إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 14 يوليو 2015

عيد الفطر (٣)

الحمد لله ربّ العالمين حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحب ربّنا ويرضَى.
 الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون..
 الحمدُ لله العظيم رب العرش الكريم، هدانا للإيمان، ووفقنا لإدراك رمضان في العام، وسهَّلَ لنا قيام لياليه مع الأنام، فله الحمدُ أوَّلاً وأخيرًا، ظاهرًا وباطنًا.. اللهم لكَ الحمدُ بكلِّ نعمةٍ أنعمت بها علينا، لك الحمدُ بالأهل والمال والمعافاة، بسطتَ رِزقنا، وكبَتَّ عدُوَّنا، وأظهرتَ أمننا، وستَرْتَ عَيْبَنا، وجمعتَ فرقتَنَا، ومن كلِّ ما سألناكَ ربَّنا أعطيتنا، فلكَ الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما تحب وترضى.
 معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -جلَّ وعلا-، فهي وصيتُهُ سبحانه للأوَّلين والآخرين: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء: 131]. 
تقوى الله -جل جلاله- خيرُ زادٍ يُدَّخَرْ، قال تعالى: (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197]، 
هي أفضل لباس يُزَيِّنُ ما بطن وظهر، قال تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْر) [الأعراف:26]، 
هي سببُ النجاة من البلاء والضُّر، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)[الطلاق2-3]، 
هي سببُ الخيرات والبركات، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض) [الأعراف:96].
 فاتقوا الله -عبادَ الله- واجعلوا التقوى شعارَكم، في الليل والنهار، في السر والعلانية، في السَّفر والحَضر، في الشباب والمشيب، في أنفسكم وأهليكم والناس أجمعين.
أما بعد:
أيها الإخوةُ المسلمون: اعلموا -رحمكم الله- أنَّ الدين عند الله الإسلام، فهو الدِّينُ الذي لا يقبلُ اللهُ دينًا سواه من الإنسِ والجِن سواء، هو النَّاسِخُ لكلِّ دينٍ قبله، وهو الحاكمُ على كلِّ شريعةٍ سواه، من ابتغى العزَّةَ في غير دينِ اللهِ أذَلَّهُ الله -عز وجل-، ومن ابتغى الهدايةَ في غيرِ منهجِهِ أضَلَّهُ وأخزاه، كما قال اللهُ تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِين) [آل عمران:85] .
 ثمَّ إنَّهُ لا فرقَ في هذا الدين بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود، ولا طويل وقصير، ولا غنيّ وفقير، ولا وضيعٍ وَوَزير إلا بالتقوى، دِينٌ قيّمٌ قائمٌ على الحقائقِ والبراهين، لا على النَّسَبِ والعناوينْ، الناسُ فيهِ كلُّهم أمام التكليف والحساب سواء، لا يتميزون بأجناسٍ ولا ألوان، ولا مراتبَ ولا سلطان، إلا من أتى الله بقلب سليم وبرهن عليه بالعمل الصالح، قال -صلى الله عليه وسلم- في خطبة الوداع: "يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت". [صحيح الترغيب 2963].
 قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس: إن الله قد أذهب عنكم عُبَيَّةَ الجاهلية وتعاظُمَهَا بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب". [صحيح الجامع: 7867]. ‌
 فالله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
 أيها الإخوة: اتقوا الله تعالى واعرفوا فضله عليكم بعيد الفطر السعيد، وهو أول يومٍ من أيام الحج إلى بيته الحرام. وهذا العيد عظيم الشأن عند الله، ومما يدل على عظم شأنه أن الله قرنه بشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام العامة التي لها جلالُها وروحانيتُها، وهي شهر رمضان؛ فجاء عيدُ الفطر مِسك ختامِه، وكلمة الشكر على تمامه.
