنه فضح نفسه بنفسه ،
لكن هذا الستر من الله للعاصي له حد فحينما يتمادي العبد في معصية الله تعالي قد يفضحه الله تعالي من حيث لا يدري قال عثمان بن عفان رضي الله تعالي عنه ” من عمل عملاً ألبسهُ اللهُ ردائَهُ إن خيرا فخير وإن شرا فشر، سيظهر هذا العمل رغم أنفه علي فلتاتِ لسانه وكلامِه ومصداقُ ذلك قول الله تعالي { والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } قال سليمانُ التيميُّ:إنَّ الرجل لَيُصيب الذنبَ في السرِّ فيصبح وعليه مذلتُه. وقال غيره:إنَّ العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبينَ الله ، ثم يجيءُ إلى إخوانه ، فيرون أَثَرَ ذلك عليه ،ومِنْ أعجب ما رُوي في هذا ما رُوي عن أبي جعفر السائح قال:كان حبيبٌ أبو محمد تاجرًا يَكْرِي الدراهمَ ، فمرَّ ذات يوم ، فإذا هو بصبيان يلعبون ، فقال بعضهم لبعض:قد جاء آكِلُ الربا ، فنكس رأسه ، وقال:يا ربِّ ، أفشيت سرِّي إلى الصبيان ، فرجع فجمع ماله كُلَّه ، وقال:يا ربِّ إنِّي أسيرٌ ، وإني قد اشتريتُ نفسي منك بهذا المال فاعتقني ، فلما أصبح ، تصدَّق بالمال كلّه وأخذ في العبادة. ثم مرَّ ذات يوم بأولئك الصبيان ، فلما رأوه قال بعضهم لبعض:اسكتوا فقد جاء حبيبٌ العابد ، 
قال ابن القيم رحمه الله في “نونيته” : 
وهو الحيي فليس يفضح عبده ***** عند التجاهر منه بالعصيان
لـكنه يـلـقي عليه ستره ***** فهو الستير وصاحب الغفران
الخطبة الثانية : أما سَتْرُ الله لعبده يوم القيامة فالناس علي قسمين مستور ومفضوح فأما المستور فهو المؤمن وأما المفضوح فهو الكافر والمنافق في صحيح مسلم عن ابن عُمَرَ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ ” أي فلا يُعلم الخلائقَ بذنوبهِ مليارات البشر في ساحة المحشر والله تعالي يلقي ستره علي عبده وَيَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ ” وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ وَيَقُولُ لَهُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ بيمينهِ وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ { هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ »
يوم القيامة يوم عصيب أُحضرَ الكتابُ والأشهادِ. وشهدَ الأعضاءُ والجوارح، وبدت السوءاتُ والفضائح، وابتليت هنالك السرائرُ، وانكشفَ المخفيُ في الضمائر. ستجد عبد كان مرائيا يُحبُ أن يُري الناس صلاته وصدقته وعبادته كان يريد أن يتحدث الناس بعبادته كان هذا قصدُه يوم القيامة لله تعالي يُسمعْ الناس فضائحه قال النبي صلي الله عليه وسلم  مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ ” وقال صلي الله عليه وسلم ” من قام برجل مسلم مقام رياء وسمعة فإن الله يقوم به مقام رياء وسمعة يوم القيامة ” 
وستجد في أرض المحشر من يمشي بين الخلائق وله لسانين من النار والعياذ بالله قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  ” إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ” وقال ” مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ” فهولاء جميعا غرهم حلم الله تعالي عليهم في الدنيا فتمادوا حتي كانت الفضيحة ،
السبيلُ إلي سَتْرِ الله تعالي :  أن تكون عبدا مؤمنا أهلا لستر الله تعالي وألا تهتك ستر أحد يقولُ النبيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( من ستر مؤمناً في الدنيا على عورةٍ ، ستره الله – عز وجل – يوم القيامة ) 
وفي المقابل روي البيهقي في السنن الكبري عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، رَضِيَ الله عَنْهُ ، قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فِي بُيُوتِهَا ، أَوْ قَالَ فِي خُدُورِهَا ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ ، لاَ تَغْتَأبو أ الْمُسْلِمِينَ ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ.وفي رواية أحمد  قال بن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم  وقد رويَ عن بعض السَّلف أنَّه قال : أدركتُ قوماً لم يكن لهم عيوبٌ ، فذكروا عيوبَ الناس ، فذكر الناسُ لهم عيوباً ، وأدركتُ أقواماً كانت لهم عيوبٌ ،فكفُّوا عن عُيوب الناس ، فنُسِيَت عيوبهم .
طوبي لمن شُغل بعيوبه عن عيوب الناس ، إذا أذنبت لا تحدث بذنبك أحد وتب إلي ربك والجأ إلي الصلاة فقد أخرج الترمذي بسند حسن عَنْ أَبِي الْيَسَرِ قَالَ أَتَتْنِي امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا فَقُلْتُ إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبَ مِنْهُ فَدَخَلَتْ مَعِي فِي الْبَيْتِ فَأَهْوَيْتُ إِلَيْهَا فَقَبَّلْتُهَا فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ قَالَ اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا فَلَمْ أَصْبِرْ فَأَتَيْتُ عُمَرَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا فَلَمْ أَصْبِرْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ أَخَلَفْتَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَهْلِهِ بِمِثْلِ هَذَا حَتَّى تَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ إِلَّا تِلْكَ السَّاعَةَ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ وَأَطْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلًا حَتَّى أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِلَى قَوْلِهِ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ قَالَ أَبُو الْيَسَرِ فَأَتَيْتُهُ فَقَرَأَهَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً قَالَ بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً ” 
الصدقة من أسباب الستر وأن يحجبك الله تعالى عن النار عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ “مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنْ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ” [صحيح مسلم]
ستر المسلم عند تغسيله من أسباب الستر قال رسول الله “من غسل ميتًا فستره، ستره الله من الذنوب. ومن كفنه، كساه الله من السندس” [رواه الطبراني وحسنه الألباني، صحيح الجامع (6403)]. 
الإحســان إلى البنــات من أسباب الستر عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ “مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ” [متفق عليه]
كظم الغيظ والغضب من أسباب الستر قال رسول الله “.. ومن كف غضبه ستر الله عورته ..” [رواه ابن أبي الدنيا وحسنه الألباني، صحيح الجامع (176)] ، هذه بعض أسباب الفوز بستر الله جلَّ وعلا عليك .. ومن يشمله بستره، فقد فاز بمحبة الله عزَّ وجلَّ ..سترنا الله وإياكم في الدنيــا والآخرة ، هذا وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .