إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 11 أبريل 2019

حسرات

حسرات )
الخطبة الاولى : 
عباد الله، فأعلموا أن المتأملَ لحالنِا نحنُ المسلمين اليوم.
وحالِ زماننا وما ظهر فيه الآفاتِ والفتنِ، وما حصل فيه من انفتاحٍ كبيرٍ على الدنيا وزُخرُفها حتى ظن أهلها أنهم قادرون عليها، أو مخلدون فيها.
إن المتأملَ لذلك ليشعرُ بالرهبةِ والإشفاقِ والخوفِ الشديدِ من مظاهرِ وعواقبِ هذه الحال.
إذ قد قست منا القلوب، وتحجرت العيون، وهُجرَ كتابِ علامِ الغيوب.
بل قُرأ والقلوبُ لاهيةٌ ساهيةٌ في لُججِ الدنيا وفي أوديتُها سابحةٌ.

غفلنا ولم نشعر أننا غفلنا وهذه لعمرُ اللهِ أدهى وأمرُ فينا.
كثُر القلق وغلبَ الهمُ والحزن، وصاحبَ ذلك الأرق.

وظهرت صورُ صارخةِ من الحسد والبغضاء والفرقةِ والخلاف، 
هبت رياحُ المعصيةِ فأطفأت شموعَ الخشيةِ من قلوبِنا.
وطال علينا الأمدُ فعلى القلوبَ قسوةً، كما قست قلوبُ أهلِ الكتاب فهيَ كالحجارةِ أو أشدُ قسوة.

لكن المؤمن باليوم الآخر لا تؤثر فيه المصائب لأنه موقن أن المصائب ليست ضربة لازب .. إن لم تزل عنه زال عنها بالموت لا محالة، فلا تذهب نفسه على الدنيا حسرات.....ذكر اليوم الآخر يطهر القلوب من الحسد والفرقة والاختلاف.
ذكراليوم الاخر يهدد الظلمة ليرعووا، ويعزي المظلومين ليسكنوا فكل سيأخذ حقه لا محالة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، فلا ظلم ولا هضم

ذكر اليوم الآخر يمسح على قلوب المستضعفين والمضطهدين والمظلومين مسحة يقين تسكن معه قلوبهم، ثم تثبت وهي تتطلع لما أعده الله للصابرين من نعيم يُنسى معه كل ضر وبلاء وسوء وعناء.....وتتطلع لما أعده للظالمين من بؤس يُنسى معه كل هناء.
إنه يوم الحسرة:
وما أدراك ما يومُ الحسرة، قال الله عز وجل :
(و أنذرهم يومَ الحسرةِ إذ قضيَ الأمرُ وهم في غفلةٍ وهم لا يؤمنون)
إنذارُ و إخبار فيه تخويفٍ وترهيبٍ بيومِ الحسرةِ حين يقضى الأمر، يوم يُجمعُ الأولون والأخرون في موقفٍ واحد، يُسألون عن أعمالهم.
فمن آمنَ و أتبع سعِدَ سعادةً لا يشقى بعدها أبدا.
ومن تمردَ وعصى شقي شقاءً لا يسعدُ بعده أبدا، وخسرَ نفسَهُ وأهلَهُ وتحسرَ وندِمَ ندامةً تتقطعُ منها القلوبُ وتتصدعُ منها الأفئدةُ أسفا.
وأيُ حسرةٍ أعظمُ من فواتِ رضى الله وجنته واستحقاقِ سخطهِ وناره على وجهٍ لا يمكنُ معه الرجوعُ ليُستأنف العملُ، ولا سبيلَ له إلى تغييرِ حالهِ ولا أمل.
وقد كان الحالُ في الدنيا أنهم كانوا في غفلةٍ عن هذا الأمرِ العظيم، فلم يخطر بقلوبِهم إلا على سبيلِ الغفلةِ حتى واجهوا مصيرَهم فيا للندمِ والحسرة، حيثُ لا ينفعُ ندمُ ولا حسرة.
وأنذرهُم يومَ الحسرة، ( يوم يجاءُ بالموت - كما في صحيح البخاري -  كأنه كبشُ أملح فيوقفُ بين الجنةِ والنار فيقال: يا أهلَ الجنةِ هل تعرفون هذا؟ فيشرأبون وينظرونَ ويقولون نعم هذا الموت.
ثم يقالُ يا أهل النارِ هل تعرفون هذا؟ فيشرأبون وينظرونَ ويقولون نعم هذا الموت.
قال، فيؤمرُ به فيذبحُ، ثم يقال يا أهلَ الجنةِ خلودُ فلا موت، ويا أهلَ النارِ خلودُ فلا موت).
(وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون).
آه من تأوه حينذٍ لا ينفع، ومن عيونٍ صارت كالعيون مما تدمع.
إنها حسرةُ بل حسرات، أنباءٌ مهولات، نداماتٌ وتأسفاتٌ ورد ذكرها في غير ما آية من الآيات تصدرُ عن معرضين عن الآيات ولاهين ولاهيات عن يومُ الحسرة والحسرات. إنها تذكرةٌ وعظات، علنا أن نحاسبَ أنفسِنا ما دمنا في مهلةٍ من أعمارٍ وأوقات وقبلَ أن نندمَ حيث لا ينفعُ ندمُ ولا حسرات.
فمن هذه الحسرات "أجارنا الله واياكم من الحسرات":