 وهذا الربط الإلهي بين عيد الفطر وبين شعيرة الصيام دليل على أنه عيد ديني بكل ما شُرع فيه من سُنن، بل حتى ما ندب إليه الدينُ فيه من أمور ظاهرُها أنها دنيوية كالتجمل، والتحلي، والتطيب، والتوسعة على العيال، وإلطاف الضيوف، والمرح، واللهو.
 عيدٌ امتلأت القلوب به فرحًا وسرورًا، وازدانت به الأرض بهجة ونورًا، يومٌ يخرج المسلمون فيه بالأمصار إلى المصليات والمساجد مكبرين ومهللين ولربهم حامدين معظمين، وبنعمته مغتبطين، فلله الحمد رب العالمين.
 الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
 أيها الأحبة: عيدكم مبارك ،افرحوا بعيدكم أفراحًا كثيرة؛ فرحة بفضل الله ورحمته، وكريم إنعامه، ووافر عطائه، وفرحة بالهداية يوم ضلت فئام من البشر عن صراط الله المستقيم، ففرحنا أن هدانا يوم ضل غيرنا: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدةَ وَلِتُكَبّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185].

فأيُّ نعمةٍ أعظم، وأي منٍّ أمنُّ وأفضل مِنْ أن اللهَ هدانا للإسلام، فلم يجعلنا مشركين نجثو عند أصنامٍ أو حيوانٍ، ولا يهودَ نغدو إلى بيعة، ولا نصارى نروح إلى كنيسة، ولا ملحدين لا نلوي على شيء، وإنما اجتبانا على ملة أبينا إبراهيم ودين نبينا محمد -صلى الله وسلم عليهم أجمعين-: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) [الحج:78].
 وللعيد فرحة ببلوغ شهر رمضان يوم تصرّمت أعمارٌ عن بلوغه.
 وللعيد فرحةٌ بتوفيق الله وعونه على ما يسر من طاعته، فقد كانت تلك الأيام الغرُّ أيامًا طويلة شديدةَ الحر، ومع ذلك يمضيها المؤمنون بالصيام متحملين ظمأَ الهواجر وألم الجوع ، ويقضون لياليَها الزُّهْرَ مستنزلين الرحمات والنفحات، قد اصطفت فيها جموعهم تُقَطْعُ الليل تسبيحًا وقرآنًا، فكم تلجلجت الدعوات في الحناجر، وترقرقت الدموع في المحاجر، وشَفّت النفوسُ ورقت حتى كأنما يعرج بها إلى السماء تعيش مع الملائكة، وكأنما تنظر إلى الجنة والنار رأي عين، في نعمة ونعيم لا يعرف مذاقها إلا من ذاقها. فَحُقَّ لتلك النفوسِ أن تفرحَ بعدُ بنعمة الله بهذا الفيض الإيماني الغامر.
 وللعيد فرحة بإكمالِ العِدةِ واستيفاءِ الشهرِ، وبلوغِ يوم الفطر بعد إتمام شهر الصوم، فلله الحمد على ما وهب وأعطى، وامتن وأكرم: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِما يَجْمَعُونَ) [يونس: 58].
 الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
 فهذا العيد -معاشر الأحبة- موسم الفضل والرحمة، وبه يكون الفرح ويُظهر السرور والبهجة،
 وشَرْعُ النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقريرُه إظهارُ الفرحِ وإعلانُ السرورِ في الأعياد، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ -صَلى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: "مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟!"، قَالُوا: كُنّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ-: "إِن اللّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ". رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني.
 قال أهل العلم: وجدَ القومَ يلعبون على حال من الترفيه البريء، فما استنكر لعبهم، ولكن استنكر توقيت اللعب باليومين، فقال: "قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ".
وفيه دليل على أن إظهار السرور في العيدين مندوب، وأن ذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما خالفهم في تعيين الوقتين. وقد فُعِلَ أنواعٌ من مشاهد السرور والبهجة بالعيد بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- فأقرها واحتفى بها. وقال في موقف: "إِن لِكُلّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا". رواه البخاري ومسلم. وقال في الآخر: "لَتَعْلَمُ يَهُودُ أَن فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيةٍ سَمْحَةٍ". رواه أحمد بسند قوي.
 الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد..
 إننا بحاجة إلى أن نجعل من هذا العيد فرصة لدفق الأمل في قلوبٍ أحبطها اليأس، وأحاط بها القنوط، وتبدّت فيها مظاهر اليأس في صور شتى،.
 فيا أمة الإسلام: أبشروا وأمّلوا ما يسركم، فعُمر الإسلام أطول من أعمارنا، وآفاق الإسلام أوسع من أوطاننا، وليست المصائب ضربة لازب، لا تحول ولا تزول، فقد حصر المسلمون في الخندق، وبعد سُنيّاتٍ فتحوا مكة، وسقطت بغداد، ثم بعد نحو ثلاثين سنة استعاد صلاح الدين بيت المقدس بعد أن استولى عليه النصارى أكثر من تسعين سنة، وبعد قرنين فُتِحت القسطنطينية، والله -عز وجل- لا يعجل لعجلتنا، ولا تتحوّل سننه لأهوائنا، فسنن الله لا تحابي أحدًا.
 اللهُ أكبرُ قُـولُوْهَا بِـلَا وَجَلٍٍ *** وزينوا القلبَ من مغزى معانيها
بها ستعلو على أفق الزمان لنا *** رايـات عز نسينا كيف نفديها
الله أكـبر ما أحلى النداءُ بها *** كأنه الـري في الأرواحِ يحيـها
 الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أيها الأحبة: ها أنتم أولاء انتهيتم من موسم عظيم للطاعة، كم دعوتم فيه وكم أمنتم على دعاء وألححتم بآخر، وكم استغفرتم وكم بين يدي الله تملقتم تطلبون العفو والغفران عن كل ما سلف وكان.
 أقول لكم: أبشروا بما يسركم فإن الله سبحانه قريب مجيب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، بل إن كرمه فوق ذلك فيبادر عباده الموحدين بالمغفرة.
  
أيها الإخوة، أيتها الأخوات، أيها الأبناء، أيتها البنات: أدعوكم في هذا اليوم العظيم ونحن على إثر عبادة عظيمة من هذا المنبر الحق ، أدعوكم -رجالاً ونساءً صغارًا وكبارًا- أن ترفعوا شعارًا في هذا العيد تبادرون به كلَّ ذي رحم، وكل جار وصديق ، أعلنوها: سامحتك لوجه الله تعالى القائل: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [الشورى:40]، سامحتك امتثالاً لأمر ربنا، سامحتك اقتداءً بقدوتنا، كفى قطيعة كفى تفرقًا وتشرذمًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم!!
 الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
 نعم معاشر الإخوة والأخوات: في العيد يُهدي الناسُ بعضُهم إلى بعض هدايا القلوب المُخلصةِ المُحِبة، وكأنما العيد روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها.
اذا اشتكي مسلم في الصين أرقني, وإن بكى مسلم في الهند أبكاني، 
ومصر ريحانتيوالشام نرجستي, وفي الجزيرة تاريخي وعنواني، 
وحيثما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من صلب أوطاني...
 الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الخطبة الثانية : 
اتق الله تعالى أختي المسلمة، واحفظي حدود الله وحقوق العباد، واعلمي أن أفضل زينة للمرأة التقوى والعفاف والصلاح، لا يغرنك ما يفعله بعض النساء من السفور والتبرج ورفع الصوت والبصر. حافظي على الصلوات، وإياك ومزاحمة الرجال في الأسواق والشوارع والحافلات، انتبهي إلى جلبابك فإنه رأس مال الحياء، تأكدي من أنه ساتر لجميع البدن، وأنه ليس لباس زينة يجلب الأنظار، وأنه واسع فضفاض غير ضيق ولا شفاف، وأنه غير مبخر بالعطور والروائح.
