إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 12 ديسمبر 2019

عندما يسقط جدار الحياء

( عندما يسقط جدار الحياء ) 
أما بعد : عباد الله: الحياء خلقٌ من أخلاق العظماء، وهو خُلق الإسلام الأول، قال -صلى الله عليه وسلم "إنَّ لكل دين خُلقًا، وخُلق الإسلام الحياء". 
والحياء خُلق يبعث على ترك القبيح، وعدم التقصير في حق الله، ومراقبته، وهو أن تخجل النفس من فعل كل ما يعيبها وينقص من قدرها ، وهو من الأخلاق الرفيعة التي أمر بهاالإسلام، وأقرها، ورغَّب فيها، وقد جاء في الصحيحين قال -صلى الله عليه وسلم "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"، وهو خُلق توارثته النبوات، وأمر به الأنبياء، ووصى به العظماء؛ قال -صلى الله عليه وسلم "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت". البخاري (3/1284(
وقد جاء سَعِيد بن يَزِيدَ الأَزْدِيّ ذات يوم فقَالَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْصِنِي، قَالَ"أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ". صححه الألباني في الصحيحة (741)
ويقول -عز وجل- عن موسى -عليه السلام-، وقد هرب من فرعون وجنوده وذهب إلى أرض مدين التي لا يعرف فيها أحدًا، وليس له فيها قرابة ولا قبيلة ولا صاحبوَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) [القصص: 24:23].
ولما علم شعيب ذلك الرجل الصالح أرسل ابنته إلى موسى -عليه السلام-؛ لمكافأته على صنيعه، فـ"من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، وانظروا كيف جاءت هذه الفتاة التي تربت في بيت النبوة، وكيف خاطبت موسى -عليه السلام- قال تعالىفَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [القصص:25].
قال الفاروق عمر -رضي الله عنه "من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه". ولما احتضر الأسود بن يزيد بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟! قال "ما لي لا أجزع؟! ومن أحق بذلك مني؟! والله لو أُتيت بالمغفرة من الله -عز وجل- لأهمني الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه، ولا يزال مستحييًا منه"!! 
إذا ما خـلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحيِ من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني
والحياء مقرونٌ بالإيمان وملازمٌ للمؤمن كظله، ولذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشد الخلق حياءً من ربه ومن الناس، فقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها"، وهذا تشبيه لمراقبته -صلى الله عليه وسلم- لربه وخوفه منه وشعوره بالتقصير في حقه، وكان مع الناس لا يأتي إلا بكل خير في قوله وفعله، في نطقه وسكوته، وفي فرحه وحزنه.
عباد الله: لقد حرص الإسلام على إشاعة خُلق الحياء في المجتمع؛ لصيانة الحقوق، وحفظ الأموال والأعراض، وللقيام بالواجبات، وأداء الأمانات، ونشر الفضائل، ومحاربة المنكرات، ولزيادة روابط الحب والتراحم والإخاء في المجتمع المسلم، فقد اتفقت الشرائع الربانية والعقول السليمة والتجربة العملية على أن الحياء جدار وسياج يمنع الإنسان من ارتكاب القبائح والمنكرات، روى مسلم عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم "الحياء كله خير"، وفي رواية "الحياء لا يأتي إلا بخير".
فالمسلم الحيي يعلم أن له ربًّا يراه في كل حال، فهو مستحٍ منه، فلا يراه في معصيته سبحانه ولا مقصرًا في واجباته، قال تعالى ) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) [الشعراء: 218-219]
وإذا كان الأمر كذلك وجب على كل مسلم أن يتخلق بهذا الخُلق في سائر حياته، فالحياء في النعمة شكر لله عليها،
ويكون الحياء في المحنة تسليمًا وصبرًا، وفي القضاء إنصافًا وعدلاً، ومع الوالدين والأرحام صلة وبرًّا، كان زين العابدين علي بن الحسين -رضي الله عنه- من أبر الناس بأمه، وكان يخاف أن يأكل معها في إناء واحد، فلما سألوهقال: إني أستحي أن أمد يدي إلى لقمة قد سبق نظرها إليها.
