إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 22 فبراير 2019

الدعاء وموانع الإجابة

( الدعاء وموانع الاجابة ) 
مِن أعظم ما نستعينُ به في جلب ما تصبو إليه نُفُوسنا من الخير، أو دفع ما نجد ونُحاذر من الشرِّالدُّعاء، فمتى ما توفرت الشُّروط وانتفت الموانع وتأدَّب الداعي بآداب الدُّعاء، استجاب الله الدعاء.
 فلْنَخترِ الأوقاتَ التي هي مظنَّة الإجابة، وهي الثُّلث الأخير من اللَّيل؛ حيثُ ينزل ربُّنا في الثُّلث الأخير من اللَّيل إلى السماء الدُّنيا، نزولاً يليقُ بجلاله، فيقول: ((مَن يدعوني، فأستجيبَ له، مَن يسألني، فأعطيه، مَن يستغفرني، فأغفر له))، فما لنا في هذا الوقت الفاضل من الغافلين؟!
 ومن مظنة إجابة الدُّعاءعند الأذان، وبين الأذان والإقامة؛ فعن أنس قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الدُّعاء لا يردُّ بين الأذان والإقامة؛ فادعوا))؛ رواه الإمام أحمد، (12174)، بإسناد حسن، 
فلْندعُ في صلاتِنا في سجودنا، وقبل السَّلام نسألُ ربَّنا مِن خَيْرَيِ الدُّنيا والآخرة، فأقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجد.
دبر الصلوات المكتوبات وفي حديث أبي أمامة " قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال جوف الليل الآخر ، ودبر الصلوات المكتوبات" رواه الترمذي (3499) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ... والمقصود قبل السلام من الصلاة 
 ولْنَدعُ خارجَ الصَّلاة قبل إقامة الصلاة،، حينما لا تحضر إلاَّ بعد الإقامة، فقد حرمت نفسك هذا الوقت الفاضل، وفوَّتَ عليك الشيطانُ خيرًا كثيرًا.
عند الدعاء بـ" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم : أنه قال : " دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له " رواه الترمذي وصححه في صحيح الجامع (3383)
الدعاء عند المريض : فقد أخرج مسلم (919) عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت : قال صلى الله عليه وسلم : " إذا حضرتم المريض فقولوا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون .. قالت : فلما مات أبو سلمة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أبا سلمة قد مات، فقال لي : قولي : اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة " قالت : فقلت فأعقبني الله من هو خير لي منه ، محمداً صلى الله عليه وسلم ".
دعوة المظلوم وفي الحديث : " واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " رواه البخاري (469) ومسلم (19) وقال عليه الصلاة والسلام : " دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً ؛ ففجوره على نفسه " رواه أحمد وانظر صحيح الجامع (3382).
دعاء الوالد لولده – أي : لنفعه - ودعاء الصائم في يوم صيامه ودعوة المسافر فقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ثلاث دعوات لا ترد : دعوة الوالد لولده ، ودعوة الصائم ودعوة المسافر " رواه البيهقي وهو في صحيح الجامع (2032) وفي الصحيحة (1797).
دعوة الوالد على ولده – أي : لضرره - ففي الحديث الصحيح : " ثلاث دعوات مستجابات : دعوة المظلوم ، ودعوة المسافر ، ودعوة الوالد على ولده " رواه الترمذي (1905) وانظر صحيح الأدب المفرد (372)
 لنجتهدْ في الدُّعاء يومَ الجمعة، ففيه ساعة الإجابة؛ فعن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذكر يوم الجمعة، فقال: ((فيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو يُصلي، يسأل الله شيئًا؛ إلاَّ أعطاه إيَّاه))، وأشار بيده يقلِّلها؛ رواه البخاري (935)، ومسلم (852).
 وهذه الساعة آخر النَّهار من يوم الجمعة؛ ففي حديث أبي هريرة قال: "قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خير يوم طلعت فيه الشمس، وفيه ساعة لا يُصادفها عبدٌ مسلم وهو يصلي، يسأل الله حاجةً؛ إلاَّ أعطاه إيَّاها))، فقال عبدالله بن سلام لأبي هريرة: هي آخر ساعة من يوم الجمعة؟ فقال: كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يُصادفها عبدٌ مُسلم وهو يُصلي))، وتلك الساعةُ لا يُصلَّى فيها؟فقال عبدالله بن سلام: ألم يقُلْ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن جلس مجلسًا ينتظر الصلاة، فهو في صلاة حتَّى يصلي))، قال: فقلت: بلى، قال: هو ذاك"؛ رواه أبو داود (1046)، ورواته ثقات.
ولْنحرصْ على رَفْع اليدين أثناءَ الدُّعاء فيما لم يردْ فيه نَهي؛ فعن سَلْمان الفارسي، عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ اللهَ حييٌّ كريم، يستحيي إذا رَفَعَ الرجلُ إليه يديه أنْ يردَّهما صفرًا خائبتين))؛ رواه الترمذي (3556)، 