 حافظي على أحكام الطهارة والوضوء والغسل والعبادات، وتعلميها واسألي عنها، ولا يمنعنك الحياء أن تسألي عنها، فإن خير النساء من لم يمنعهن الحياء من تعلم أمور دينهن.
 بادري إلى قضاء أيام الصيام، ولا تتركيها حتى يأتي عليك رمضان، ونسأل الله تعالى أن يفتح على كل أخت مسلمة أبواب السعادة والراحة والهناء في الدنيا والآخرة، وأن يرزقهن الذرية الصالحة، والأزواج المؤمنين، والصبر والإيمان واليقين. إنه نعم المولى ونعم المجيب.

 وأتبعوا صيام رمضان بست من شوال؛ فقد حث على ذلك نبيكم -صلى الله عليه وسلم- وقال: "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله".
 ومن جاء مع طريق يشرع له أن يعود مع طريق آخر كما هي سنة نبيكم -صلى الله عليه وسلم-.
 اللهم إن هؤلاء عبيدك أتوك راغبين بعفوك، اللهم لا تفض هذا الجمع إلا بمغفرة لجميع الذنوب، وحقق لكل واحد منا ما تمنى من خيري الدنيا والآخرة من غير إثم أو قطيعة رحم.
3

عيد الفطر (٢)

الخطبة الأولى 

أما بعد: فيا أيها الناس، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فكلمة التقوى جامعة لكلِّ خير، مانعةٌ من كل سوء. كلمةٌ أوصى الله بها الخلائق أجمعين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ [النساء:131]. كلمةٌ أوصى الله بها خيرَ خلقه وأتقاهم له محمدَ بن عبد الله: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ [الأحزاب:1].
كلمةُ التقوى هي صفة أولياء الله، أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس:62، 63]. هي المنجية من عذاب الله،  كلمةٌ إذا استقرَّت في القلب دعت إلى كلِّ خير، وقادت العبدَ لكل خير، وحذّرته من كل سوء. كلمةٌ تصحب العبد في كلِّ أحواله، في الحديث: ((اتَّق الله حيثما كنت)).
أمةَ الإسلام، فلنتَّق الله في أوامره التي أمرنا بها امتثالاً وتطبيقاً، وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ [الحشر:7]، ولنتق الله فيما نهانا عنه، فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].
اتقوا الله في أخباره، فصدِّقوها وأيقنوا بها، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً [النساء:122].
اتقوا الله في وعده، فارجوا ما عند الله، وثِقوا بوعد الله، وأن أعمالَكم الصالحة لن يُبخس منها شيء، يقول الله تعالى: فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ [آل عمران:195].
اتقوا الله في وعيده، فاحذروا بأسه ونقمته،  وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]، 
اتقوا الله في صومكم، واتقوا الله في فطركم، واتقوا الله في سرِّكم وعلانيتكم، فمنه المبدأ وإليه المصير.
أمةَ الإسلام، أفطر المسلمون اليوم ففرحوا بفطرهم، وحُقّ لهم ذلك حيث فرحوا بإكمال الصيام امتثالاً لأمر ربهم الذي قال لهم: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، ولهم فرحٌ آخرُ فوق هذا كلِّه يومَ قدومهم على الله، وفي الصحيح: ((للصائم فرحتان: فرحة يوم فطره، وفرحة يوم لقاء ربه))[2]. فيفرح يوم قدومه على الله إذ يجد أعمالَه مدَّخرة له أحوجَ ما يكون إليها، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا [آل عمران:30]. يوم يقوم الصائمون من قبورهم وإنَّ رائحة أفواههم أطيبُ من ريح المسك. يومَ يُدعون من ذلك الباب المخصَّص لهم من أبوابالجنة ألا وهو باب الريان، يدخلون منه، فإذا دخل الصائمون أغلِق ذلك الباب فلم يدخل منه أحد.