الحسرةُ على أعمالٍ صالحةٍ:
شابتها الشوائبُ وكدرتها مُبطلاتُ الأعمالِ من رياءٍ وعُجبٍ ومنةٍ، فضاعت وصارت هباءً منثورا، في وقتٍ الإنسانُ فيهِ أشدُ ما يكونُ إلى حسنةٍ واحدةٍ: (وبدا لهم من اللهِ ما لم يكونوا يحتسبون)...(وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون)
فكيفَ تقيكَ من بردٍ خيامٌ………إذا كانت ممزقةَ الرواقِ
الفضل عند الله ليس بصورة الأعمال بل بحقائق الإيمان.  القصد وجه الله بالأقوال والطاعات والشكران.  بذاك ينجو العبد من حسراته ،ويصير حقا عابد الرحمن.


الحسرةُ على التفريطِ في طاعةِ الله:
وتصرمِ العمرِ القصيرِ في اللهثِ وراء الدنيا حلالِها وحرامِها، والاغترارِ بزيفِها مع نسيانِ الآخرةِ وأهوالِها:
( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين)( أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين)
( أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين)
يا ضيعة العمرِ لا الماضي انتفعتُ به…….ولا حصلتُ على علمٍ من الباقي
بلى علمتُ وقد أيقنتُ وا أسفا……..أني لكلِ الذي قدمتُه لا قي

الحسرةُ على أعمالٍ صالحة:
كان الأمل بعد اللهِ عليها، ولكنها ذهبت في ذلك اليومِ العصيب إلى من تعديت حدودَ اللهِ فيهم فظلمتَهم في مالٍ أو دمٍ أو عرض، فكنتَ مفلساً حقا:
(وقد خابَ من حمل ظلما).
فيأخذُ هذا من حسناتِك وهذا من حسناتك، ثم تفنى الحسنات فيطرحُ عليك من سيئاتِ من ظلمتَهم ثم تطرحُ في النار

