إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 15 أكتوبر 2020

انتشار الإسلام

 الخطبة الأولى:

 الحمدُ لله، الحمدُ لله الذي أرسلَ رسولَه بالهُدى للناس كافَّة، أحمدُه – سبحانَه – وأشكرُه على نعمةِ المُبشِّرات السارَّة، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له يحفَظُ عبادَه المُؤمنين ويُنجِّيهم إذا جاءَت الصاخَّة، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه سلكَ بالأمةِ طريقَ الجادَّة، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه الذين رزقَهم الله نفوسًا عن كل شرٍّ صادَّة.

 أما بعد: فأُوصِيكم ونفسي بتقوَى الله؛ فهي النجاةُ والأمنُ من كل سُوءٍ، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 الاستِبشارُ والتفاؤُلُ من مبادِئ الإسلام، وسِماتِ المُسلمين في كل الأحوال، قال الله تعالى على لسانِ نبيِّه إبراهيم – عليه السلام -: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر: 56].

هذا الاستِبشار يُولِّدُ الطاقةَ، ويُحفِّزُ الهِمَم، ويدفعُ إلى العمل، ويصنعُ المُستقبَل.

 وكلَّما تأجَّجَت مآسِي المُسلمين في بعضِ بِقاع الأرض تأكَّدت الحاجةُ لاستِحضار البشائِر، وهذا هديُ رسولِ الأمة محمدٍ – صلى الله عليه وسلم -، فكم قلَبَ بتفاؤُلِه المِحنَةَ مِنحَة، وأيقظَ الأمَلَ في جوفِ الألَم.

 ومن أعظَم دواعِي الفرح وأسبابِ البِشارة في حياةِ المُؤمن: انتِشارُ دينُ ربِّ العالمين، واهتِداءُ غيرِ المُسلمين بالإسلام.

الانتشارُ السريع من خصائصِ الإسلامِ الثابِتة، التي تنبُعُ من ذاتِه على مرِّ العصورِ والأزمان، مهما قلَّ أتباعُه، أو تساهَلَ أنصارُه، أو قسَا أعداؤُه.

 بدأ الإسلامُ في مكة من فئة ٍقليلةٍ مُستضعَفَة عانَت ألوانَ البطشِ والإيذاء، وفي غضُونِ سنواتٍ دخلَ الإسلامُ جزيرةَ العربِ كلَّها، وتشكَّل جيلٌ حملَ رسالةَ الإسلام، ونشرها في السهولِ والمِهاد، والجبالِ والوِهاد، فانتشر صدَاه، واتَّسَع مدَاه، ودخَلَت فيه الأممُ أفواجًا بسرعةٍ لم يُعرف لها نظيرٌ في التاريخ، وهذا من أعظم المعجزات، وتصديقٌ لوَعدِ الله بأن المُستقبَلَ لهذا الدين ينتشرُ الإسلام؛ لأنه الدينُ الذي ارتضَاه الله تعالى للناس ِكافَّة، وتكفَّلَ – سبحانه – بحفظهِ ونشرِه.

 قال – صلى الله عليه وسلم -: «ليبلُغنَّ هذا الأمرُ مبلغَ الليل والنهار، ولا يترك اللهُ بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ إلا أدخلَه الله هذا الدينَ، بعزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ، يُعِزُّ بعزِّ الله في الإسلام، ويُذِلُّ بهفي الكفر».

 أحبَّ الناسُ الإسلام؛ لأنه ظاهرُ المعالم، وحقٌ أبلَج مِلائِمٌ للفِطَرِ السليمة، والعقولِ المُستقيمة، أنارَ الظلمات، أسعدَ النفوس، شرحَ الصدُور، (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله) [الروم: 30].

 ينتشرُ الإسلام؛ لأنه عقيدةٌ إيمانية تُشبِعُ فراغَ القلوب، وتُهذِّبُ حَيرةَ الأرواح، وتملأ خَواء الفِكر، وتُلبِّي حاجات النفوس، وتمنَحُه الأمن، وتُروِي ظمأَه.

 يدخلُ الناسُ في دينِ الله أفواجًا؛ لأنه الدين الذي حقَّقَ للإنسانِ كرامَته، وسمَا به روحًا وجسدًا، عقلاً وقلبًا، فتحَ له الآفاق، سخَّرَ له الكون، ولم يُحرِّم عليه طيبًا.