أمة الإسلام، لنحمدِ الله على هذا الدين القويم الذي هدانا له، نسير فيه وفق شرع ربنا، وبالأمس صمنا، وبأمره اليوم أفطرنا، وهكذا قبولُنا لشرع ربنا.
هذا يومٌ يُظهر فيه المسلمون ذكرَ الله وتعظيمَه والثناء عليه، وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْتَشْكُرُونَ [البقرة:185].
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
هذا يومُ فطركم، هذا يومُ عيدكم، يوم فرحٍ وسرور بعبادة الرب الغفور.
أمة الإسلام، في هذا اليوم يعرف المسلمون عظيمَ نعم الله عليهم، ويعرفون قدرَ نعمة الله عليهم، بما منّ عليهم بالخير والفضل، فيواسون محتاجيهم، ويعود غنيُّهم على فقيرهم.
أمة الإسلام، أعيادُ أهل الإسلام أعيادٌ متميزة عن سائر أعياد البشر، ليست أعياداً لمولد ذا وموت ذا، لا لمولد عظيم، ولا لحدثٍ أرضي ولا مادي، ولكنها فرحٌ بإكمال الصيام والقيام، وفرحٌ بإتمام نسك الحج، أعيادٌ مرتبطة بديننا، ليست أفراحاً مجرَّدة، ولكنها أعيادٌ شرعية يُثاب عليها.
أمة الإسلام، عيدُنا جديدٌ في يومه، أصيلٌ في نفسه، فله ارتباطٌ قويّ بركنين من أركان إسلامنا.
أمة الإسلام، في عيدنا تجديدُ اللقاء، صلةُ الرحم، تقوية أواصر المودَّة بين الإخوة، زيارة المريض، تفريج همّ المهمومين وكرب المكروبين والتيسير على المعسرين، لتكون فرحة العيد فرحةً شاملة للجميع.
أمة الإسلام، أفراحنا ليست تحلّلاً من قيودِ الشرع، ولا طيًّا لبساط العبادة، ولا هدمًا لبناء الأعمال، ولكنها أعيادٌ شرعية منضبطة بضوابط الشرع، إذاً فلنحذر أن نبارز الله بالعصيان في هذا اليوم.
أمة الإسلام، أفراحنا ليست لإطلاق أيدينا وألسنتنا في المنكرات، ولاقتراف ما حرم الله علينا من اختلاطٍ محرم أو غناء محرَّم أو فحش في القول والعمل. إنَّ المسلم زكيّ القلب، مهذَّب النفس والسلوك، لا تزيده الأحداث إلا ثباتاً ورسوخاً في إيمانه.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أمة الإسلام، يقول الله جل وعلا: ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ [الحج:75]، ويقول وهو أقسط القائلين: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ [القصص:68].
اختار محمداً ، فجعله خاتمَ الأنبياء والمرسلين، وجعل شريعتَه خاتمةَ الشرائع، وألزم أهلَ الأرض كلَّهم طاعته وأتباعه: قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].
اختار أمتَه فجعلهم خيرَ الأمم وأفضلَها، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].
بعثه الله على حين فترة من الرسل واندراسٍ من العلم، وقد بُدِّلت الشرائع، وحُرّف الكلم، وهام الناس في شعب الضلال وأوديته، بعثه الله وقد غلب الشركُ على أهل الأرض، فعبدوا الملائكة والأنبياء، والأشجار والأحجار والحيوان، زاعمين أنها تقربهم إلى الله. بعثه الله في الحرم وهم يأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويسيؤون الجوار، ويقطعون الأرحام، ويتسلَّط القوي على الضعيف. بعثه الله بالهدى ودين الحق، فكان غريباً بين قومه، لكنه امتثل أمرَ ربه، فدعا قومه إلى الله، وحذَّرهم من عبادة غيره، ودعاهم إلى إخلاص الدين لله، وأن يتركوا ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم من عبادة غير الله، دعاهم إلى أداء الأمانة وصدق الحديث وصلة الرحم والإحسان إلى الجار والكفِّ عن المحارم والدماء، نهاهم عن الفواحش وعن قول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، حذَّرهم من كلِّ سوء، ودعاهم إلى كل خير.
