إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 9 يناير 2020

التوبة

( التوبة ) 
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وأشهد أن لا إلا الله القائل ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) [آل عمران:135].
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله القائل «أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة» رواه مسلم، 
عباد الله: أوصيكم ونفسي أولاً بتقوى الله ومراقبته بالليل والنهار فهو القائل: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء:1].
عباد الله: ماذا بعد الصحة إلا السقم؟! ماذا بعد البقاء إلا الفناء؟! ماذا بعد الشباب إلا الهرم؟! ماذا بعد الحياة إلا الممات؟!
إخوة الإيمان إنما مرض القلوب من الذنوب، وأصل العافية أن تتوب.
التوبة وما أدراكم ما التوبة.. التوبة باب الأمل.. التوبة باب مفتوح.  التوبة دموع حارة. يقول تعالىنَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 
سبحانه غفورٌ رحيم، من أعظم منه جوداً والخلق له عاصون وهو يراقبهم ويكلأهم ويحفظهم كأنهم لم يعصوه.
من ذا الذي دعاه فلم يجبه، من ذا الذي سأله فلم يعطه، من ذا الذي رجاه فقطع رجاه، وهو الكريم منه الكرم ومن كرمه أن غفر للعاصين والسائلين وأحب التوابين والمتطهرين.
التوبة أن يقف العبد المذنب المقصر, وكلّنا مذنبون وكلنّا مقصّرون، يقف العبد التائب أمام ربه مُنكسر القلب خاشع الجوارح, ولسان حاله ومقاله يقول يا رب: ليس لي ربّ سواك يقبل توبتي، من يغفر لي إن لم تغفر لي؟! من يرحمني إن لم ترحمني يا رب العالمين؟!.
إلهي لست للفردوس أهلاً *** ولا أقوى على نار الجحيم
فهب لي توبةً واغفر ذنوبي *** فإنك غافر الذنب العظيم
قد يقول قائل: لماذا نتوب؟ فأقول : تتوب يا عبد الله لأنَّ الله أمرك وأمر كل مؤمن معك.
فقال تعالىوَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [النور:31].
تتوب لأن ميزانك سيُنصب أمام عينيك يوم القيامة فتوضع حسناتك في كفة وسيئاتك في كفة، ولا ترجح الحسنات إلا بالتوبة النصوح التي تمحو السيئات....تتوب يا عبد الله؛ لأن الله يحب التوابين ويحب الأوابين ويحب المستغفرين.
تتوب يا عبد الله حتى يفرح الرب، وتسعد الملائكة، وتغيظ الشيطان، وتُفرح الأخوان، وتُخزي الأعداء، وتُبّيض صحيفتك، وترفع درجتك، وتوسع قبرك، وتُعلي قدرك.
تتوب يا عبد الله لأن الله يقولوَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [الحجرات:11].
عبد الله! هل أتاك خبر تلك المرأة المؤمنة التي زنت وغفلت عن رقابة الله للحظات، لكن حرارة الإيمان وخوفها من الرحمن أقَضَّت مضجعها فلم يهدأ بالها ولم يقر قرارها 
والمعصية تتأجج ناراً في قلبها، وقُبح الفاحشة تشتعل في صدرها، لم تقنع بالتوبة بينها وبين ربها، فقالت: يا رسول الله أصبت حداً فطهرني، فينصرف عنها – صلى الله عليه وسلم- يمنة ويسرة ويردها، وفي الغد تأتي وتقول: لِمَ تردني يا رسول الله، لعلك تريد أن تردني كما رددت ماعزاً، فوالله إني لحبلى من الزنا, فقال –صلى الله عليه وسلم- لها«اذهبي حتى تضعيه »، فيا عجباً لأمرها تمضي الشهور والأيام وحر المعصية يتأجج في صدرها وتأتي بالصبي في خرقة تتعجل أمرها.
يا رسول الله ها قد ولدته، فطهرني. عجباً لها فقال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه, سنتان ولم يطفئ حرَّها، فلما فطمته أتت بالصبي وفي يده كسرة خبز دليلاً لها، وقالت «قد فطمته يا رسول الله» ، وأكلُ الطعام بُرهانها.
فدفع –صلى الله عليه وسلم- الصبي إلى رجلٍ من المسلمين، ثم أُمر بها فحفُر لها إلى صدرها وأُمر بها فرجمت، فيُقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فينضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع النبي – صلى الله عليه وسلم- سبّه إياها, فقال: « مهلاً يا خالد، فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو وُزعت على أهل المدينة لكفتهم».
لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكسٍ لغُفر له، فصلّى عليها النبي المصطفى – صلى الله عليه وسلم – ودعا لها.
عباد الله: هل من توبة؟! هل من أوبة؟! هل من عودة؟! فالله يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسط يده بالنهار وليتوب مُسيء الليل.
وليست التوبة لأصحاب الفواحش والمنكرات فقط، بل هي لكل مؤمن.
قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [
ونبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – كان «يتوب إلى الله ويستغفره في اليوم أكثر من سبعين مرة، وفي رواية أكثر من مائة مرة» [ البخاري
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نعد للنبي – صلى الله عليه وسلم – في المجلس الواحد «رب اغفر لي وتب عليَّ؛ إنك أنت التواب الرحيم» [رواه البخاري في الأدب المفرد: «618» وأخرجه أحمد: «4726»]. 
والله جل وعلا ينزل إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله كل ليلة، فيقول «هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فاعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له»؟.
يا رب إن ذنوبي قد كثرت.. وليس لي بعذاب النار من قِبَل.. ولا أطيق لها صبراً ولا جلَداً.. فانظر إلهي إلى ضعفي ومسكنتي.. ولا تذقني حراً لجهنم غداً.
عبد الله لا تؤخر توبتك، كيف بك لو نزل بك الموت وأنت على غير توبة، أعقدت مع ملك الموت عقداً بعدم مجيئه؟ أم اتخذت عند الرحمن عهداً أن لا يقبض روحك حتى تتوب؟
عباد الله: ما أكثر نعم الله علينا وما أجلّها وما أشد تقصيرنا في شكرها ومع ذلك لم يحرمنا وما أكثر ما عصيناه ومع هذا لم يمنعنا.
عباد الله: نحن مع من تتعامل نحن نتعامل مع الذي عرض التوبة على الكفار وفتح طريق الرجعة أمام الفجار.
نحن نتعامل مع من لو عفا عن الخلق كل الخلق ما نقص من ملكه شيء، وهو القائل ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) [فاطر:15].
نحن نتعامل مع من رحمته سبقت غضبه، نحن نتعامل مع من اسمه التواب الغفار.
عباد الله: أحلى الأقوال وأجمل الألفاظ يوم يقول العبد: "يا رب أذنبت، يا رب أخطأت، يا رب أسأت, فيأتي الرد سريعاً من التواب الرحيم: عبدي غفرت، عبدي سامحت، عبدي عفوت".
يا رب..
إن الملوك إذا شابت عبيدهم *** في رقّهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا سيدي أولى بذي كرم *** قد شبنا في الرق فأعتقنا من النار
عباد الله: دعونا نقف وقفة تأمل مع التائبين ونعيش معهم:
دينار العيار:
روي أن رجلاً كان يُعرف بدينار العيار كانت له والدة تعظه ولا يتعظ، فمر في بعض الأيام بمقبرة كثيرة العظام فأخذ منها عظماً فتفتت في يده، ففكر في نفسه، وقال لنفسه: ويحك يا دينار! كأني بك غداً قد صار عظمك هكذا رفاتاً، والجسم تراباً، وأنا اليوم أُقدم على المعاصي فندم وعزم على التوبة ورفع رأسه إلى السماء، وقال: " إلهي إليك ألقيت مقاليد أمري فاقبلني وارحمني"، ثم مضى نحو أمه متغير اللون مُنكسر القلب، فقال: يا أماه ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده؟ فقالت: يُخشِّن ملبسه ومطعمه ويغل يده وقدمه، فقالأريد جبة من صوف وأقراصاً من شعير، وتفعلين بي كما يفعل بالعبد الآبق، لعل مولاي يرى ذُلي فيرحمني، ففعلت ما طلب، فكان إذا جنَّه الليل أخذ في بالبكاء والعويل.