حسرةُ جُلساءِ أهلِ السوء:
يومَ انساقوا معهم يقودونَهم إلى الرذيلةِ، ويصدونَهم عن الفضيلةِ، إنها لحسرةُ عظيمةٌ في يومِ الحسرة يعبرون عنها بعضِ الأيدي يومَ لا ينفعُ عضُ الأيدي كما قال ربي: ( ويومَ يعَضُ الظالم على يديه يقولُ يا ليتني اتخذتُ مع الرسولِ سبيلا) ( ياويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلا)
الحسرةُ على أموالٍ جمعت من وجوه الحرام:
رباً ورشِوةٍ وغشٍ غصب وسرقةٍ واحتيالٍ وغيرِها.
فيا لله أي حسرةٍ أكبر على امرؤٍ يؤتيَه اللهُ مالاً في الدنيا، فيعملُ فيه بمعصيةِ الله، فيرثَه غيرَه فيعملُ فيه بطاعةِ الله، فيكونُ وزره عليه وأجرُه لغيره.
أي حسرة أكبر على امرؤ أن يرى عبداً مكفوف البصر في الدنيا قد فتح الله له عن بصره يوم القيامة وقد عميَ هو، إن تلك الحسرة لعظيمة عظيمة.
أي حسرة أكبر على امرؤ علم علما ثم ضيعه ولم يعمل به فشقيَ به، وعمل به من تعلمه منه فنجى به.
أي حسرة أعظم من حسرات المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
يوم تبلى السرائر وينكشف المخفي في الضمائر ويعرضون لا يخفى منهم على الله خافية، ثم يكون المأوى الدرك الأسفل من النار ثم لا يجدون لهم نصيرا. ( لقد أضلني عن الذكرِ بعد إذ جاءني وكان الشيطانُ للإنسانِ خذولا)
الخطبة الثانية : 
حسرة الظالمين المفسدين في الأرض:
عباد الله:
إن صور المكر تتنوع وتختلف من عصر لآخر.
ففي وقت نزول القرآن كانت تتخذ أشكالا من الأشعار في منتديات الجاهلية توجه فيها التهم الباطلة لرسول الله صلى الله عبيه وسلم ومن معه.
أو بصد الراغبين عن سماع الحق وتفويته عليهم. أو بإثارة نعرة الأباء والأجداد والتهويل من خطر تركها.

لكن ماذا يساوي ذلك المكر الأول عند مكر الليل والنهار في زماننا الحاضر في أكثر ديار المسلمين، والذي ينطبق تماما بلفظه ومعناه على المكر الموجود الآن الذي يعمل على مدى الأربع والعشرين ساعة:
فما يكاد المذياع يفتر من مكره حتى يأتي دور التلفاز.
وما يكاد التلفاز يفتر من مكره حتى يأتي دور الفيديو.
ثم يأتي دور البث المباشر. ثم المجلة الهابطة، فالقصة الخليعة، وهكذا دواليك دواليكَ مكر بالليل والنهار. هل يعذر المسلم في فتح فكره وبيته لمكر الليل والنهار؟؟؟
كلا والله لا يعذر المسلم ، لأن المفسدين المتسلطين لن يعذروه بين يدي الله يوم القيامة بقولهم: ( أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ؟ بل كنتم مجرمين). ....ويرد هؤلاء المستضعفون : ( بل مكر الليل والنهار).
ثم يدرك الجميع أن هذا الحوار البائس لا ينفع هؤلاء ولا هؤلاء إلا براءة بعضهم من بعض.
علم كل منهم أنه ظالم لنفسه، مستحق للعذاب فندم حين لا ينفع الندم.
ويتمنى سرا أن لو كان على الحق والإيمان :
(وأسّروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا، هل يجزون إلا ما كانوا يعملون)
قضي الأمر وانتهى الجدل وسكت الحوار.
وهنا يأتي حادي الغواة، وهاتف الغواية يخطب خطبته الشيطانية القاصمة يصبها على أوليائه:
( وقال الشيطان لما قضي الأمر، إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم ).
طعنة أليمة نافذة لا يملكون أن يردوها عليه، وقد قضي الأمر وفات الأوان : ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ).
ثم يؤنبهم على أن أطاعوه : ( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم، وما أنتم بمصرخي ).
نفض يده منهم وهو الذي وعدهم ومنّاهم ووسوس لهم.
وأما الساعة فلن يلبيهم إن صرخوا، ولن ينجدوه إن صرخ ....فيا للحسرة والندم.

أما الحسرةُ الكبرى فهي:
عندما يرى أهلَ النار أهلَ الجنةِ وقد فازوا برضوانِ الله والنعيم المقيم وهم يقولون:
( أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) ؟
( قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ).