وفي معاملة الضعفاء والأرامل والأيتام يكون الحياء عطفًا ورحمة ورفقًا، ويكون الحياء في الوظيفة وتقلد المناصب وتحمل المسؤوليات أمانة ورعاية، وخوفًا وخشية من التقصير والتفريط.
عن عطاء بن أبي رباح قال: حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز الخليفة الخامس أنها دخلت عليه، فإذا هو في مصلاه يده على خده سائلة دموعه، فقلت يا أمير المؤمنين: ألشيء حدث؟! قال: يا فاطمة: إني تقلدت أمر أمة محمد عليه الصلاة والسلام على غير رغبة مني، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد عليه الصلاة والسلام ، فخشيت أن لا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.
ويكون الحياء في الرجال ورعًا وجمالاً وزينة، وفي النساء عفة وطاعة وطهارة، هذه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت "كنتُ أدخل بيتي الذي دُفن فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي فأضع ثوبيفأقول : إنما هو زوجي وأبي. فلما دُفن عمر معهم، فواللهما دخلت إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي حياءً من عمر -رضي الله عنه-". أحمد (6/202)، ورجاله رجال الصحيح، وانظر: مجمع الزوائد (8/26).
ولما مرضت فاطمة -رضي الله عنها- مرض الموت الذي تُوفيت فيه، دخلت عليها أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- تعودها وتزورها، فقالت فاطمة لأسماء : والله إني لأستحي أن أخرج غدًا -أي إذا مت- على الرجال من خلال هذا النعش. وكانت النعوش آنذاك عبارة عن خشبة مصفحة يُوضع عليها الميت ثم يُطرح على الجثة ثوب، ولكنه كان يصف حجم الجسم. فقالت لها أسماء : أو لا نصنع لك شيئًا رأيته في الحبشة؟! فصنعت لها النعش المغطى من جوانبه بما يشبه الصندوق، ودعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت على النعش ثوبًا فضفاضًا واسعًا، فكان لا يصف شيئًا. فلما رأته فاطمة فالت لأسماء "سترك الله كما سترتني".
لقد كانت من شدة حيائها -رضي الله عنها- تحمل همّ حالها بعد موتها أن يراها الرجال، فماذا نقول لنساء المسلمين اليوم؟! أين الحياء من الله؟! وأين التربية على قيم الإسلام وأخلاقه؟! وأين الاستعداد ليومٍ ( تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج:2].
إذا لم تخـشَ عاقبة الليالي *** ولم تستحِ فاصنع ما تشاء 
فلا والله ما في العيش خير *** ولا الدنيا إذا ذهب الحياء 
يعيش المرء ما استحيا بخير *** ويبقى العود ما بقي اللحاء.
فما أجمل أن يكون لنا من الحياء سياج يحفظ علينا نور الإيمان، ويلبسنا ثوب التقى والطهر والعفاف، ونكون به بين الناس مبعث نور، ومصدر برّ ومنار هدًى، تتميز بهشخصيتنا، وتظهر من خلاله ملامح عزتنا وكرامتنا. اللهم زينا بالتقى واحفظنا من الردى، واغفر لنا في الآخرة والأولى.
 الخطبة الثانية:
عباد الله: يحدثنا ابن القيم -رحمه الله- عن عقوبة الذنوب والمعاصي فيقول: "ومن عقوباتها -أي الذنوب والمعاصي- ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه".
فإذا سقط جدار الحياء رأيت صورًا متعددة لفساد الأخلاق والقيم في حياة بعض المسلمين اليوم؛ من المجاهرة بالمعاصي، فتجد الذي يتحدث عن بطولاته في التسكع في الشوارع، ومضايقة نساء المسلمين، والذي يفتخر بذكائه في جمع الأموال من السرقة والاختلاس والرشاوي، ولا يحافظ على المال العام أو الأمانات التي تحت يديه لا يهمه الأمر ولا يبالي بالطريقة التي يكسب فيها؛ لأنه فقد الحياء، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام". البخاري 1954.