 ولنفتتح دعاءنا بحمد الله والثَّناء عليه وسؤاله بأسمائه الحسنى، لا سيَّما ما دلَّ الدليلُ أنَّه مظنة الإجابة؛ فعن بريدة قال: سمع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجلاً يدعو، وهو يقولاللهم إنِّي أسألك بأنِّي أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، قال: فقال: ((والذي نفسي بيده، لقد سأل اللهَ باسمه الأعظم، الذي إذا دُعِيَ به، أجاب، وإذا سُئل به، أعطى))؛ رواه الترمذي (3475) بإسناد حسن.
 ومِن أسبابِ الإجابة: البر بالوالدين؛ فعن أُسَيْر بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمدادُ أهل اليمن، سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتَّى أتى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: مِن مراد، ثُمَّ من قَرَن؟ قال: نعم، قال: فكان بكَ برص، فبَرَأْتَ منه إلاَّ موضعَ دِرْهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة، قال: نعم، قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((يأتي عليكم أُوَيْسُ بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قَرَن، كان به برصٌ فَبَرَأَ منه إلاَّ موضع دِرْهم، له والدة هو بها بَرٌّ، لو أقسمَ على الله، لأَبَرَّه، فإنِ استطعتَ أن يستغفر لك، فافعل))؛ فاستغفرْ لي فاستغفرَ له"؛ رواه مسلم (2542).
 فإذا اجتمعَ مع الدُّعاء حُضُورُ القلبِ وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة، وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الربِّ، وذُلاًّ له، وتضرُّعًا بين يديه ورقَّة، واستقبل الدَّاعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله - تعالى - وبدأ بحمدِ الله والثَّناء عليه، ثُمَّ ثنَّى بالصلاة على محمد عبده، ثم قدم بين يدي حاجته التَّوبة والاستغفار، ثُمَّ دَخَل على الله وألَحَّ عليه في المسألة، وتملقه ودعاه رغبةً ورهبةً، وتوسَّل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، فإنَّ هذا الدُّعاء لا يكاد يردُّ أبدًا، لا سيَّما إنْ صادف الأدعية، التي أخبر النبي أنَّها مظنة الإجابة، أو أنَّها متضمنة للاسم الأعظم.
الخطبة الثانية : 
 يقول ربُّنا﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]، ويقول سبحانه وتعالى﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]، فهذا وعدٌ من اللهِ، والله لا يُخلفُ وعدَه، فإذا دعوناه، ولم يستجب لنا، فلنفتشْ في أنفسنا، ولْنعلمْ علمَ اليقين أنَّنا أوتينا من قِبَل أنفسنا، فلم يُستجب دعاؤنا؛ لخلل فينا.
 فقد يتخلف أثر الدُّعاء، ولا يُجاب السُّؤال، فلا يحصل المأمول، ولا يندفع المحذور؛ إمَّا لضعف القلب وعدم إقباله على الله، واجتماعه عليه وقتَ الدُّعاء، فيكون الدعاء باللِّسان والقلبُ لاهٍ غافلٌ حينَ الدُّعاء، كحال بعض المسلمين منَّا في دُعائنا في الصَّلاة وخارجها؛ فعن عبدالله بن عمرو: أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: (( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة؛ واعلموا ان الله لا يستجيبُ دعاء من قلبٍ غافلٍ لاه ))صحيح الترغيب
 وإمَّا لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم )) ايُّها الناس، إنَّ اللهَ طيبٌ، لا يقبل إلاَّ طيبًا، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثُمَّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يَمدُّ يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وَغُذيَ بالحرام، فأنَّى يُستجابُ لذلك؟!))؛ رواه مسلم (1015).
 وإمَّا للاستعجال في طلب الإجابة، فلْيُلحَّ الواحد منَّا بحوائجه على ربِّه ولا يستبطئ الإجابةَ، فرُبَّما تأخرت الإجابة فترة، فيترك الداعي الدُّعاء؛ فعن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقولدعوت فلم يستجب لي))؛ رواه البخاري (6340).
 وإمَّا لضَعفه في نفسه، بأنْ يكونَ الدُّعاء مِمَّا لا يُحبه الله؛ لما فيه من العدوان والظلم.
 ومن موانع الدُّعاء: الاستثناء في الدعاء، فتجد البعض اعتاد قولَ: إنْ شاء الله في الدُّعاء، فما يدعو لنفسه أو لغيره إلاَّ ويختم دعاءه بقول: إن شاء الله، وقد نُهينا عن ذلك؛ فعن أبي هريرة: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا دعا أحدُكم، فلا يقل: اللَّهم اغفرْ لي إن شئت؛ ولكن ليعزمِ المسألة، وليعظم الرغبة، فإنَّ الله لا يتعاظمه شيء أعطاه))؛ رواه البخاري (6339)، ومسلم (2679)
واعلموا  ان للدعاء أرباحاُ قد تكون غير مرئية ..
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا " قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ الالباني صحيح  