ويقول لنفسه: "ويحك يا دينار ألك قوةٌ على النار كيف تعرضت لغضب الجبار"؟ وكذلك إلى الصباح، فقالت له أمه في بعض الليالي: "ارفق بنفسك"، فقال: دعيني أتعب قليلاً لعلي أستريح طويلاً ؟ يا أمي، إن لي موقفاً طويلاً بين يدي رب جليل، ولا أدري أيؤمر بي إلى الظل الظليل أو إلى شر مقيل، إني أخاف عناء لا راحة بعده، وتوبيخاً لا عفو معه، قالت: فاسترح قليلاً فقال: الراحة أطلب؟ أتضمنين لي الخلاص؟ قالت فمن يضمنه لي؟ قال فدعيني وما أنا عليه، كأنك يا أماه غداً بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار، فمرت به في بعض الليالي وهو يقرأ قوله تعالى: ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) [الحجر:92] يتأمل فيها يرددها، فقالت: قُرّة عيني أين الملتقى؟
فقال بصوتٍ ضعيف: "إن لم تجديني في عرصات القيامة، فاسألي مالكاً خازن النار عني"، ثم شهق شهقة مات فيها, فجهزته وغسلته، وخرجت تنادي: أيها الناس هلموا إلى الصلاة على قتيل النار، فجـاء الناس، فلم يُر أكثر جمعاً ولا أغزر دمعاً من ذلك اليوم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
لا زلنا وإياكم في رحاب التائبين:
توبة امرأة بارعة الجمال أرادت أن تفتن الربيع بن خثيم أحد التابعين.
أمر قوم امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خثيم لعلها تفتنه، وجعلوا لها، إن فعلت ذلك، ألف درهم، فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده فنظر إليها فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة، فقال لها الربيع : "كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك لو سألك منكر ونكير؟ أم كيف بك إن لم تتوبي يوم ترمين في الجحيم"؟ فصرخت وولت هاربة تائبة عابدة عائدة إلى الله، قائمة لليل صائمة للنهار، حتى لُقبت بعابدة الكوفة.
توبة شاب مُسرف على نفسه على يد إبراهيم بن أدهم.
روي أن رجلاً جاء إلى إبراهيم بن أدهم فقال له: يا أبا إسحاق إني مُسرفٌ على نفسي بالمعاصي، فأعرض علي ما يكون لها زاجراً ومستنقذاً لقلبي، قال: "إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية ولم توبقك لذة "قال: هات يا أبا إسحاق!
قال: أما الأولى: فإذا أردت أن تعصي الله عز وجل فلا تأكل من رزقه، قالفمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه؟ قال: يا هذا! أفَيَحْسُن أن تأكل رزقه وتعصيه؟
قال: لا، هات الثانية.
قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئاً من بلاده. قال الرجل: هذه أعظم من الأولى! يا هذا إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له فأين أسكن؟ قال: يا هذا! أفيَحسُن أن تأكل من رزقه وتسكن بلاده وتعصيه؟ 
قال: لا، هات الثالثة.
قال: إذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده فانظر موضعاً لا يراك فيه مبارزاً له، فاعصه فيه. قال: يا إبراهيم! كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر؟ قال: يا هذا أفيَحْسُن أن تأكل من رزقه وتسكن بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهر به؟ 
قال: لا، هات الرابعة.
قال: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك، فقل له: أخِّرني حتى أتوب توبة نصوحاً، وأعمل لله عملاً صالحاً. قال: لا يقبل مني! قال يا هذا، فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب، وتعلم أنه إذا جاء لم يكن له تأخير، فكيف ترجو الخلاص؟
قال: هات الخامسة: قال: إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذوك إلى النار، فلا تذهب معهم. قال: لا يتركونني ولا يقبلون مني، قال: فكيف ترجو النجاة إذاً؟ قال له: يا إبراهيم حسبي، حسبي، أنا أستغفر الله وأتوب إليه، ولزمه في العبادة حتى فرَّق الموت بينهما.