وحسرة أعظم:
يومَ ينادي أهلُ النار أهل الجنةِ :
( أن أفيضوا عينا من الماءِ أو مما رزقكم الله)
( قالوا إن اللهَ حرمهما على الكافرين ).

وحسرة أجلّ:
حين ينادي أهلُ النارِ مالكاً خازن النار:
( ليقضي علينا ربك).
( قال إنكم ماكثون ).

ومنتهى الحسرة ِوقصاراها:
حين ينادون ربَهم عز وجل وتبارك وتقدس:
( ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فأنا ظالمون ).
فيُجبَهم بعد مـدة:
( اخسئوا فيها ولا تكلمون ).
فلا سؤال، ولا ينبسون ببنت شفة وإنما هو الشهيق والزفير.
طال الزفيرُ فلم يُرحم تضرُعهم هيهاتَ لا رقة تغني ولا جزعُ
فيا حسرة المقصرين.
ويا خجلة العاصين.
لذّات تمرٌ وتبعاتٌ تبقى.
دع الذي يفنى لما هو باقي وأحذر زلل قدمِك، وخف حلول ندمك واغتنِم شبابك قبل هرمِك، ولا تتحسرُ حين لا ينفعُ ندمك

عباد الله وبعد هذا البيانِ من كتاب الرحمنِ عن صورِ الخزي والحسرةِ والخسران.
هل آن لنا أن نعدَ لهذا الموقفِ العظيمِ عدته؟
ونعملَ جاهدين على الخلاصِ من صفاتِ أهلِ هذه المواقفِ المخزيةِ.
آن لنا أن نُخلص العبادةَ لله وحده، ونجردَ المتابعةِ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
آن لنا أن نحذرَ من كلِ ناعقٍ ملبسٍ خائنٍ يمكرُ في الليلِ والنهار قبل أن تقولَ نفسُ يا حسرتاه 
جعلنا الله وإياكم من الرابحين السعداء، يومَ يخسرُ المبطلون الأشقياء، ويتحسرَ المتحسرون التعساء، إن ربي وليُ النعماء وكاشفَ الضرِ والبلاء.

