إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 5 يوليو 2019

فضل العالم والمتعلم

( فضل العالم والمتعلم ) 
قال الله عز وجل ) فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [الأنبياء: 7فأوجب علينا الرجوع إليه في المسائل، وأوجب علينا اللجوء إليهم في النوازل والحوادث، فقال ) وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83].
وأخبر الله  سبحانه وتعالى أن الذين يخشونه حقًا هم العلماء، فقال )  إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[فاطر : 28].
وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته على أعظم حقيقة وهي التوحيد، فقال ) شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ [آل عمران: 18فأشهدهم على هذه الحقيقة العظيمة.
وأخبر عن الفرق بينهم وبين الجهال فقال قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ[الزمر: 9].

وقد أمر الله عباده بأن ينقسموا إلى قسمين، فقال عز وجلوَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: 122].
فأوجب على إحدى الطائفتين الجهاد في سبيل الله لئلا يغلب الكفار المسلمين، وأوجب على الطائفة الأخرى التفقه في الدين لئلا تندرس الشريعة، فحرس بيضة الإسلام بالمجاهدين، وحفظ شريعة الإيمان بالمتعلمين.
هؤلاء العلماء يأتون يوم القيامة طائفة من الناس بين يدي الله -سبحانه وتعالى- كما قال عليه الصلاة والسلام ) إذا حضر العلماء ربهم يوم القيامة كان معاذ بن جبل بين أيديهم بقذفة حجر [صححه الألباني في الصحيحة: 109].
فهؤلاء إذًا يأتون الله يوم القيامة مكرمين بين يدي ربهم بسبب أنهم أوصلوا إلى الناس شريعته، ودرسوا وحيه.

وقال عليه الصلاة والسلام مبينًا فضلهم فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب [ حسن لغيره
وقال فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ، 
وقال عليه الصلاة والسلام ) :  إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير  [رواه الترمذي: 2685، وقال الألباني: "حسن لغيره"؛ كما في صحيح الترغيب والترهيب: 81].

فكفى بهذا شرفًا وكفى بهذه الرتبة أجرًا عظيمًا لمن صار من أهلها؛ كما جاء في هذه الأحاديث الصحيحة التي سقناها، وحتى الأشياء التي قد يظنها بعض الناس سهلة يتراجعون فيها إلى من هب ودب أمر عليه الصلاة والسلام بالرجوع في شأنها إلى أهل العلم، فقاللا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح [رواه الترمذي: 2280، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 119].
قال أبو مسلم الخولاني -رحمه الله "مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، إذا بدت لهم اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيرواولم يعودوا يدرون أين الطريق. ) 
أما فضل أهل العلم فإنه كثير، وقد يتصور بعض الناس أن الفضل فقط للعلماء، لكن الحقيقة أن كل من يتعلم مسألة واحدة من المسائل ويعلمها لغيره فإنه ينال أجرًا عظيمًا، ولذلك لا ينبغي احتقار تعلم مسألة واحدة أي مسألة من مسائل العلم، وتبليغها للناس.
وإذا كان المسلم عندما يرى الآيات والأحاديث في فضل العلم وأهله تترا لا يتحمس بعد ذلك لطلب العلم، ولا تندفع همته ونفسه ترتفع من أجل تحصيله، فعليه أن يراجع نفسه .
إن المسلم إذا سمع قول اللهيَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ[المجادلة: 11وكم بين الدرجة والتي تليها؟ الله أعلم.
عندما يسمع قول الله وهو لم يأمر نبيه أن يزداد من شيء إلا من العلم في قولهوَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طـه: 114فهو يسأل الله في دعائه أن يزداد من العلم.
وعندما يسمع حديث رسول الله الذي يخبر به أنه )   لا حسد إلا في اثنتين  ذكر منهما رجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها [رواه البخاري: 73، ومسلم: 816هذا يغبط ويتمنى مثل حاله يقضي بالحكمة يقضي بالعلم ويعلمه الناس.