عبد الله:
1- جدد توبتك كل ليلة قبل أن تنام، وحقّق شروطها فلعلها تكون آخر نومة.
2- رُد الحقوق المغتصبة إلى أصحابها، فهذا من تمام التوبة.
3- من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب.
4- أتبع السيئة الحسنة تمحها، فالحسنات يذهبن السيئات
5- صاحب التائبين، وجالس الصالحين يذكرونك بالله، فالمرء على دين خليله.
6- لا تنس سيد الاستغفار صباحاً ومساء، قل: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» [رواه البخاري في صحيحه من حديث شداد بن أوس].
يا نفس توبي فإن الموت قد حانا *** واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
في كل يوم لنا ميت نشيّعه *** نحيي بمصرعه آثار موتانا
يا نفس مالي وللأموال أجمعها خلفي *** وأخرج من دنياي عُريانا

السبت، 4 يناير 2020

عاقبة البغي والظلم


( عاقبة البغي والظلم )
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، فإن تقواه عون للعبد في الشدائد، وعدة في المضائق ) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ( .
أيها الناس: تمتلئ نفس الجهول بالكبر والعظمة فلا ترى لأحد قدرا، ولا تفيه حقا.. وتنازع الله تعالى في خصائصه، مع ظنها أن الناس إنما خلقوا لأجلها.. هذه النفوس الظالمة الخاطئة تدفع أصحابها إلى العلو على الناس، والفساد في الأرض، والبغي بغير الحق..
والبغي كلمة قبيحة يجتمع فيمن اتصف بها الكبر والعلو والاعتداء.. فهو استعلاء بغير حقّ، ومجاوزة النفس قدرها واستحقاقها، ينتج عنه اعتداء على الغير، وليس غريبا أن تجتمع شرائع النبيين عليهم السلام على تحريمه، وجاء تحريمه في القرآن مقرونا بالشرك ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )
ونهى الله تعالى عنه بصريح القول ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىوَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
وأكد النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في القرآن فقال "إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍمسلم.
وبغي الإنسان يكون على نفسه وعلى غيره؛ فبغيه على نفسه بعمل ما يوجب لها العذاب من الشرك فما دونه من المعاصي ، فهو ظلم للنفس عظيم
ومن أقبح البغي وأشده أن يسأل الناس ربهم سبحانه وتعالى في شدائدهم، ويعاهدوه على الأوبة إليه، والتوبة من الذنوب؛ فإذا كشف الله تعالى كربهم، ورفع بأسهم، وأزال شدتهم؛ نكثوا عهدهم، عادوا إلى سابق حالهم ) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) وهذا من أعظم ما يكون ضررا على الناس في الدنيا والآخرة ) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا( .
وأما البغي على الغير فيؤدي إلى ظلم الناس، والعلو عليهم، وبخسهم حقوقهم، ويشتد قبح ذلك وذم صاحبه حين يكون الباعث على البغي نعمة حصلت لصاحبها قابلها بالبغي بدل الشكر؛ كما وقع لقارون الباغي؛ فإنه كان من عامة الناس فرزقه الله تعالى مالا عظيما فبغى بسببه
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْونُصح فقيل له (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَلكنه لم يرعو عن بغيه، ولم ينته عن فساده، ونسب نعم الله تعالى إلى نفسه فكانت النتيجة (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ (، وكم من صاحب مال وجاه يسير سيرة قارون في بغيه وعلوه على الناس، فيكفر نعم الله تعالى عليه؟!