وقد عانى الشدائدَ في دعوته، فقابلوه بالتكذيب، وقالوا: ساحر، وقالوا: مجنون، وقالوا: شاعر، وقال: مفترٍ، والله يعلم كذبَهم وأنهم يعلمون كذبَ ما يقولون، فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]. لكنَّه صبر على كلِّ الأمور، صبر وصابر وهاجر وجاهد، فعاش غريباً بينهم، فبدأ الإسلام غريباً، وبدأ النبي وأصحابُه غرباء، غربةَ رسالةٍ وعقيدة، لا غربة وطن ونسب وقبيلة، لكنه صابر وهاجر وجاهد في الله حق جهاده حتى أظهر الله دينه وأعلى كلمته.
فلمَّا دبّ الضعف في الأمة الإسلامية وتسلَّط عليها أعداؤها من شياطين الإنس والجن وحصلت الفرقةُ وضعفت الديانة عاد الإسلام غريباً.
أجل، عاد غريبا في توحيد العبادة، بين أقوام ينتسبون إلى الإسلام ولكنهم بعيدون عن الإسلام، عبدوا غيرَ الله، وعظَّموا قبورَ الأموات، وطافوا بها، ونذروا وذبحوا لها، وهتفوا بأسمائها في الشدائد، وعاكسوا بذلك فطرة الله.
عاد الإسلام غريبا في عبادته، فاستُخِفّ بالصلاة، وضيِّعت الزكاة، واستُخفَّ بشعائر الإسلام، بين من ينتسبون إلى الإسلام وللأسف الشديد.
عاد الإسلام غريبا في معاملاته، فإذا ذكرتَ الربا وأن الله حرَّم التعامل بالربا وجعل التعامل به حربا لله ورسوله، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]، وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ [البقرة:275]، استغربوا هذا الأمر، وقالوا: الربا من ضروريات العصر، فاستبدلوا البيعَ الحلال بالربا المحرّم، واستبدلوا الصدقَ والبيان والوضوح بالكذب والغشِّ والخيانة، فأُكِلت أموالُ الناس بالباطل.
عاد الإسلام غريباً في حمايته للأعراض، بين أقوامٍ استباحوا السفورَ وحاربوا الحجاب، ودعَوا إلى الرذيلة باسم الفضيلة معاكسةً لفطرة الله.
عاد الإسلام غريباً حينما جاءت أوامره تُلزم الأمة الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، الأمرَ بكل ما يحب الله، والنهي عن كل ما حرم الله، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان هذه الأمة، وسياجٌ منيع يحفظ الدماء والأموال والأعراض، فيَستنكر أولئك ذلك لأن الله غيّر فطرهم، فرأوا الباطل حقًّا والحقَّ باطلا، أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء [فاطر:8].
عاد الإسلام غريباً في أحكامه، ولا ترى في العالم الإسلامي محكِّما لهذه الشريعة في الدماء والأموال إلا هذا البلد حماه الله وصانه وحفظه من كلِّ سوء. إذاً فأحكام الشريعة غريبة بين المسلمين وللأسف الشديد.
عاد الإسلام غريباً، تكاثرت عليه دولُ الكفر والضلال، يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ [التوبة:32]، وقد وعدَنا الله إن صدقْنا في إيماننا النصرَ والتأييد والتمكين، وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ[النور:55].
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

الخطبة الثانية 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
تمرّ أمتُنا الإسلامية بأحوالٍ شديدة مؤلمة، تكالبَ العدوّ عليها من كل جانب، اتّحدت وتعدّدت وسائلهم، واختلفت مشاربهم، لكن الكلمة مجتمعة على عدائنا وكراهيتنا، وقد أوضح الله لنا ذلك في كتابه لنكون على حذر، قال الله تعالى: وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء [النساء:89].