لو لم يكن في طلب العلم وتحصيله وتعليمه إلا مثل الأجر الوارد في حديثه عليه الصلاة والسلام لكفى، وهو الحديث الذي يقول فيه لعلي -رضي الله عنه ) -: لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم [رواه البخاري: 2942، ومسلم: 2406].
كيف تستطيع أن تحصل هذا الأجر وهذه الهداية إلا بالعلم الذي تحصله وتكتسبه ليقودك إلى هداية الناس.
وقال صلى الله عليه وسلم مبينًا فضل تعليم الناس: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجوره من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا [رواه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في صحيحه2674].
إذا أراد الله بك خيرًا يا عبد الله فسيفقهك في الدين كما قال الرسول من يرد الله بهخيرًا يفقه في الدين [رواه البخاري: 71، ومسلم: 
يا عبد الله : إذا كان الإنسان يبعث على ما مات عليه يوم القيامة كما أخبر رسول الله فيما رواه الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه ) يبعث كل عبد على ما مات عليه [رواه مسلم: 2878فما ظنك بالحال التي سيبعث عليها طالب العلم أو العالم يوم القيامة، وعلى أي منزلة يكون بين الخلائق؟
وقد ذكر الخطيب البغدادي -رحمه الله- في كتابه: "الفقيه والمتفقه" فصلاً بعنوان: ذكر إن الله يبعث يوم القيامة كل عبد على مرتبته التي مات عليها، ثم قال: ذكر الرواية أن الله -تعالى- لا يخلي الوقت من فقيه أو متفقه، وساق بإسناده حديثه عليه الصلاة والسلاملا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعمله فيه بطاعته إلى يوم القيامة [الفقيه والمتفقه: 1/137، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 2442].
وذكر ابن القيم -رحمه الله- في "مفتاح دار السعادة": أن هذا الغرس هم أهل العلم الذين يغرسهم الله في أرضه يعلمون الناس الخير [
لولا هؤلاء لصارت الأرض صحراء قاحلة لأنه ليس فيها خير، ليس فيها علم، ليس فيها دين، فلا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً، يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة.
إذًا -أيها الإخوة- يتبين مكانة هؤلاء الناس وعظم أثرهم ..
قال عليه الصلاة والسلام :  تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا [رواه البخاري: 3493، ومسلم: 2526إذا تعلموا وفهموا.
وفي الحديث : (  بينا أنا نائم إذا أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى لأرى الري يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب  قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم [رواه البخاري: 82، ومسلم: 2391].
الخطبة الثانية : 
ومن الأمور المهمة -: معرفة فضل الطلب والأجر الذي يكون لصاحب العلم إذا طلبه، ولا شك أن النفوس تتشوف لمعرفة الأجر، ولا شك أن معرفة الأجر والثواب مما يدفع المسلم الىمجالس العلم وحلق الذكر ، 
قال  من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء ولم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر [رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، وابن ماجه: 223، وأحمد: 21715، وقال محققو المسند: "حسن لغيره"].
وقال عليه الصلاة والسلام ) :  من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة [رواه مسلم: 2699].
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله-: فكل طريق حسي أو معنوي يسلكه أهل العلم يعين على العلم أو يحصله فإنه داخل في قوله من سلك طريقًا أي طريقة توصل للعلم  سهل الله له طريقًا إلى الجنة  أي طريقة، سؤال بالهاتف، سماع شريط، قراءة كتاب، تفكير في مسألة، مدارسة مع طلبة العلم، بحث وتنقيب في الكتب، أي طريقة تحصل بهاالعلم يسهل الله لك بها طريقاً إلى الجنة.
وقال عليه الصلاة والسلام ) إن الله أوحى إليّ أنه من سلك مسلكًا في طلب العلم سهلت له طريق الجنة، وقصد في علم خير من فضل في عباده [رواه البيهقي في شعب الإيمان: 5367، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 255].