وتلك المرأة التي تخرج متبرجة قد تركت أمر الله في حجابها وراء ظهرها، أو ذلك التاجر الذي يبيع المحرمات، بل ويعلن عنها، وربما رأيت ذلك الكاتب والصحفي والمذيع يفتري الكذب، ويزوّر الوقائع، ويقلب الحقائق، وغير ذلك من السلوكيات، فينبغي على هؤلاء الحذر مما ثبت عن أبي هريرة قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملاً بالليل ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه". متفق عليه.
وقد جاء في الأثر "أن الله تعالى إذا أبغض عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا بغيضًا مبغضًا".
وكان الفاروق عمر -رضي الله عنه- يقول: "من استحيا استخفى، ومن استخفى اتقى، ومن اتقى وُقي".
 عندما سقط جدار الحياء الذي يمنع صاحبه من فعل القبيح من قلوب بعض الناس وجدنا الابن يتجرأ على أبيه وأمه، ليس بالسب وحده بل بالضرب والقتل، أي تعاسة وصل إليها هذا الإنسان؟! وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
أيها المؤمنون، عباد الله: إن من ثمار خلق الحياء أنه يمنع صاحبه من فعل المنكرات، وارتكاب الموبقات، وبه تُنال الدرجات، وهو عنوان على صدق الإيمان وقوة الأخلاق، وبهتتنزل الرحمات، ومن ثماره أنه يؤلف بين القلوب، وبه تُصان الحقوق وتُحفظ الدماء، وتؤدى الأمانات، وذلك لقيام كل فرد من أفراد المجتمع تجاه إخوانه وجيرانه وواجباته بما يملي عليه دينه وأخلاقه وحياءه من الله  فهو لا يراقب الناس بل يراقب الله .
الحَيَاء يدفع المسلم إلى أن يقول كلمة الحقَّ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال تعالى ( وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) [الأحزاب:53]، لأن فريضة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر سمة مِن سمات هذه الأمَّة، قال -عزَّ وجلَّكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران:110].
ولنعلم أن الله -سبحانه وتعالى- حيي كريم، فعن سلمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا". أخرجه الأربعة إلا النسائي، وصححه الحاكم.
فلنتخلق بخُلق الحياء، ولنُزَكِّ به نفوسنا، ونربِّ عليه أبناءنا، وننشره في بيوتنا ومجتمعاتنا؛ وذلك بمراقبة الله، وأداء الفرائض، والخوف من سوء الخاتمة، والشوق إلى ما عند الله من نعيم، والاقتداء بالأنبياء والعظماء، وعلينا مطالعة سِيَرهم وأخبارهم.
فنسأل الله أن يرزقنا هذا الخُلق، وأن يجود علينا بفضله وكرمه، وأن يؤلف بين قلوبنا على طاعته.

الخميس، 5 ديسمبر 2019

الفتن والمخرج منها

( الفتن والمخرج منها ) 
أيها المسلمون: قد قضى الله وقدَّر بعلمه وحكمته وقدرته أن تكون هذه الحياة الدنيا ميدانًا للخير وللشر، وللحسنات والسيئات، والصراعُ فيها بين حزب الله المُفلِحين وبين حزبِ الشيطان الخاسِرين، منذ أوجَدَ الله آدم -عليه السلام- في هذه الأرض، وقد علِمَ الله في الأَزَل ما الخلقُ عامِلون، وفي الآخرة يُجازِي الله ويُثيبُ على الحسنات أعظم الثواب، برِضوانه وجنات النعيم، ويُعاقِب على الكفر والنفاق والسيئات بأعظم العِقاب، بغضبه وعذاب الجحيم ( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: 49].
أيها الناس: إن الساعة قد اقترَبَت بأهوالها، وإن الدنيا قد دنا زوالُها قال عليه الصلاة والسلام : ( بعثت والساعة كهاتين ) ، وإن الفتن قد وقعَت بضلالها، فكونوا من الشرور حذِرين، وللحق والخيرات مُلازِمين...