والغالب أن الباعث على هذا النوع من البغي هو حب الدنيا، والتعلق بها، والتنافس عليها.. فمن حصلها بغى على من دونه بالكبر والظلم والاعتداء، ومن لم يحصلها وهو متعلق بهاحسد من حصلها فبغى عليه بالغيبة والنميمة والبهتان، 
ومن أعلام النبوة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بوقوع ذلك في أمته فوقع على مقتضى خبره، كما روى أَبَو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ يَقُولُ "سَيُصِيبُ أُمَّتِي دَاءُ الْأُمَمِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا دَاءُ الْأُمَمِ؟ قَالَ: الْأَشَرُ وَالْبَطَرُ وَالتَّكَاثُرُ وَالتَّنَاجُشُ فِي الدُّنْيَا وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ حَتَّى يَكُونَ الْبَغْيُ " رواه الحاكم وصححه، وفي رواية : "حَتَّى يَكُونَ الْبَغِيُّ، ثُمَّ يَكُونَ الْهَرْجُ" السلسلة الصحيحة
فالبغي يؤدي إلى الاقتتال، وأكثر ما يقع من القتال في الأرض بغي بسبب التنافس على الدنيا، والتكاثر فيها.
والصد عن سبيل الله تعالى، ومعاداة أوليائه، ومحاربة دينه تجمع نوعي البغي، فيبغي صاحبها على نفسه بحرب الله تعالى، ويبغي على غيره بإيذائهم على الدين، ومعاداتهم بسببه، ومن عادى ولياُ لله تعالى  فقد آذنه بالمحاربة، وهو ما يقع من الكفار والمنافقين، المحادين لله تعالى، المعاندين لشريعته.
وأشهر من جمع هذين النوعين من البغي فرعون (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً (  وكم في هذا الزمن من فراعنة بغوا على دين الله تعالى بالصد عنه ومحاربته، وعلى الناس بالعلو عليهم وظلمهم؟!
ومن بُغي عليه بقول أو فعل جاز له الانتصار لنفسه، وإنصافها ممن بغى عليه، ولا لوم عليه في ذلك وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ )
ومن دعاء النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربه سبحانه وتعالى "وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّرواه الترمذي وقال حسن صحيح.
والمبغي عليه منصور؛ لأن الله تعالى وعد المظلوم المبغي عليه بالنصر ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ )
إن عاقبة البغي وخيمة، وإن خواتم أصحابه خواتم سوء، وإن في مصارعهم ما يزجر عن البغي من مصير فرعون الأول، إلى نهايات فراعنة هذا العصر الذين آذوا الناس في ربهم ونبيهم ودينهم، ومنعوهم حقوقهم، واستعلوا عليهموعقوبة البغي معجلة في الدنيا؛ كما في حديث أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِرواه أبو داود وصححه الترمذي.
قال ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "لَوْ بَغَى جَبَلٌ عَلَى جَبَلٍ لَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْبَاغِيَ مِنْهُمَا دَكًّا".
فالحذر الحذر -عباد الله- من البغي على أحد من الناس بقول أو فعل، أو إعانة باغ على بغيه، ولو كان المبغي عليه كافرا أو فاسقا؛ لأن الله تعالى قد حرم الظلم تحريما مطلقا، والبغي من أفحش الظلم وأشده، وكلما كان المبغي عليه أكثر إيمانا واستقامة على أمر الله تعالى كان البغي عليه أفحش من البغي على من هو دونه، ومن أدعية الصباح والمساء التعوذ بالله تعالى من أن يقترف الإنسان على نفسه سوء أو يجره إلى مسلم.. نعوذ بالله تعالى من البغي على الخلق، وبطر الحق، وغمط الناس، والفساد في الأرض، ونسأله تعالى أن ينصرنا على من بغى علينا..
 الخطبة الثانية :
أيها المسلمون: من نظر في كثرة النصوص الناهية عن البغي، المحذرة منه، المخبرة بتعجيل عقوبته، ثم تأمل عاقبة أهل البغي وما حل بهم من العقوبة والنكال والذل والهوان؛ خاف البغي، وحاسب نفسه، وأمسك عن كل قول أو فعل فيه بغي على أحد..
وكان لحليم العرب قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ رحمه الله تعالى ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ابْنًا، وَكَانَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْبَغْيِّ، وَيَقُولُ "إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بَغَى قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا ذُلُّوا. "
إن من الناس من يرتزق بالبغي على غيره، ويتسلق على جثته ليبلغ منزلة يريدها، وذلك بالوشاية فيه، والكذب عليه، والطعن فيه، فما أفدح جرمه! وما أعظم جنايته! وما أسرع عقوبته!! يتسلق على إخوانه لنيل عرض من الدنيا مظنون، فويل له ثم ويل له.