وقال ) : ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم، إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع [رواه ابن ماجه: 226، وأحمد: 18093، وابن خزيمة: 193، وابن حبان: 85، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 85ذاهبًا وراجعًا، حتى يرجع، تذهب إلى حلقة علم في بيت من بيوت الله تحيي قلبك، وتعرف الحلال من الحرام، تفتح كتابًا، تتصل بشيخ أو عالم تسأله.
ومعنىتضع الملائكة أجنحتها  قال الخطابي -رحمه الله-: يحتمل ثلاثة معاني: الأول: أنه بسط الأجنحة. الثاني: أنه بمعنى التواضع تعظيمًا لطالب العلم، تصور ملائكة الله بأجنحتها، ملائكة الرحمن بأجنحتها الهائلة العظيمة تتواضع لطالب العلم رضا بما يصنع.
ثالثًا: أن المراد به النزول عند مجالس العلماء وترك الطيران [معالم السنن: 1/61]؛ لأن الملائكة تطير ولها أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فتترك الطيران، وتنزل تحف الحلق بأجنحتها فيما بين السماء والأرض، كل هذا لطالب العلم، تسهيل الطرق إلى الجنة، وإنزال الملائكة، ووضع الأجنحة له رضا بما يصنع، من الذي يستطيع أن يحصل فضيلة مثل هذه الفضيلة، وأي عمل يكون له من الفضل والأجر مثل هذا العمل؟ طلب العلم.
هذه الآيات والأحاديث تحمس وتدفع إلى الطلب، ويكون الإنسان مغبونًا أي غبن إذا ترك العلم وطلب العلم وهذه الآيات والأحاديث تدل على فضل الطلب وأجر الطلب.
ونختم بهذا احديث العظيم : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا
قال فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم ما يقول عبادي قال يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك
قال فيقول هل رأوني قال فيقولون لا والله يا رب ما رأوك قال فيقول فكيف لو رأوني قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا
قال فيقول فما يسألوني قال يقولون يسألونك الجنة قال فيقول وهل رأوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها
قال فيقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة
قال فمم يتعوذون قال يتعوذون من النار
قال فيقول وهل رأوها قال يقولون لا والله ما رأوها
قال فيقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة
قال فيقول أشهدكم أني قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة ...قال هم القوم لا يشقى بهم جليسهم

رواه البخاري واللفظ له ومسلم

الخميس، 20 يونيو 2019

الثبات على الدين

( الثبات على الدين ) 
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَمُلاَزَمَةَ صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ، وَالمُدَاوَمَةَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالحَذَرَ مِنَ الوُقُوعِ فِي المَعَاصِي وَالمُحَرَّمَاتِ دَلِيلُ صِدْقِ الإِيمَانِ، وَثَمَرَةُ الهِدَايَةِ، وَسَبَبُ حُصُولِ الخَيرَاتِ، وَتَنَزُّلِ الرَّحَمَاتِ، وَالوُصُولِ إِلَى أَعْلَى المقَامَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَتَحْقِيقِ الكَرَامَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَبِهِ يَحْصُلُ اليَقِينُ، وَمَرْضَاةُ رَبِّ العَالَمِينَ، وَيَجِدُ المُسْلِمُ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ، وَطُمَأْنِينَةَ النَّفْسِ، وَرَاحَةَ البَالِ، وَبَرْدَ اليَقِينِ؛ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الزمر:22
إِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى دِينِ اللهِ هُوَ الرُّجُولَةُ الحَقَّةُ، وَالانْتِصَارُ العَظِيمُ فِي مَعْرَكَةِ الطَّاعَاتِ وَالأَهْوَاءِ، وَالرَّغَبَاتِ وَالشَّهَوَاتِ؛ وَهُوَ الضَّمَانُ -بِإِذْنِ اللهِللحُصُولِ عَلَى الجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ؛ وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الثَّابِتُونَ المُسْتَقِيمُونَ أَنْ تَتَنَزَّلَ عَلَيهِم المَلاَئِكَةُ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، لِتَطْرُدَ عَنْهُمُ الخَوفَ والحَزَنَ، وَتُبَشِّرَهُم بالجَنَّةِ، وَتُعْلِنَ وَقُوفَهَا إِلَى جَانِبِهِم في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ *نَحْنُ أَولِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) [فصلت:30-32].