 المُستقبلُ لهذا الدين؛ لما يُرَى من أثَرهِ البديع الذي لا يُوصَف، وفعلِه العظيم الذي لا يُحدُّ؛ فقد نقَلَ الإنسانَ من ذُلِّ المعصيةِ إلى عزِّ الطاعةِ، ومن حدودِ الدنيا إلى سَعةِ الخلود، ومن قسوَةِ القلوب إلى رحابِ الحبِّ وفيُوضِ الرحمة.

 ينتشرُ الإسلامُ؛ لأنه يُمجِّدُ العلمَ، ويُكرِمُ العلماء، ويُثنِي على العقلِ والفِكر، وكلما وصلَ الإسلامُ بلدًا من البلدان جلَّلها بالعلم وأضاءَها بالمعرفة، فأسهَمَت الأمةُ في بناءِ الحضارةِ الإنسانية، وغدَت الحضارةُ الإنسانية نواةً ومعبرًا للحضارات المُتعاقبة.

 اطمأنَ الناسُ إلى الإسلام؛ لأنه يُحقِّقُ للبشرية العدالةَ الاجتماعية في جميعِ مظاهر الحياة، قوَّى وشائجَ الأخوَّة، أحيَا مبادئ التعاون، أسَّسَ معانِي الخدمة الاجتماعية.

 قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «ولأَن يمشِي أحدُكم مع أخيه في قضاءِ حاجَتِه أفضلُ من أن يعتكِفَ في مسجدِي هذا شهرَين» – وأشارَ بأصبعه -.

 العدلُ في الإسلام مدلولٌ ناصِع، ومفهومٌ راسِخ، لا يتأثَّرُ ميزانُه بالحسَبِ والنَّسَب، ولا بالجاهِ والمال، ويتمتَّعُ بالعدلِ جميعُ المُقيمين على أرضِه من المسلمين وغيرِهم، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8].

 وتقعُ على المسلمين مسؤوليةُ نشرِ الإسلام، وتبليغِه في كلِّ أصقاع الأرض، ابتداءً من نبيِّها – صلى الله عليه وسلم -، قالَ اللهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) [المائدة: 67].

وقالَ – صلى الله عليه وسلم -: «بلِّغُوا عنِّي ولو آية».

 وقد بذَلَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – كلَّ الأسبابِ للتوسُّعِ في نشرِ الإسلام؛ فلما أسلمَ أبو ذرٍ الغِفاريُّ – رضي الله عنه – طلَبَ منه الإقامةَ في بني غِفار، ودعوتَهم إلى الإسلام. ولما أسلمَ الطُّفيلُ بن عمرو الدَّوسيُّ، طلَبَ منه الإقامةَ في قبيلته دَوسٍ لنشر الإسلام فيها.

 فالمسلمُ مأمورٌ بالعمل على نشر الإسلام، وليس عليه أَطرُ الناسِ على الدين أَطرًا، وحملُهم عليه قَسرًا، قال الله تعالى: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) [الشورى: 48]، وقال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: 272].

 وتبلُغُ المسؤولية أوجَها في نشرِ هذا الدين على المسلمِ المُغترِب في بلادِ غيرِ المسلمين، سواءٌ كان سفيرًا، أو مُبتعثًا، أو تاجرًا، أو عامِلاً، فمهمةُ نشرِ الإسلام من أعظمِ الفضائل وأجلِّ المراتب.

قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33].

 وقالَ – صلى الله عليه وسلم -: «لأَنْ يهدِيَ الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من أن يكونَ لك حُمْر النَّعَم».

 ونستطيعُ أن نُؤكِّد بأن العُنصر الأبرَزَ في انتشارِ الإسلام على يدِ سلَفِ الأمة سيرتُهم النقيَّة في فتُوحِهم، وعدلُهم في أحكامهم، وسلوكُهم تديُّنًا وورَعًا واستقامةً، وفي مقدمةِ أولئك: قادَةُ الفتحِ الإسلامي وجنودُه، الذين كانوا دُعاةً ولم يكونوا غُزاةً، اتَّصَفَ أولئك الذين نشروا الإسلام بسلامةِ القلب، وطهارةِ النفس، ونُبلِ المشاعر، وكان كلُّ فردٍ منهم ينبوعًا يفيضُ بالخيرِ والرحمة، ويتدفَّقُ بالنفعِ والبركة.

أكثرُ وسائلِ التأثير في نشرِ الإسلام – عباد الله -: إيصالُ القرآن الكريم إلى أسماع البشَر، وفي هذه الآية تأكيدٌ على أهميةِ إسماعِ القرآن الكريم للمُشركين، قالَ اللهُ تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) [التوبة: 6].