الخميس، 4 أبريل 2019

تحرير بيت المقدس

صلاح الدين وتحرير بيت المقدس ) 
بعد أكثر من أربعة قرون من الفتح العمري لبيت المقدس سنة: 16 من الهجرة، الموافق 637م، تمكن الصليبيون من احتلال القدس سنة: 1099 ميلادية، وذلك في عهد العبيدينالذين لم يكترثوا للقدس ولم يهتموا بها، بل أهملوها وأغفلوا حمايتها وتحصينها، 
 واختلفت كلمتهم، وضعفت قوتهم، فطمع فيهم الطامعون، واشرأبت أعناق الصليبيين لحرب صليبية، فشجعهم ما كان عليه كثير من المسلمين من فساد العقيدة والعبادة والأخلاق، وكثرةِ الاختلاف، وشدة التفرق. 
فاندفعت جموع الصليبيين نحو المشرق، تغلي في قلوبها الأحقاد، ويشحن نفوسها الكيد، فاجتاحت حصون أنطاكية الممنعة، ثم انقضت على معرة النعمان فقاومهم سكانها؛ ولكن العدو كان أكثر فدخلوها عند العشاء فأسكتوا أصوات المؤذنين من فوق المنائر، وأعملوا السيوف في الرقاب، فقتلوا كلَّ رجل وكلَّ امرأة وكلَّ طفل، وجعلوا يطؤون جثث القتلى بعد أن ملأت الدروب وسدت المسالك.
وتابع الجيش الصليبي سيره يحصد المدن والقرى حتى وصلوا بيت المقدس ضحى يوم الجمعة لسبعة أيام بقيت من شعبان سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة للهجرة.. فجاسوا خلال الديار، وتبَّروا ما علوا تتبيرًا. 
وقد استمات سكان القدس من أهل السنة في الدفاع عنها، فصمدوا أمام جيش الصليبين البالغ خمسين أو ستين ألف مقاتل شهرًا كاملًا قبل أن تسقط المدينة في أيدي الصليبين ..
أعملوا السيوف في الرقاب، وأجروا الدماء في الشوارع، ورفعوا من جثث القتلى تلالاً، وصنعوا من هاماتهم قبابًا، ثم دخلوا الدور فسبوا من فيها وبقروا البطون بحثًا عن الدنانير، ولاذ المسلمون بالمسجد الأقصى، فتبعوهم وقتلوا داخله ما يزيد على سبعين ألفًا، فيهم العالم الزاهد، والعابد الراكع، والشيخ الطاعن، والطفل الراضع، والمرأة الثاكل، لم يميزوا مقاتلاً عن غير مقاتل، ولا فرقوا بين عاجز وقادر.
دخلوا بخيلهم بيت المقدس، فداست سنابكها على الأشلاء، وتخضبت قوائمها بالدماء، حتى كتب مؤرخ صليبي حضر هذا الحدث الجلل فقال: "فلما ولج حجاجنا المدينة جدّوا في قتل الشرقيين ومطاردتهم حتى قبة عمر حيث تجمعوا واستسلموا لرجالنا الذين أعملوا فيهم أفظع القتل طيلة اليوم بأكمله، حتى لقد فاض المعبد كله بدمائهم". 
فهام الناس على وجوههم من الشام إلى العراق يصحبهم القاضي أبو سعيد الهروي، فحكوا لأهل بغداد ما حلّ بهم، فبكوا من هول ما أخبروا، ونظم القاضي الهروي كلامًا يصف تلك الكارثة، فقرئ في الديوان وعلى المنابر فارتفع بكاء الناس، وندب الخليفة الفقهاء ليحرضوا على الجهاد؛ ولكن ذلك لم يُجْدِ شيئًا؛ لأن الأوان قد فات، والداءَ قد استمكن. ولم تكن العلةُ في قوة العدو بقدر ما هي في ضعف المسلمين؛ حيث فرطوا في أمر الله وأضاعوه، فوكلهم الله إلى أنفسهم، ومن وكل إلى نفسه عجز، ومن وكل إلى الخلق ضيعوه، ومن توكل على الله كفاه.
لقد استقبل المسلمون ذلك الرمضان الحزين، وجراحهم تنزف، وأجفانهم تحترق، وقلوبهم تشتعل، وما أصابهم ما أصابهم إلا بما كسبت أيديهم.
وظلت القدس أكثر من ستة وثمانين عامًا تئن تحت وطأة الصليبين يعيثون فيها فسادًا وإفسادًا وتدنيسًا، فرفعوا الصلبان على المسجد الأقصى وعلى أسوار المدينة، ونصبوا صليبًا عظيمًا فوق قبة الصخرة، وضج أهل المدينة من المسلمين بذلك الاحتلال الصليبي البغيض، وبكى لبكاء القدس آلاف من المسلمين، حتى كتب أحدهم إلى صلاح الدين الأيوبي قائلًا:
يـــــا أيــــهــــــا الـمــــــلك الـــــــــذي *** لـمــعــالـم الصــلـبــان نَكَّـــــسْ
جــــاءت إلـــيـــك ظــــــــلامـــــــــــة *** تسعَى مِن البيتِ الـمقـــدسْ
كـــــل الـمـــســـاجـــد طُــهِّــرت *** وأنا -على شرفي- مُنَـجـَّسْ
 فقد أيقن الجميع ألا سبيل ولا طريق لتحرير القدس إلا بالقتال، وتنادى أهل الإيمان والمروءة والنخوة بالجهاد في سبيل الله لتحرير القدس الأسير، واجتمعت الألوف من المتطوعين المجاهدين تحت لواء صلاح الدين الأيوبي -ذلك القائد الرباني الذي رفع راية الجهاد من قديم- وكلهم أمل أن يحرر الله -تعالى- بهم المسجد الأقصى وأرض بيت المقدس المباركة. اجتمع الشامي مع العراقي مع المصري ، واجتمع العربي مع الاعجمي ، والابيضمع الاسود ، لم تفرق بينهم قوميات ولا نعرات ولا جنسيات ، جمعتهم راية الاسلام وتحت ظلها انضووا ولرفع كلمة لا اله الا الله جاهدوا وفي سبيل تحرير القدس ضحوا بكل شيء ، اموالهم وانفسهم وابناءهم وكل ما يملكون ..
أصلح نفسه ونشر الصلاح في جنده وحفظ أمر الله فنصره الله، أشرب حب الجهاد حتى قضى نحوًا من ربع قرن على صهوة جواده، أو في حصار قبالة أعدائه، وفي نحو عشرين سنة، قاد أربعًا وسبعين معركة.
يحكي سيرته من عاصره ولازمه في بعض معاركه، وهو المؤرخ القاضي ابنُ شَدَّاد فيقول: "لو حلف الحالف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد دينارًا ولا درهمًا إلا في الجهاد أو في الإرفاد لصدق وبر في يمينه". 
ويحكي عنه مرة أنه قال له: "في نفسي أنه متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت، وركبت هذا البحر إلى جزائرهم أتتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت".
الله أكبر!! هدف نبيل، وغاية سامية، وهمة عالية، استحق بها أن يحقق الله على يديه أعظم منقبة في ذلك العصر ألا وهي فتح بيت المقدس وإخراج الصليبيين منه، وتطهيره من رجسهم.
والتقى الجمعان؛ جند الكفر وجند الإيمان، التقى المجاهدون المؤمنون الذين جاءوا وأسمى أمانيهم أن ينالوا الشهادة في سبيل الله، جاءوا والموت أحب لديهم من الحياة، التقوا بجيش الصليبين الذين ما قدموا من بلاد أوروبا إلا طامعين وسارقين وناهبين ومعتدين، والتقى الجميع على أرض حطين في يوم السبت (25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق 4 يوليو 1187 م) بالقرب من قرية المجاودة، بين الناصرة وطبرية، ودارت معركة عظيمة كان النصر فيها حليف المسلمين… وكانت هذه المعركة هي البداية الحقيقة والطريق الذي لا بد أن يُسلك لتحرير مدينة القدس.
 ولم يتوجه صلاح الدين بعد هذا النصر إلى القدس مباشرة، لكنه بدأ في اقتصاص أجنحة الصليبين وذيولهم التي قد تقوم منتفضة دفاعًا عن القدس، فبدأ بفتح مدينة عكا سنة 583 هـ، والتي كانت الميناء التجاري لإمداد الصليبيين بالسلاح والمؤن من أوروبا، ولما انقطع طريق الإمداد انتقل الجيش الإسلامي ففتح مدنًا وقرى وقلاعًا كثيرة منها: نابلس وحيفا والناصرة وقيسارية وصفورية وتبنين وصيدا وبيروت وجبيل وعسقلان والرملة وغزة وبيت جبرين والنطرون… حتى تحررت معظم أراضي فلسطين ولبنان من دنس الصليبين.
الخطبة الثانية : 
 بعد ذلك فقط صار الطريق ممهدًا لفتح بيت المقدس الأسير، فتوجه المسلمون إليها ووصلوها في يوم الخميس (11 رجب سنة 583 هـ، الموافق 20 سبتمبر سنة 1187م)، وحرص صلاح الدين أن يحرم الصليبين من الماء وأن يستأثر به للمسلمين، فسار من جهة عين سلوان، وحانت صلاة الجمعة فصلاها المسلمون على جبل سلوان، فامتلأ الجند إيمانًا واشتاقوا إلى الشهادة في سبيل الله، وبعد صلاة الجمعة مباشرة بدأ الزحف الإسلامي لتحرير بيت المقدس.