مَا أَجْمَلَ الطَّاعَة إِذَا أُتْبِعَتْ بِالطَّاعَةِ! وَمَا أَعْظَمَ الحَسَنَة وَهِي تَنْضمُّ إِلَى الحَسَنَةِ لِتُكَوِّنَ سِلْسِلَةً مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ التِي تَرْفَعُ العَبْدَ إِلَى الدَّرَجَاتِ العُلَى، وَتُنْجِيهِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَةِ اللهِ وَفَضْلِهِ! وَمَا أَتْعَسَ المَرْء وَأَقَلَّ حَظّهِ مِنَ الإِسْلاَمِ أَنْ يَهْدِمَ مَا بَنَى، وَيُفْسِدَ مَا أَصْلَحَ، وَيَرْتَدَّ إِلَى حَمْأَةِ المَعْصِيَةِ وَظُلْمَةِ الكُفْرِ، بَعْدَ أَنْ ذَاقَ لَذَّةَ الإِيمَانِ، وَحَلاَوَةَ الطَّاعَةِ!.
وَلَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ المُصْطَفَى -صلى الله عليه وسلم- فِي صَلاَتِهِ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِرواه النسائيُ وَأحمدُ والترمذيُّ وسندُهُ قويٌّ. 
قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ : واللهِ مَا المُؤْمِنُ بالذِي يَعْمَلُ الشَّهْرَ أو الشَّهْرَينِ، أو عَامًا أَو عَامَينِ، لاَ وَاللهِ! مَا جُعِلَ لِعَمَلِ المُؤْمِنِ أَجَلٌ دُونَ المَوتِ. ثُمَّ قَرأَ قَولَ الحَقِّ سُبْحَانَهُ وتَعَالَىوَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر:99].
وَإِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَلُزُومَ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ عَزِيزٌ وَعَظِيمٌ، لاَ سِيَّمَا مَعَ فَسَادِ الزَّمَانِ، وَكَثْرَةِ المُغْرِيَاتِ، وَتَتَابُعِ الشَّهَوَاتِ، وَكَثْرَةِ الشُّبُهَاتِ، وَضَعْفِ المُعِينِ، وَكَثْرَةِ الفِتَنِ التِي أَخْبَرَ عَنْهَا المُصْطَفَى -صلى الله عليه وسلم- بِقَولِهِ "بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَو يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا؛ يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَارواه مسلم.
وَالنَّفْسُ الثَّابِتَةُ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى تَحْتَاجُ إِلَى المُرَاقَبَةِ التَّامَّةِ، وَالمُلاَحَظَةِ الدَّائِمَةِ، وَالأَطْرِ عَلَى الحَقِّ وَالعَدْلِ، وَالبُعْدِ عَنْ مَوَاطِنِ الهَوَى وَالمُجَاوَزَةِ وَالطُّغْيَانِ؛ 
وَمَدَارُ الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ وَالاسْتِقَامَةِ عَلَى مَنْهَجِهِ وَطَاعَتِهِ عَلَى أَمْرَينِ عَظِيمَينِ: حِفْظُ القَلْبِ، وَحِفْظُ اللِّسَانِ؛ فَمَتَى اسْتَقَامَا اسْتَقَامَتْ سَائِرُ الأَعْضَاءِ، وصَلَحَ الإِنْسَانُ في سُلُوكِهِ وحَرَكَاتِهِ وسَكَنَاتِهِ، ومَتَى اعْوَجَّا وَفَسَدَا فَسَدَ الإِنْسَانُ، وضَلَّتْ أَعْضَاؤُهُ جَمِيعًا.
وَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ "أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ"، وَعِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ"
وَإِنَّ للثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ، وَالاسْتِقَامَةِ عَلَى شَرْعِهِ، أَسْبَابًا وَأَخْلاَقًا، مَتَى مَا أَخَذَ بِهَا المُسْلِمُ وَتَخَلَّقَ بِهَا وَحَرِصَ عَلَيهَا ثَبَّتَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى دِينِهِ، وَعَصَمَهُ مِنَ الحَورِ بَعْدَ الكَورِ، وَالضَّلاَلِ بَعْدَ الهُدَى.
فَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الأَسْبَابِ الإِيمَانُ الصَّادِقُ باللهِ تَعَالَى، وَالاعْتِصَامُ بالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالتَّمَسُّكُ بِهِمَا عِلْمًا وَعَمَلاً؛ فَإِنَّهُمَا النُّورُ وَالضِّيَاءُ اللَّذَينِ يُهْتَدَى بِهِمَا فِي الظُّلُمَاتِ، وَيُرْجَعُ إِلَيهِمَا عِنْدَ المُلمَّاتِ، وَيُعْتَصَمُ بِهِمَا وَقْتَ الفِتَنِ، مِصْدَاق مَا كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُذَكِّرُ أُمَّتَهُ بِهِ قَائِلاً "تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَينِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِرواه مالكٌ والحاكمُ بسندٍ حسنٍ.
فَالاعْتِصَامُ بالقُرْآنِ، وَقِرَاءَتُهُ، وَحِفْظُهُ، وَمُدَارَسَتُهُ، وَالقِيَامُ بِهِ، مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ؛ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ، وَزِيَادَةِ الإِيمَانِ؛إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
وَلِمُعَالَجَتِهِ لأَمْرَاضِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ؛ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا) [الإسراء:82]، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى القَصَصِ الحَقِّ الذِي يُسَلِّي المُؤْمِنِينَ وَيُبَشِّرُهُم بالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ، وَيُبَيِّنُ عَاقِبَةَ المُجْرِمِينَ المُكَذِّبِينَ المُحَارِبِينَ للهِ وَرُسُلِهِ وَالمُؤْمِنِينَ عَبْرَ التَّأْرِيخِ؛وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [هود:120].
وَمِنْ وَسَائِلِ الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى كَثْرَةُ العِبَادَةِ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالمُدَاوَمَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَو قَلَّتْ، وَالاقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ، وَالحَذَرُ مِنَ المَعَاصِي وَالمُبْتَدَعَاتِ، وَالاسْتِجَابَةُ للهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَالانْتِهَاءُ عَمَّا الله عنه ورسوله، وَالعَمَلُ بِمَا يُوعَظُ بِهِ المَرْءُ مِنْ خِلاَلِ آيَاتِ القُرْآنِ وَنُصُوصِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِمَّا يُقَوِّي اللهُ تَعَالَى بِهَا قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ، لِتُصْبِحَ ثَابِتَةً رَاسِخَةً، لاَ يُزَعْزِعُهَا إِرْجَافُ المُرْجِفِينَ، وَلاَ تَهْوِيلُ المُبْطِلِينَ؛ وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) [محمد:17
وَعَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ "نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ؛ فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم-، فَذَلِكَ قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَولِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِرواه مسلمٌ والبخاريُّ مختصرًا. وَقَالَ غَيرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: أَمَّا الحَيَاةُ الدُّنْيَا فَيُثَبِّتُهُم بِالخَيرِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَفِي الآخِرَةِ فِي القَبْرِ.