 ويعلَمُ المُهتمُّون بنشرِ الإسلام أهميةَ الإعلامِ الحديث، واستِثمار وسائل التقدُّم التقنِيِّ في نشر الدعوة، ورغم تقصيرِنا في نشر الإسلام، إلا أن الله سخَّرَ هذه المنابرَ الإعلامية الفاعِلَة والمُؤثِّرة، إن أحسَنَ المَعنيُّون استخدامَها عالميًّا لإبرازِ سماحةَ الإسلام ويُسْره، والتصدِّي لمن يُحاوِلُ تشويهَ صُورته وتحجِيره.

الخطبة الثانية : 

 عباد الله : تنبأ مركز لأبحاث التغيرات الديموغرافية في الديانات الكبرى أن يُصبح الإسلام أكثر الديانات انتشاراً في العالم بحلول سنة 2070وأكد المركز أن الإسلام هو الديانة الوحيدة في العالم التي تنتشر أسرع من وتيرة نمو سكان العالم.

توقع مركز "بيو" الأمريكي لأبحاث التغيرات الديموغرافية في الديانات الكبرى أن يصبح الإسلام أكثر الديانات انتشار في العالم بحلول سنة 2070، وأضاف أن الإسلام الديانة الوحيدة في العالم التي تنتشر بوتيرة أسرع من وتيرة نمو سكان العالم، وفق ما أشار إليه موقع جريدة "تلغراف" البريطانية.

وأوضح المركز الأمريكي أن عدد السكان المسلمين سينمو بنسبة 73 في المائة بين عامي 2010 و2050، بالمقارنة مع 35 في المائة لدى المسيحيين - ثاني أسرع ديانة نمواً في العالم.

وأضاف "بيو" أن الإسلام يجذب الكثير من الشباب، وهو ما يعني أن لديهم المزيد من سنوات الإنجاب، فيما توقع نفس المركز أن يشهد عدد المسيحيين تراجعاً، إذ يتزايد عدد الأشخاص غير الدينيين أو الذين يُغيرون دينهم، وأردف "بيو" أن من المحتمل أن يدخل حوالي 40 مليون شخص إلى المسيحية، غير أن 106 مليوناً من أتباع المسيحية في العالم سيتركونها، حسب نفس المصدر.

 ولا يخفَى أن الإسلامَ يتعرَّضُ بين الفَينَة والأخرى لتشويهٍ مَقيتٍ، وتزييفٍ ظالمٍ، وإلصاقِ تُهمة العنف والإرهاب به وبأتباعه، عبر صُورٍ كرتونية، ولقطاتٍ إعلامية؛ لتخويفِ الناس من الدين الإسلامي، وأنه منبَعُ الرِّيبة والرجعيَّةِ والتخلُّفِ والسلبيَّة، وكلُّ ذلك لا يُغيِّرُ من حقيقةِ الإسلام، ولا يَفُتُّ في عضُدِ أبنائه، ولا يُطفِئُ نورَه الوضَّاء، وجمالَه المُشرِق، قال الله تعالى(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف: 8]، وقال تعالى: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [التوبة: 32].

 زعمُوا زُورًا وبهتانًا أن الإسلامَ انتشرَ بالسيف، والإسلامُ لم يُكرِه أحدًا على تغييرِ عقيدته؛ بل إنَّ التاريخَ يُسجِّلُ ويشهَدُ بمِدادِ الحقِّ والإنصافِ أن الإسلامَ انتشَرَ بالبُرهانِ الساطِع، والدليل الناصِع، والسماحَة والعدلِ، قالَ اللهُ تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: 256]، وقال تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: 99].

وهذه الاحصائيات البسيطة التي ذكرناها خير مثال على انتشار الاسلام ، والارقام لها دلالات واضحة لا تخطئ وخاصة ان كانت من مراكز ابحاث اعداء هذا الدين

الخميس، 8 أكتوبر 2020

الخالق العظيم

 ( خطبة في عظمة الله 

قالَ نافعٌ رحمَه اللهُ: خرجتَ مع ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما في بعضِ نواحي المدينةِ ومعه أصحابٌ له فوضعوا سُفرةً، فمرَّ بهم راعي .. فقالَ له عبدُ اللهِ: هَلُمَّ يا راعي فأصِبْ من هذه السفرةِ .. فقالَ الراعي: إني صائمٌ

 