فاحذوا البغي فإن عاقبته وخيمة ونهايته أليمة والله سبحانه وتعالى بعدله وتحريمه للظلم لابد ان يقتص للمظلوم من الظالم ولو بعد حين ، فلا تغرنك قوة في بدنك او مال في حسابك اوسلطة تحت يدك او واسطة تحمي ظهرك 
عن جابر قال : لما رجعت مهاجرة الحبشة عام الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ألا تخبروني بأعجب ما رأيتم بأرض الحبشة ؟ فقال فتية كانوا منهم : بلى يا رسول الله بينما نحن يوماً جلوس إذ مرت بنا عجوز من عجائزهم تحمل على رأسها قلة ماء ، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت المرأة على ركبتيها و انكسرت قلتها
فلما قامت التفتت إليه ثم قالت : سوف تعلم يا غادر إذا وضع الله الكرسي و جمع الله الأولين و الآخرين و تكلمت الأيدي و الأرجل بما كانوا يكسبون . سوف تعلم من أمري و أمرك عنده غداً . قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " صدقت كيف يقدس الله قوماً لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم ؟ ". 
و قيل لما حبس خالد بن برمك و ولده قال : يا أبتي بعد العز صرنا في القيد و الحبس . فقال : يا بني دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها و لم يغفل الله عنها ، 
و كان يزيد بن حكيم يقول : ما هبت أحداً قط هيبتي رجلاً ظلمته ، و أنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله يقول لي : حسبي الله : الله بيني و بينك
بعثَ عُمر -وهو الخليفةُ العادلُ الذي لا تأخُذُه عاطفةٌ عن الحق والتتبُّع-، أرسلَ عُمر رجالاً يسألون عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه في مجالسِ الكوفة، فكانوا لا يأتون مجلِسًا إلا أثنَوا عليه خيرًا، وقالوا معروفًا، حتى أتَوا مسجدًا من مساجِدِهم فقال رجلٌ يُقال له: أبو سَعدة، فقال: اللهم إذ سألتُمُونا فإنه كان لا يعدِلُ في القضية، ولا يقسِمُ بالسَّوِيَّة، ولا يسيرُ بالسرِيَّة!
وهكذا الظالمُ إذا تبِعَ هواه انطلَقَ لسانُهُ بما يهوَى، وانطلَقَت جوارِحُه بما تهوَى نفسُه الأمَّارة. فقال سعدٌ: "اللهم إن كان كاذِبًا فأعمِ بصرَه، وأطِل فقرَه، وعرِّضْه للفتن". قال عبدُ الملك -راوي الحديث-: فأنا رأيتُه يتعرَّضُ للإماءِ في السِّكَكِ، فإذا قيل له: انتَهِ يا أبا سَعدة! قال: كبيرٌ فقيرٌ مفتونٌ أصابَتني دعوةُ سعدٍ.
معاشر المسلمين: إن دعوةَ المظلوم سهامٌ لا تُخطِئ، وسلاحٌ على الظالمِ لا يُبقِي وإن طالَ الدهرُ، قال -صلى الله عليه وسلم- لمُعاذ بن جبلٍ -رضي الله عنه- حين بعثَه إلى اليمن"واتَّقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ". متفق عليه.
وفي السنن بسندٍ حسنٍ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "دعوةُ المظلومِ تُحمَلُ على الغَمام، وتُفتحُ لها أبوابُ السماوات، ويقول الربُّ -جل وعلا-: وعزَّتي! لأنصُرنَّكِ ولو بعد حينٍ".
وإن من سُوء عاقبةِ الظلمِ أن دعوةَ المظلومِ مُستجابةٌ حتى ولو من الفاجرِ أو الكافرِ؛ روى أحمد في مسنده بسندٍ حسنٍ أن النبي -صلى الله عليه وسلمقال: "لا تُردُّ دعوةُ المظلومِ ولو كان فاجِرًا ففُجورُه على نفسه".
لقد انتشر البغي بين الناس في هذا الزمن بسبب التنافس على الدنيا ومتاعها وجاهها،