فليس الخير دائما كما نظن , في إجابة سؤالنا وتحقيق طلبنا

فربما..لم يجبنا لأننا لا نعلم ما رده الدعاء عنا من بلاء , وما جرى من تصارع بين البلاء النازل والدعاء الدافع , الذي إنتهي بنجاتنا ودفع الشر عنا ,فحمدا لله على سلامتنا جميعا..

وربما..لم يجبنا لأنه سبق في علمه أن كفة حسناتنا لن ترجح يوم القيامة , إلا أن يوزن فيها أجر الدعاء المؤجل..
فإذا رأينا يوم القيامة أن ما أجابه الله لنا من دعاء ذهب أجره ,وما لم يجبنا فيه قد بقي ثوابه ..تمنى العبد ان لم تجب له دعوة قط ..!!

وربما..لم يجبنا لسابق علمه أن الخير في صرف هذا المطلوب عنك ,فهو وحده المطلع على الغيب , ولذا فهو الأدرى بما ينفعنا ويصلحنا ,فإذا كان المطلوب مالا فلربما أطغانا وأفسدنا,و إن كان ولدا فلربما كبر عاقا فأعيانا وأجهدنا , وإن كان عملا أو وظيفة فلربمافتحت لنا بابا للحرام أردانا وضيعنا ,فكم من محبوب في مكروه , ومكروه في محبوب ولا يعلم ذلك إلا الله ..

وربما..لم يجبنا لأنه أراد أن يصل حبالا قطعناها ووشائج هجرناها , فألجأنا إليه حتى يسمع همساتنا في الأسحار , ويرى دمعاتنا المدرار , فيغسل ذنوبا لا يغسلها سوى دموع الأسى على ما فات ,والندم على ما إنقضى ..

وهو ما تم إيجازه في قول إبن عطاء في قوله :" لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك ,فهو قد ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك , لا فيما تختاره لنفسك , وفي الوقت الذي يريد , لا الوقت الذي تريد "..