 وكانت قائد الجيش الصليبي في القدس ساعتها هو باليان بن بارزان صاحب مدينة الرملة، ولقد استمات هو ومن معه في قتال المسلمين ظنًا من الجميع أنهم على كل حال مقتولون؛ فقد كانوا يعتقدون أن المسلمين لو دخلوا القدس فسوف يذبحون كل من فيها من النصارى تمامًا كما فعلوا هم بمسلمي القدس
عندما اغتصبوها في عهد العبيدين، فكان قتالهم دفاعًا عن دمائهم وأرواحهم، لكن صلاح الدين الأيوبي أخلف ظنونهم فأرسل إليهم يدعوهم لتسليم المدينة على أن لهم الأمان على نفوسهم وأولادهم وأموالهم.
 لكن الصليبين أخذتهم العزة بالإثم ولم ينزلوا على وعد المسلمين، ودارت الحرب طاحنة على مدار أربعة عشر يومًا كاملة، ونصب المسلمون المنجنيق حول المدينة، وقاوم الصليبيون مقاومة شرسة حتى لقد استطاعوا قتل عدد من قادة المسلمين وأمرائهم، لكن الحصار قد اشتد عليهم وبدأت المؤن تقل داخل المدينة، ومما أضطرهم إلى الاستسلام أن عمد المجاهدون المسلمون إلى الزاوية الشرقية الشمالية من سور المدينة فأحدثوا فيه فجوة وحشوها بالأخشاب وأشعلوا فيها النيران حتى انهار ذلك الجانب من الحصن في دوي فظيع.
 وأيقن الصليبيون ساعتها أن ليس أمامهم إلا الاستسلام، فهرعوا إلى القائد صلاح الدين طالبين الأمان، لكنه تمنَّع ولم يقبل، وقال: “لا أفتحها إلا عنوة”، فصاروا يستجدون منه الأمان الذي عرضه عليهم من قبل فرفضوه، وما زالوا يتذللون ويستعطفون حتى قَبِل المسلمون الصلح؛ بأن يخرج من شاء من القدس على أن يُدفَع عن الرجل عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن كل طفل ديناران، ومن لم يدفع صار أسيرًا للمسلمين، ودفع من دفع، وعفى السلطان صلاح الدين عن آلاف من فقرائهم ومساكينهم لا يملكون المال.
 ودخل المسلمون القدس الحبيبة يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب سنة 583 هـ، الموافق الثاني من أكتوبر سنة 1187م، وعمدوا إلى المسجد الأقصى وإلى قبة الصخرة يطهرونهما من القذر والأوساخ التي تراكمت فيهما وعليهما في سنوات الاحتلال الصليبي، ويسقطون الصلبان التي نُصبت فوقهما في مشهد يذكرنا بتحطيم الأصنام التي أحاطت بالكعبة المشرفة في يوم فتح مكة… وبعث صلاح الدين الأيوبي إلى حلب فجاء بالمنبر الذي صنعه الملك نور الدين محمود بن زنكي قبل سنوات طوال ليوضع في محله بالمسجد الأقصى.
 وفي الجمعة التي تليها أقيمت الخطبة والشعائر في المسجد الأقصى وصعد عليه الشيخ محيي الدين بن محمد بن علي القرشي بن الزكي، فخطب فيه أول جمعة بعد الفتح، وتعالى التكبير والتحميد والتهليل، وعادت المدنية المباركة والمسجد الأقصى الحبيب إلى أحضان المسلمين، فكأنه يوم غير أيام الأرض، وزمان غير أزمنتها! فرحم الله صلاح الدين الأيوبي ورحم الله المجاهدين معه.
 واليوم، إننا لا نتخيل لو بُعث عمر الفاروق أو بعث صلاح الدين الأيوبي حيَّين، فسألانا: ماذا فعلت المدينة المقدسة في زمانكم؟! ما حال المسجد الأقصى الذي تركناه أمانة في رقابكم؟! فبما نجيب؟! بأي وجه نلقاهما؟! بأي لسان ننطق؟! ما نقول لهم! أنقول: ضيعناهما وتخاذلنا عن نصرتهما؟! أنقولهانت علينا أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين؟! أنقول: نعيش وهمنا بطوننا وقبلتنا شهواتنا؟!…
اللهم أصلح أحوال المسلمين.