وَمِنْ وَسَائِلِ الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَالاطْمِئْنَانُ إِلَى خِيرَتِهِ للعَبْدِ، وَأَنَّ الخَيرَ فِيمَا اخْتَارَهُ اللهُ تَعَالَى لَهُ، وَالشَّرَّ فِيمَا صَرَفَهُ عَنْهُ؛ ) وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]، وَالثِّقَةُ بِنَصْرِ اللهِ تَعَالَى وَوَعْدِهِ لِعِبَادِهِ ؛  وَعَدَمُ الاغْتِرَارِ بالبَاطِلِ وَكَثْرَةِ أَهْلِهِ وَشَوكَتِهِم فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا تَحْتَ قَهْرِ اللهِ وَقُوَّتِهِ؛ ) لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [آل عمران:196-197]، وَمَعْرِفَةُ زَيفِ البَاطِلِ وَسُرْعَةِ زَوَالِهِ مَهْمَا عَلاَ وَارْتَفَعَ، فَلاَ يَسْتَوِي مَنْ كَانَ اللهُ تَعَالَى مَولاَهُ وَنَاصِرَهُ مَعَ مَنْ كَانَ إِبْلِيسُ مَولاَهُ وَقَائِدَهُ.
وَبِمِثْلِ هَذَا كَانَ المُصْطَفَى -صلى الله عليه وسلم- يُثَبِّتُ المُسْلِمِينَ عَلَى الحَقِّ فِي أَشَدِّ الظُّرُوفِ، وَأَصْعَبِ المَواقِفِ، فَالصَّحَابَةُ يُعَذَّبُونَ أَشَدَّ العَذَابِ وَهُمْ مُسْتَضْعَفُونَ مُطَارَدُونَ مُشَرَّدُونَ، قِلَّة يُنَكِّلُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ، وَمَعَ ذَلِكَ يَتَنَزَّلُ القُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ يُبَشِّرُ المُسْلِمِينَ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ، وَهَزِيمَةِ المُشْرِكِينَ.. وقد صدق عليه الصلاة والسلام ونصر الله عباده المؤمنين الصابرين الثابتين..
وَمِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى الدُّعَاءُ وَالإِلْحَاحُ عَلَى اللهِ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ حَتَّى المَمَاتِ
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَكْثَرَ دُعَاءِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ"، فَقَالَتْ لَهُ زَوجُهُ أُمُّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهُ لَيسَ آدَمِيٌّ إِلاَّ وَقَلْبُهُ بَينَ أُصْبُعَينِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ؛ فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَرواه الترمذيُّ وأحمدُ وسندُهُ حسنٌ.
وَمِنْ وَسَائِلِ الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللهِ المُدَاوَمَةُ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ الصِّلَةُ العُظْمَى بِاللهِ تَعَالَى، وَمَنْ كَانَ اللهُ تَعَالَى مَعَهُ فَمَعَهُ الفِئَةُ التِي لاَ تُغْلَبُ، وَالحَارِسُ الذِي لاَ يَنَامُ، وَالهَادِي الذِي لاَ يَضِلُّ. وَتَأَمَّلْ -أَخِي المُسْلِمُ- كَيفَ قَرَنَ اللهُ تَعَالَى الذِّكْرَ بِالثَّبَاتِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي مَوقِفٍ مِنْ أَشَدِّ المَواقِفِ وَأَخْطَرِهَا؟! (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال:45].
وَعَلَى المُسْلِمِ البَاحِثِ عَنِ الثَّبَاتِ وأَسْبَابِهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى مُرَافَقَةِ الصَّالِحِينَ، وَالالْتِفَافِ حَولَ العُلَمَاءِ الرَّبَانِيِّينَ العَامِلِينَ، وَالدُّعَاةِ الصَّادِقِينَ الذِينَ يُثَبِّتُونَ النَّاسَ عِنْدَ الفِتَنِ، وَيُؤَمِّنُونَهُم فِي أَزْمِنَةِ الخَوفِ وَالرَّهْبَةِ، وَيُكْثِرَ مِنْ مُجَالَسَتِهِم، فَإِنَّ مُلاَزَمَتَهُم وَمُجَالَسَتَهُم تَزِيدُ الإِيمَانَ، وتُثَبِّتُ الأَقْدَامَ عَلَى طَرِيقِ الرِّحْمَنِ.