الاثنين، 18 فبراير 2019

أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها

خديجة بنت خويلد رضي الله عنها : 
خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية 
هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد ، يلتقي نسبها بنسب النبي صلى الله عليه وسلم في الجد الخامس قصي بن كلاب،وكانت أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً، تزوجها صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة كانت قبله عند أبي هالة  التميمي، وبقيت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن أكرمه الله برسالته، فآمنت به ونصرته، فكانت له وزير صدق، 
 
فهي ممن كمل من النساء فقد كانت عاقلة جليلة مصونة كريمة من أهل الجنة، وكان صلى الله عليه وسلم يثني عليها ويفضلها على سائر نسائه رضي الله عنهن ويبالغ في تعظيمها، فلم يتزوج امرأة قبلها، وكل أولاده منها إلا إبراهيم رضي الله عنه... كما لم يتزوج صلى الله عليه وسلم عليها امرأة قط، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها رضي الله عنها فكانت وفاتها قبل الهجرة بثلاث سنين

زواجها من النبي عليه الصلاة والسلام :  في الجاهلية وقبل لقاء رسول الله عليه الصلاة والسلام كانت السيدة خديجة -رضي الله عنها- امرأة ذات مال وتجارة رابحة، فكانت تستأجر الرجال لتجارتها وتبعثها إلى الشام، ومرت الأيام ووصل إلى مسامعها ذكر "محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام " كريم الأخلاق، الصادق الأمين، وكان قلَّ أن تسمع في الجاهلية بمثل هذه الصفات، فأرسلت إليه وعرضت عليه الخروج في مالها تاجرًا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار.
وحينها قَبِل ذلك منها عليه الصلاة والسلام ، وخرج في مالها ومعه غلامها "ميسرة" حتى قدم الشام، ثم باع رسول الله عليه الصلاة والسلام سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد، ولما قدم مكة على السيدة خديجة بمالها باعت ما جاء به، فربح المال ضعف ما كان يربح أو أكثر.
وأخبرها ميسرة عن كرم أخلاقه عليه الصلاة والسلام وصفاته المتميزة التي وجدها فيه أثناء الرحلة، فرغبت في الزواج منه، فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، والسيدة خديجة يومئذ بنت أربعين سنة وهو المشهور من الروايات 
.
وظلا معًا إلى أن توفاها الله وهي في الخامسة والستين، وكان عمره عليه الصلاة والسلام في الخمسين، وهي أطول فترة أمضاها النبي مع هذه الزوجة الطاهرة من بين زوجاته جميعًا،  - 
كانت أقرب زوجاته إليه؛ فلم يتزوج عليها غيرها طوال حياتها، وكانت أم ولده الذكور والإناث إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية رضي الله عنها، فكان له منها عليه الصلاة والسلام القاسم وبه كان يُكنَّى، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.
 

اسلامها :
كانت خديجة رضي الله عنها أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من النساء والرجال وهذا بإجماع المسلمين .
- قال ابن إسحق كانت خديجة أول من آمنت بالله ورسوله وصدقت ما جاء من عند الله عز وجل وآزرته على أمره فخفف الله بذلك عن رسوله ، فكان لا يسمع شيئاً يكرهه من رد عليه ، وتكذيب له ، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها ، إذا رجع إليها تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت رضي الله عنها .

الموقف الرائع  الحكيمة العاقلة : 

ومن مواقفها العظيمة - رضي الله عنهما -: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة- رضي الله عنهما – قالت : أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ،.... ثم قال في آخر الحديث: 

فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي"، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي" 

فَقَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ مَا رَأَى...


           وقفت السيدة خديجة رضي الله عنها بجانب النبي صلى الله عليه وسلم ، وانضمَّت إليه في شعب أبي طالب . 
        بذلت رضي الله عنها مالها لتؤمِّن ما تستطيع من طعام المسلمين ـ السيدة خديجة بذلت مالها لتؤمن ما تستطيع من طعامٍ للمسلمين ـ خلال سنوات مقاطعة ، واستعانت لهذا الأمر بابن أخيها حكيم بن حزام رضي الله عنه ، وكان حينئذٍ لا يزال على شركه ، لم يسلم بعد .
كان يشتري الطعام ، ويرسله إلى عمته السيدة خديجة ليلاً فتدخله على أهل الشعب المحاصرين وتواسيهم به رضي الله عنها

فضائلها : 