وإن هذه الأمة شاهَدَت وستُشاهِد فتنًا كقِطع الليل المُظلِم، لا يُنجِي منها إلا الاعتصامُ بكتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلمولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، 
قال النبي -صلى الله عليه وسلم "إنه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدُلَّ أمته على خير ما يعلمُه لهم، ويُنذِرَهم شرَّ ما يعلمُه لهم، وإن أمتكم جُعِلَ عافيتُها في أولها، وسيُصيبُ آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تُنكِرونها، وتجِيءُ الفتن فيُرقِّقُ بعضُها بعضًا، وتجِيءُ الفتنة فيقول المؤمنُ : هذه مُهلِكَتي، ثم تنكشِف، وتجيءُ الفتنة فيقول المؤمنُ : هذه هذه، فمن أحبَّ أن يُزحزَحَ عن النار ويُدخَل الجنة فلْتأتِه منِيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليوم الآخر، ولْيأتِ إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه، )رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-.

ومعنى قوله -عليه الصلاة والسلام "فلْيأتِ إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه"، أي: فليُعامِل الناس المعاملة الحسنة ببذل الخير وكفِّ الشر، ولا يمنعهم حقوقهم، ولا يعتدي عليهم بدمٍ ولا مالٍ ولا عِرْض.
فطُوبى لمن مات على توحيد الله تعالى، وعُوفِي من ظلمِ أحدٍ من الناس.
أيها المسلمون: الفتنُ نوعان: خاصةٌ وعامة؛ فالفتنة الخاصة: التي تنزل بالفرد في نفسه، أو دينه، أو ماله، أو ولده، ونحو ذلك.
والفتنة العامة: ما يعمُّ شرُّه المجتمعَ ويضرُّه.
الفتنة : هي النازِلة التي تضرُّ الدين أو الدنيا؛ بذهاب دين المسلم بالكلية أو بنقصه، أو بذهاب دنياه بالكلية أو بنقصها.
والعِبرة بما بعد الفتنة، فإن انكشَفَت الفتنة المكروهة وقد سلِم للمسلم دينُه أو ازداد إيمانًا وخيرًا؛ فقد نجَّاه الله من شرٍّ عظيم وأثابَه ثواب الصابرين، وإن شكر الله على النِّعَم أثابه الله ثواب الشاكرين ...
عن سلمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير؛ إن أصابَتْه ضرَّاءُ صبَر فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه سرَّاءُ شكرَ فكان خيرًا له". رواه مسلم.
والفتن الخاصة التي تنزل بالفرد يدفعها الله ويصرفها عنه بالصلاة، والتقوى، والصدقة، والدعاء، وترك المعاصي، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
قال حذيفة -رضي الله عنه- قال: كنا جلوسًا عند عمر -رضي الله عنه-، فقالأيُّكم يحفظُ قولَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفتنة؟! قلتُ: أنا، قلتُ "فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تُكفِّرها الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر". رواه البخاري.
والفتنة العامة التي يعُمُّ ضررُها الأمةَ يصرِفها الله -عزّ وجل- عن الأمة ويدفعُها باتِّقاء أسبابها، كما قال -تبارك وتعالىوَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 25].
وأعظم ما يدفع الله به الفتن العامة والعقوبات النازِلة : الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، فهو حارِسُ المجتمع من كل شرٍّ ورذيلة، والمُرغِّب له في كل خيرٍ وفضيلة.
عن أبي بكر -رضي الله عنه- قال : يا أيها الناس: إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [المائدة: 105]، وإنا سمعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقاب". رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسن صحيح.

وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده؛ لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليُوشِكنَّ الله يبعثُ عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجيبُ لكم". رواه الترمذي.
والمجتمع الذي يسود فيه الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر هو الذي يحفَظُه الله ويُنجيه من العقوبات المُدمِّرة، قال الله تعالىفَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) [هود: 116]،
إذًا مَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المنكر نجا، ومن ترك ذلك هلَك.