وَهَا هُوَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ -رضي الله عنهيَقُولُ: لَمَّا كَانَ الْيَومُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَومُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيءٍ، وَمَا نَفَضْنَا عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- الأَيدِيَ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا. رواه الترمذيُّ وابنُ ماجه وأحمدُ وسندُهُ صحيحٌ.
وَلاَ يُنْسَى مَوقِفُ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه- عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ ثَبَتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُذَكِّرًا النَّاسَ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى الذِي أَخْبَرَ عَنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَحِينَ ثَبَتَ عَلَى الحَقِّ فِي وَجْهِ المُرْتَدِّينَ وَحَارَبَهُم، حتَّى نَصَرَ اللهُ بِهِالدِّينَ، وَقَمَعَ فِتْنَةَ الرِّدَّةِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَوَاقِفِ الصَّالِحِينَ فِي تَثْبِيتِ الذِينَ آمَنُوا فِي الفِتَنِ وَشَدِّ أَزْرِهِم عِنْدَ المِحَنِ مَا وَقَعَ للإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الذِي نَصَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ دِينَهُ فِي فِتْنَةِ القَولِ بِخَلْقِ القُرْآنِ؛ فَقَدْ ذَكَرَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَمَّا صَارَ إِلَى رَحْبَةِ طَوقٍ بِالشَّامِ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَعْرَابِ، فَقَالَ: يَا هَذَا إِنَّكَ وَافِدُ النَّاسِ، فَلاَ تَكُنْ شُؤْمًا عَلَيهِم، وَإِنَّكَ رَأْسُ النَّاسِ اليَومَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُجِيبَهُم إِلَى مَا يَدْعُونَكَ إِلَيهِ! فَيُجِيبُوا فَتَحْمِلَ أَوزَارَهُم يَومَ القِيَامَةِ، وَإِنْ كُنْتَ تُحِبُّ اللهَ فَاصْبِرْ عَلَى مَا أَنْتَ فِيهِ، فَإِنَّهُ مَا بَينَكَ وَبَينَ الجَنَّةِ إِلاَّ أَنْ تُقْتَلَ. قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: فَكَانَ كَلاَمُهُ مِمَّا قَوَّى عَزْمِي عَلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الامْتِنَاعِ عَنْ ذَلِكَ الذِي يَدْعُونَنِي إِلَيهِ.
وَهَكَذَا يَكُونُ دَورُ الأَخْيَارِ وَالصَّالِحِينَ فِي تَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ الفِتَنِ، وَتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِم وَنُفُوسِهِم عِنْدَ المِحَنِ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ.
 الخطبة الثانية:
الحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَالصَّلاَةُ والسَّلاَمُ عَلَى عِبَادِهِ الذِينَ اصْطَفَى، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَمَنِ اقْتَفَى.
أَمَّا بَعْدُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. ثُمَّ اعْلَمُوا -رَعَاكُمُ اللهُ- أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى هُوَ حَقِيقَةُ الإِسْلاَمِ؛ فَإِنَّ الإِسْلاَمَ فِي حَقِيقَتِهِ إِيمَانٌ باللهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ اسْتِقَامَةٌ وَثَبَاتٌ عَلَيهِ حَتَّى المَمَاتِ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الإِيمَانِ، وَحُسْنِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَقُوَّةِ النَّفْسِ، وَرَبَاطَةِ الجَأْشِ، وَالتَّأَسِّي بِأَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ عَلَيهِمِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، الذِينَ ضَرَبُوا أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ وَأَصْدَقَهَا فِي الثَّبَاتِ عَلَى الدِينِ، وَتَبْلِيغِ رِسَالاَتِ اللهِ تَعَالَى، رُغْمَ مَا نَالَهُم مِنَ الأَذَى، وَمَا لَحِقَهُم مِنَ العَذَابِ وَالضَّرَرِ، مِمَّا سَطَّرَهُ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى قُرْآنًا يُتْلَى إِلَى يَومِ القِيَامَةِ فِي صَبْرِ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَثَبَاتِهِم عَلَى دِينِ اللهِ وَتَبْلِيغِ رِسَالاَتِهِ.