هم الذين لا يرضيهم سوى إذلالُنا وفرضُ التبعية علينا لهم، وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].
هم الذين لا يدَعون أذًى لنا قولياً أو فعليا إلا أتوه، إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوء
هذا العداء الظاهرُ والأذى السافر لماذا؟ حسداً لنا على نعمة الله علينا، وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا [البقرة:109]، حسدونا على الإيمان إذ آمنا وكفروا، وقبِلنا وأعرضوا. حسدونا على ما منَّ الله علينا بنعمة الإيمان والأمن والاستقرار، ورغد العيش ونعمة الاتفاق واجتماع الكلمة. حسدونا أن المرأة بيننا محفوظة بحفظ الله، وأمورُها سائرة على شرع الله. حسدونا أن حرياتِنا مضبوطةٌ بضوابط الشرع،. حسدونا أنَّ أحكامَنا فيما بيننا هو كتاب الله وسنة محمد .
أيتها الأمة، احذروا مكائدَ الأعداء ووسائلَهم الخبيثة التي يخدعون بها من يخدعون، يريدون تشتيت كلمتنا وتفريق صفنا وبثَّ الفوضى بين مجتمعنا، ويأبى الله عليهم ذلك.
أمة الإسلام، إن إعلام أعداءِ الله دائما يحرص على بثِّ الفرقة بين صفوف المسلمين، دائماً يحرص على تلفيق التهم بأهل الإسلام، وكلّ ذلك مما في قلوبهم من الحقد والغيظ على الإسلام وأهله.


الزموا شرائعَ الإسلام، أدّوا الصلواتِ الخمسَ جماعة في المساجد، وحافظوا عليها فإنها ركنُ الإسلام الثاني، هي عمود الدين، من حافظ عليها وحفظها سهُل عليه بقيةُ شرائع الإسلام. أدّوا زكاةَ أموالكم كما أمركم بذلك ربكم. أخلصوا لله في صيامكم وحجّكم. برّوا بالوالدين، وصلوا الأرحام، وأحسنوا إلى عباد الله، وابتعدوا عن الغش في التعامل، وابتعدوا عن شهادة الزور، واحذروا معاصيَ الله، واستعينوا بنعم الله على طاعته، وأعقبوا رمضانَ بالأعمال الصالحة، واسألوا الله قبولَ أعمالكم، وأن يثيبَكم، فإن الله جل وعلا لا يضيع أجرَ من أحسن عملاً.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسنَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يدَ الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
معاشر النساء أجبن نداء الله لكن حيث قال (((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (الأحزاب : 33 ) إنها آية عظيمة جامعة , لو تأملتها المرأة وعملت بها لحازت خير الدنيا والآخرة . إن الأصل في المرأة قرارها في البيت , إذ هي نور أركانه وسكون أرجائه , والخروج من البيت أمر طارئ لا يكون إلا لحاجة , البيت هو وظيفة المرأة الأساس فما بالنا نرى تهافت النساء على الخروج من البيت لحاجة ولغير حاجة والله يقول :(وقرن في بيوتكن) . إنَّ خير النساء امرأة البيت ففي الحديث المتفق عليه أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال : (( إن خير نساء ركبن الإبل :نساء قريش :أحناه على ولدٍ في صغره وأرعاه على بعل في ذات يده )) إن مكان المرأة في البيت لا يمكن أن يسده أحد , إن الخادمة في البيت قد تعد الطعام والشراب واللباس , وتنظف الملابس والبيت لكنها لا تستطيع أن تمنح البيت حنان الأم
عليكِ بخدمة الزوج والقيام معه بالطاعة , ورعاية أولاده وحفظ ماله ومتاعه فإن لك بذلك عظيم الأجر وجزيل العطاء ففي الحديث عنه  صلى الله عليه وسلم  أنه قال :( أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضي دخلت الجنة ) رواه الترمذي وقال حديث حسن . وعن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : ( إذا صلت المرأة خمسها وصامت فرضها ، وحصنت فرجها , وأطاعت زوجها قيل لها : ادخلي من أي أبواب الجنة شئت ) رواه الخمسة وصححه الألباني