أيها المسلمون: نحنُ مُحارَبون في عقيدتنا التي هي سعادتنا في الدنيا والآخرة، ومُحارَبون في شبابنا الذين هم قِوامُ مجتمعنا، فصار يتكلَّم في العقيدة من لا صلة له بالعلم، ويُفتي من لاعلم له بالفقه، ويتكلَّم في مسائل الدين من لا تخصُّص له في علوم الشريعة، ويطعن في علماء الأمة الراسخين الذين تدور عليهم الفتوى، فيُصاب الإسلام بسهام الجهل، مع مايُصاب به من سِهام الكفر والنِّفاق.
كما أننا مُحارَبون في شبابنا فتمسخُ العقول، وتُدمِّر الأخلاق، وتُفسِد الحياة، وتُقطِّع أواصِر القُربى وصِلات المجتمع ووشائجه، وتهدِم اركان الإسلام في النفوس، 
والتذكُّر والإنابة جعلها الله من صفات أولي الألباب، قال -تبارك وتعالى ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الرعد: 19]، وقال -تبارك وتعالىإِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِتَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ) [الأعراف: 201، 202].
والغفلة والإصرار على الباطل من صفات المُعرِضين، والله -تبارك وتعالىبيَّن الحُجَّة وبيَّن للناس الطريق، فما عليك إلا أن تسلُك طريق اهل الخير من السلف والخلف 
 الخطبة الثانية:
فاتقوا الله -أيها المسلمون- حق التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى، واطلبوا مرضاة الله -تبارك وتعالى- في السر والعلانية والنجوى، فإنه -تبارك وتعالى- يقولهُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) [المذثر: 56]، أهلٌ أن يُتَّقى، وهو أهلٌ أن يُطاعَ فلا يُعصَى.
يقول ابن الجوزي "ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة، وقلَّ أن يقاربها إلا من يقع فيها، ومَن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه".
أيها المسلمون: إنه قد جاء الحديثُ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث حذيفة -رضي الله تعالى عنه- قال: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال "إن الفتن تُعرَضُ على القلوب كالحصير يُعرَضُ عودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَت فيه نُكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرَها فإنه تُنكَتُ فيه نُكتةٌ بيضاء، حتى تكون القلوب على قلبَيْن: قلب مثل الصفا أبيض لا تضرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، وقلب كالكوزِ مُجخِّيًا -أي: مائلاً-، لا يعرِفُ إلا ما أُشرِب من هواه، يرى الحسن قبيحًا والقبيحَ حسنًا".
فاتقوا الله أيها الناس. وجاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبَعًا لما جِئُتُ به".
فيا عباد الله: إن الفتن أخبر بها النبي -عليه الصلاة والسلام-، وإنها وقعت في العصر الأول بعد موت النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا تزال تظهر في كل زمان، ولكن الله -تبارك وتعالى- بيَّن لنا في كتابه كل شيء.
يقول عليٌّ -رضي الله عنه- لما سألوه عن الفتن، قالوا: والمخرجُ منها؟! قال " المخرجُ من الفتن كتابُ الله؛ فيه خبرُ ما قبلكم، ونبأُ ما بعدكم، فتمسَّكوا به". 
فيا أيها الناس: إن المخرج من كل فتنة: هو أن تعرِفَ الحق فيها، وأن تعرِفَ الباطل فيها، وأن تتمسَّك بالحق، وأن تكون مع أهل الحق المُفلِحين، وأن تترك الباطل وأن تكون محارباًا لحزب الشيطان الخاسرين.
ومن سبل النجاة منها: الالتجاء إلى الله ودعاؤه، والركون إليه، والاستعانة به، وسؤاله النجاة منها، وبهذا أمرنا النبي –صلى الله عليه وسلم-، فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ” (صحيح مسلم 2867).
ومن سبل النجاة منها، المبادرة إلى الأعمال الصالحة التي تكون سببًا لحفظ دين العبد ونجاته من الفتن، وقد جعل النبي –صلى الله عليه وسلم- العمل الصالح وقاية من الفتن، فقال –صلى الله عليه وسلم-: “بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينه بعَرَض مِن الدنيا”(صحيح مسلم 118).

1