فقالَ له عبدُ اللهِ: في مثلِ هذا اليومِ الشديدِ حَرُّهُ، وأنتَ في هذه الشِّعابِ في آثارِ هذه الغنمِ وبينَ الجبالِ .. ترعى هذه الغنمَ وأنتَ صائمٌ .. فقالَ الراعي: أُبادرُ أيامي الخاليةَ .. فَعجِبَ ابنُ عُمرَ، وقالَ: هل لك أن تبيعَنا شاةً من غَنمكَ نجتزرُها ونطعمُك من لحمِها ما تُفطرُ عليه ونُعطيكَ ثمنَها .. قالَ : إنها ليستْ لي إنها لمولاي

 

قالَفما عَسيتَ أن يقولَ لك مولاك إن قُلتَ أكلَها الذئبُ .. فمضى الراعي وهو رافعٌ إصبعَه إلى السماءِ .. وهو يقولُ: فأينَ اللهُ؟ .. قالَ نافعٌ: فلم يزلْ ابنُ عمرَ يقولُ: فأينَ اللهُ؟ .. فأينَ اللهُ؟ .. فأينَ اللهُ؟

فما عدا أن قَدِمَ المدينةَ فبعثَ إلى سيدِه فاشترى منه الراعيَ والغنمَ، فأعتقَ الراعيَ ووهبَ له الغنمَ

 

عبادَ اللهِ ..

إن الفرقَ بينَ هذا الراعي البسيطِ وبينَ من يتهاونُ في المعصيَةِ .. هو مقدارُ ما في القلبِ من تعظيمِ اللهِ جلَّ جلالُه.

إن زمانُنا هذا .. قد كَثُرتْ فيه الأشغالُ .. وتغيَّرتْ فيه الأحوالُ .. وانبهرَ الناسُ بما صنعوا من اكتشافاتِ .. ونسوا عبادةً من أعظمِ العباداتِ .. وهي التَفكرُ فيما أبدعَ اللهُ تعالى من مخلوقاتٍ .. فنقصَ تعظيمُ اللهِ تعالى في الخَلَواتِ.

 

هذا نوحٌ عليه السلامُ لما رأى قومَه يقعونَ في الشركِ وهو أعظمُ المعاصي .. علِمَ أنهم لم يعظِّموا اللهَ تعالى في قلوبِهم حقَّ عظمتِه .. فذكَّرَهم بآياتِ اللهِ تعالى في الكونِ .. لعلهم يتفكرونَ فيها ويؤمنونَ .. فقال (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا).

 

اسألْ نفسَك .. من خلقَ تلك السماواتِ السبع الشِّدادَ؟ .. ومن جعلَ الأرضَ مَبسوطةً كالمِهادِ؟ .. ومن أنزلَ من السماءِ ماءً طَهوراً .. فأخرجَ به أشجاراً وفَواكِهَ وزُهوراً؟ .. فالماءُ واحدٌ .. والترابُ واحدٌ .. وتختلفُ الأصنافُ لوْناً وحَجْماً .. ورائحةً وطَعْمَاً .. ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ).

 

من يُجيبُ الدَعَواتِ؟ .. ومن يَكشفُ الكُرُباتِ؟ .. ومن يعوذُ به الخائفُ؟ .. ومن يلوذُ به الحائرُ؟ .. ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ *)

 

من خلقَ الكائناتِ من العدمِ؟ .. ومن يُعيدُها ليومٍ لا ينفعُ فيه الندمُ؟ .. من يرزقُ الجَنينَ في ثلاثِ ظُلماتٍ؟ .. ومن يعلمُ غيبَ الأرضِ والسماواتِ؟ .. (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * )

 

عَلمتْ السماواتُ والأرضُ قُدرتَه .. وامتلأتْ في أرجاءِهما عظمتُه .. فجاءهما الأمرُ بالإتيانِ .. فاستجابا من غيرِ ترددٍ ولا عِصيانٍ .. (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)

 

من خلقَنا من ترابٍ؟ .. ومن يعلمُ ما في الأرحامِ والأصلابِ؟ .. كلُّ ذلك ومن يولدُ ومن يموتُ في كتابٍ .. انه الله العظيم 

 

من خلقَ الدَّوابَّ المُنتشرةَ في الفَضاءِ؟ .. فمنها الزاحفُ ومنها الماشي ومنها السابحُ في الماءِ .. فلا إلَه إلا اللهُ له الحمدُ والفضلُ والثناءُ .. (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). انه الله العظيم

 

ومن خلقَ الطيرَ صافاتٍ في السماءِ؟ .. ومن أمسكَها عن السُقوطِ وجعلَ لها الهواءَ؟ .. (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ). انالله العظيم 