وَإِنَّ عَلَى المُسْلِمِ الصَّادِقِ فِي إِيمَانِهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الثَّبَاتِ سِيَّمَا فِي هِذَا العَصْرِ؛ عَصْرِ التَّحَدِّيَاتِ وَالفِتَنِ وَالمُغْرِيَاتِ، فَبِالثَّبَاتِ يَعِيشُ المُسْلِمُ، وَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَنْهَجِ اللهِ ثَابِتَ الأَرْكَانِ، عَظِيمَ القِيَمِ، مُحَقِّقًا أَسْمَى غَايَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
وَإِنَّ عَلَيهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى تَحْصِيلِ أَسْبَابِ الثَّبَاتِ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلاَقِ الثَّابِتِينَ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الصَّبْرُ، فَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيرًا وَأَوسَعَ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْ يَحْرِصَ عَلَى التَّحَصُّنِ بِالعِلْمِ الشَّرْعِيِّ؛ فَإِنَّهُ يَجْلُو العَمَى، وَيُبَدِّدُ الشُّبُهَاتِ، وَيَقُودُ صَاحِبَهُ إِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ الذِي لا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلاَ الْتِبَاسَ، وَأَنْ يَتَأَسَّى بِمَوَاقِفِ الصَّالِحِينَ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ مَعَ شِدَّةِ العَذَابِ الذِي لَحِقَهُمُ.
حَدَّثَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ-صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا كَانَتْ اللَّيلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَونَ وَأَولاَدِهَا، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا؟ قَالَ: بَينَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَونَ ذَاتَ يَومٍ إِذْ سَقَطَتْ الْمِدْرَى -يَعْنِي المِشْطُ- مِنْ يَدَيهَا، فَقَالَتْبِسْمِ اللهِ، فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَونَ: أَبِي؟ قَالَتْ: لاَ، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللهُ. قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ.
فَدَعَاهَا فَقَالَ: يَا فُلاَنَةُ، وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيرِي؟! قَالَتْنَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَولاَدُهَا فِيهَا، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا، قَالَ: ذَلِكَ لَكِعَلَينَا مِنْ الْحَقِّ.
قَالَ: فَأَمَرَ بِأَولاَدِهَا فَأُلْقُوا بَينَ يَدَيهَا وَاحِدًا وَاحِدًا، إِلَى أَنْ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ: يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِي؛ فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ؛ فَاقْتَحَمَتْ"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ صِغَارٌعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -عَلَيهِ السَّلاَمُ-، وَصَاحِبُ جُرَيجٍ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَونَ. رواه أحمدُ بإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
اللهُ أَكْبَرُ! مَا أَعْظَمَ إِيمَانِ هَذِهِ المَرْأَةِ! وَمَا أَشَدَّ ثَبَاتِهَا! لَقَدْ كَانَتْ تَعِيشُ فِي قَصْرِ المَلِكِ مُكَرَّمَةً مُعَزَّزَةً، فَأَخْرَجَهَا الإِيمَانُ، وَمَلَكَ عَلَيهَا أَمْرَهَا، وَفِي سَبِيلِ اللهِ يَسْتَرْوِحُ المُؤْمِنُونَ العَذَابَ، وَيُوَاجِهُوَن الطُّغَاةَ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يَلْطُفُ بِهِم، وَيُثَبِّتُهُم عَلَى الحَقِّ بِالكَرَامَاتِ وَخَوَارِقِ العَادَاتِ، وَيُكْرِمُهُم فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَو كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:64].
وَلَقَدْ قَالَ المُصْطَفَى -صلى الله عليه وسلم- لأَصْحَابِهِ: "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَينِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَو عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِرواه البخاريُّ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أجمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.