ولعلك سمعت بخبر وافدة النساء التي جاءت إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  تسأل لكن , تلك هي أسماء بنت يزيد بن السكن قالت للنبي  صلى الله عليه وسلم  إني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين ,كلهن يقلن بقولي وعلى مثل رأي , إن الله تعالى بعثك إلى الرجال والنساء فآمنَّا بك وأتبعناك ،ونحن معاشر النساء مقصورات مخّدرات قواعد بيوت وإن الرجال فضلوا بالجماعات وشهود الجنائز والجهاد , وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم وربينا لهم وأولادهم ،أنشاركهم في الأجر يا رسول الله ؟ فالتفت النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى أصحابه فقال : هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالاً عن دينها فقالوا : بلى يا رسول الله فقال  صلى الله عليه وسلم  :انصرفي يا أسماء وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته وإتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال )) أخرجه احمد والدرامي والطيالسي وصححه الألباني
احذري الخضوع في مخاطبة الرجال , ومخالطتهم وإبداء الزينة لهم , ابتعدي عن ذلك في أماكن العبادة كمكة وفي الأعياد والجمع فضلاً عن الأسواق والحدائق العامة عن أبي أسيد الأنصاري  رضي الله عنه  أنه سمع النبي  صلى الله عليه وسلم  وهو خارج من المسجد فاختلط رجال مع نساء في الطريق فقال  صلى الله عليه وسلم  :يا معشر النساء استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق ،قال أبو أسيد فقد رأيت المرأة تلتصق بالجدار حتى أن ثوبها يعلق بالجدار من شدة لصوقها به ).

• احذري مشابهة الكافرات والماجنات بحجة متابعة الموضة ( فمن تشبه بقوم فهو منهم ) وفي الحديث الصحيح ( صنفان من أمتي ...
• حافظي على عفافك وحجابك وحيائك (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) (الأحزاب59) وفي الحديث عنه  صلى الله عليه وسلم  أنه قال : (( أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عز وجل عنها ستره )) صححه الألباني . احذري دعوات التغريب وسهام التضليل التي يقذف بها الأعداء . احذري تمييع الحجاب, فالحجاب ستر وليس زينة. ليس العباءة الضيقة ولا الشفافة ولا مطرزة الأكمام حجاباً شرعياً (بل هي فتنة ولا كن أكثر الناس لا يعلمون) .
على الزوج أيضاً أن يتقي الله في زوجته فلا يظلمها ولا يضربها عليه أن يحفظ لها قيمتها وقدرها خصوصاً عند أولادها . عليك أيها الزوج أن تعلم أن رباط الزوجية رباط وثيق فهو رباط مصاحبة لا ينقطع بالمـوت (وصاحبته بنيه ) إنه عقد صحبة لا عقد رق وولاء وفي الحديث عنه  صلى الله عليه وسلم  قال : (( كل نفس من بني آدم سيد فالرجل سيد أهله ،والمرأة سيدة بيتها )) رواه ابن السني وصححه الألباني . فالواجب أحترم سيادة المرأة في البيت وأن لا تسقط خاصة عند أولادها ، وحين يدوس الزوج كرامة المرأة وتفعل المرأة ذلك فهو إذن بسقوط البيت وتقويض خيامه وذهاب قيمته التربوية ودوره المرتقب .لابد أن يبنى البيت على المودة والرحمة (( وجعل بينكم مودة ورحمة )) وعلى العفو والصفح بين كل من الطرفين ((وإن تعفو وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم )) وحين يرى أحد الطرفين من الآخر ما يسوؤه فليتذكر محاسنه وجوانب الكمال فيه فقد صح عنه  صلى الله عليه وسلم  أنه قال : (( لا يفرك مؤمناً مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر )) رواه مسلم

4