 

من يأتينا بالليلِ والنهارِ؟ .. ومن جعلَ الليلَ مُظلِماً للسكونِ والقَرارِ؟ .. ومن جعلَ للمعاشِ ضَوءَ النهارِ؟ .. ومن يأتِ بهما لو أذهبَهما العزيزُ القهَّارُ؟ 

 

من رزقنا من الثَمراتِ والطَعامِ؟ .. ومن سَخَّرَ الفُلكَ تجري في البحرِ كالأعلامِ؟ .. ومن جعلَ الشمسَ والقمرَ يَسيرانِ بانتظامٍ؟ .. نَعَمٌ لا تُحصى من اللهِ ذي الجلالِ والإكرامِ .. انه الله العظيم

حتى مشركي مكةَ كانَ في قلوبِهم بقايا لتعظيمِ اللهِ تعالى .. بما كانوا يعرفونَه من نِعَمِه عليهم .. رزقاً وإحياءً وإماتةً وتدبيراً .. ( ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله )

لم يكن لديهم أدنى شكٍ في أن اللهَ تعالى خالقَ كلِ شيءٍ .. وربَّ كلِ شيءٍ .. ومالكَ كلِ شيءٍ .. ولا يخرجُ عن أمرِه شيءٌ .. 

 

يا أهلَ الإيمانِ .. لا ينبغي لجماداتٍ أن تكونَ أكثرَ تعظيماً للهِ تعالى من عبادِه المؤمنينَ .. فهذه كلمةٌ قالَها أهلُ الكُفرِ كَذِباً وبُهتاناً واغتراراً .. كانَ لها الأثرُ العظيمُ على المخلوقاتِ غَضَباً وتسبيحاً واعتذاراً .. (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا).

 

قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما في تفسيرِ هذه الآياتِ: (اقشعرتْ الجبالُ وما فيها من الأشجارِ .. والبحارُ وما فيها من الحيتانِ .. وفزعتْ السماواتُ والأرضُ .. وجميعُ المخلوقاتِ إلا الثقلينِ . وكادتْ أن تزولَ .. وغَضبتْ الملائكةُ .. واستعرتْ جهنمُ .. حينَ قالوا: اتَّخذَ اللهُ ولداً).

 

أرأيت هذه السماوات السبع، والكون كله، نحن على الأرض لا شيء، والأرض في المجموعة الشمسية لا شيء، والمجموعة الشمسية في المجرة لا شيء، والمجرة ضمن المجرات لا شيء، فنحن نقطة في فضاء كامل لا نراه، ، شيء عجيب وكون فسيح حتى نصل إلى السماء الدنيا، ثم بين كل سماء والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، ثم بين كل سماء والتي تليها مسيرة خمسمائة عام. 

أرأيت هذه السماوات العظيمة وهذا الكون الكبير الفسيح هذا كله بالنسبة إلى كرسي الرحمن- موضع قدمي الرحمن - كحلقة ملقاة في أرضٍ فلاة -أي في صحراء- هذا الكون كله والسماوات السبع كحلقة، أرأيت؟! أتخيلت؟! أتصورت؟! 
نحن ماذا نساوي داخل هذه الحلقة؟ لاشيء. 
ثم اعلم أن هذا الكرسي بالنسبة لعرش الرحمن جل وعلا كالحلقة بالنسبة للفلاة -الصحراء- تخيل وتصور!! ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )  [طه:5]. يعلم ما توسوس به كل نفس، يسمع دبيب النملة على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء

الخطبة الثانية : 
تقول عائشة : ( جاءتنا المجادلة -المجادلة التي في سورة قد سمع الله خولة بنت ثعلية - تشتكي إلى رسول الله من زوجها، تقول عائشة : وليس بيني وبينها إلا ستارٌ رقيق، تقول: لا أسمع بعض كلامها، وإذا بالايات تنزل: (  قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَاوَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1] ) لا تظن عندما تختلي بنفسك في معصية أو تغترب عن الأرض؛ لتعصي الله جل وعلا، أو تغلق على نفسك الباب وتطفئ الأضواء لتعصي لا تظن أن الله قد غفل عنك

يوماً من الأيام والنبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فإذا به يقول لهم : ( تسمعون ما أسمع؟ قالوا: لا يا رسول الله ) واسمعوا هذا الحديث ، قال: (أطت السماء ) والأطيط: هو صوت الحمل على الناقة إذا كان ثقيلاً ومشت الناقة يظهر له صوت، بعضكم لعله سمع أو يتخيل هذا الصوت، وأي حمل على السماء؟ (أطت السماء وحق لها أن تئط ) ما الذي حدث؟ ما الذي جرى؟ السماء العظيمة فيها حمل ثقيل، أتعرف ما الذي فيها؟ (ما من موضع شبرٍ إلا وفيه ملك ساجدٌ أو راكع ) الله أكبر!! (ما من موضع شبرٍ إلا وفيه ملك ساجد أو راكع ). 
هؤلاء الملائكة الذين لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] إذا بعثوا يوم القيامة تعرف ماذا يقولون؟ 
سبحانك ما عبدناك حق عبادتك! لا يعصون الله، حياتهم عبادة، وركوع وسجود وتنفيذ لأوامر الله، لا يعصون الله ما أمرهم، يسبحون الله ولا يفترون، ثم ما عبدناك حق عبادتك،تعرف لماذا؟ تعرف لِمَ؟   لانهم يعلمون انه الله العظيم 

بعضنا يَمنُّ على الله أنه صلى خمس صلوات في المسجد، ماذا تعني خمس صلوات؟! لا شيء، كانت خمسين فجعلها الله خمساً، وهي خمس في العمل خمسون في الميزان، ومع هذا يَمنُّ على الله أنه صلاها في اليوم والليلة، يَمنُّ على الله إذا حج بيت الله، يَمنُّ على الله إذا صام الإثنين والخميس: (  بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17]. 

أرأيت أو أسمعت بوصف أفضل الملائكة جبريل؟ جبريل له ستمائة جناح؛ كل جناح يغطي الأفق كله، فتخيل، وتصور! 
هذا جبريل صاح صيحة دمر قرية كاملة. جبريل بطرف جناحه قلب قرية على رأسها. 
جبريل هذا المخلوق العظيم رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المعراج في السماء السابعة كالحلس البالي، كالثوب الخلق، تعرف لِمَ؟ لأن جبريل عرف عظمة الله  فزاد خوفاً وخشية: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67]. 

أرأيت السماوات السبع العظيمة؟ يطويها الرب جل وعلا كطي السجل للكتب: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ [غافر:15] الله، ذُو الْعَرْشِ [غافر:15] الله الذي يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ [غافر:15] الكل له يوم القيامة بَارِزُونَ لاتخفى منهم خافية [غافر:16] كل الناس حفاة عراة، ويقبض الرب عز وجل الأرض بيمينه والسماوات بيده الأخرى وكلتا يديه يمين، فيقول للخليقة كلها: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ من يرد عليه، من يجرؤ أن يرد على الله في ذلك اليوم؟ 

أين ملوك الأرض؟ أين السلاطين؟ أين المتجبرون على أمر الله؟ على شرع الله؟ على دين الله؟ أين المتكبرون عن السجود لله عز وجل؟  
في يوم القيامة عندما يجمع الله الأولين والآخرين،.....

يا عبد الله: هل فكرت أن ترجع إلى الله؟ يا من تتوجه بيديك وقلبك إلى البشر، هلا توجهتإلى الله؟ هلا كنت صادقاً في توجهك إلى الله؟  
أتعرف أن الرب العظيم الجليل الكبير المتعال يحب عبده إذا رجع إليه؟ أتعلم أن الله العظيميفرح إذا أقبل عبده إليه تائباً؟ لو أمضى سنوات من حياته في المعاصي، وأسرف علىنفسه بالذنوب، وأكثر من الذنوب والمعاصي، ثم أراد أن يرجع إلى الله قبله الله، وأحبه، وفرح به إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]؟ 

من أنا وانت حتى يحبنا الله؟ من أنا وانت حتى يفرح الله عز وجل بنا؟ أنا وانت الذين أذنبنا وأسرفنا وكثرت منا المعاصي والذنوب، ولطالما عصينا الله، والآن يحبنا الله؟ نعم. لو رجعنا وتبنا وندمنا على ما مضى فإن الله عز وجل يحبنا. 

رجل من بني إسرائيل عَبَدَ الله أربعين سنة؛ ثم انتكس فعصى ربه أربعين عاماً، ثم بعدأربعين سنة من المعصية أراد التوبة، فقال وهو يبكي ويدعو: رب عبدتك أربعين عاماً،وعصيتك أربعين عاماً، فهل لي من توبة إن أنا رجعت إليك؟ فإذا به يسمع هاتفاً يقول له: عبدي عبدتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طه:8]..