ما رواه الحاكم بإسناده إلى عفيف بن عمرو قال ( كنت امرءاً تاجراً، وكنت صديقاً للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية فقدمت لتجارة فنزلت على العباس بن عبد المطلب بمنى فجاء رجل فنظر إلى الشمس حين مالت فقام يصلي ثم جاءت امرأة فقامت تصلي ثم جاء غلام حين راهق الحلم فقام يصلي فقلت للعباس من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي يزعم أنه نبي ولم يتابعه على أمره غير هذه المرأة وهذا الغلام، وهذا المرأة خديجة بنت خويلد امرأته وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب. قال عفيف الكندي: وأسلم وحسن إسلامه لوددت أني كنت أسلمت يومئذ فيكون لي ربع الإسلام ) 

في هذا الحديث منقبة عظيمة لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها حيث كانت في السابقين الأولين إلى الإسلام فهي أول من آمن به صلى الله عليه وسلم من النساء.

ومن مناقبها التي انفردت بها دون سائر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها حتى فارقت الحياة الدنيا.
فقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت ) لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت

انفردت خديجة بالرسول عليه الصلاة والسلام بخمسة وعشرين عاماً وهي نحو الثلثين من مجموع حياته، ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك. وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها

ومن مناقبها رضي الله عنها التي تدل على شرفها وجلالة قدرها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر من ذكرها بعد موتها بالثناء عليها والمدح لها وما يسرها في حياتها حيث يصل من يودها.
فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالتما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد


وروى مسلم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت ) ما غرت للنبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها
وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت فغرت يوماً فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها قال: ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء ) 

ومن مناقبها ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بأن حبه لها كان رزقاً من الله رزقه إياه : 
فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت ( ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة وإني لم أدركها قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة قالت: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد رزقت حبها ) 
قال الإمام النووي عند قوله صلى الله عليه وسلم ( رزقت حبها ) فيه إشارة إلى أن حبها فضيلة حصلت لها

ومما يدل على فضلها وجلالة قدرها أن الله سبحانه وتعالى أرسل إليها السلام مع جبريل وأمر نبيه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
فقد روى الشيخان بإسنادهما إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال( أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب ولا نصب ) 
وفي ذلك منقبتان عظيمتان لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها:
الأولى: إرسال الرب جل وعلا سلامه عليها مع جبريل وإبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، وهذه خاصة لا تعرف لامرأة سواها .
الثانية: البشرى لها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
قال السهيلي : (لذكر البيت معنى لطيف لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي صلى الله عليه وسلم بيت إسلام إلا بيتها وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضاً غيرها،) 
وقوله صلى الله عليه وسلم( من قصب) قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف،
قال الحافظ وعند الطبراني في (الأوسط) من حديث فاطمة قالت قلت : ( يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب. قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت ) قال ابن كثير : غريب له شاهد في الصحيح
 
الخطبة الثانية : 

ومن مناقبها ما حظيت به رضي الله عنها من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتاح لسماع صوت من يشبه صوتها لما وضع الله لها في قلبه من المحبة رضي الله عنها

فقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت( استأذنت هالة بنت خويلد – أخت خديجة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال: اللهم هالة قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدل الله خيراً منها ) 
وخرج الحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو عندي، فقال لها رسول اللهمن أنت؟ قالت: أنا خثامة المزنية، فقال: بل أنت حسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله) فلما خرجت قلت: يا رسول الله! تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان.

ومن مناقبها ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أنها رضي الله عنها خير نساء هذه الأمة: فقد روى البخاري بإسناده إلى علي رضي الله عنه قالسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولخير نسائها مريم وخير نسائها خديجة
وعند مسلم بلفظ( خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد) قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض
 
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل نساء أهل الجنة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون " [ رواه أحمد والطبراني وغيرهما ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 1135 ]
 
وفاتها رضي الله عنها : توفيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهذا هو الأصح .
وكانت يوم توفيت بنت خمس وستين سنة ، ودفنت في الحجون ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حفرتها ، ولم تكن شرعت الصلاة على الجنائز [ يراجع ذلك في الإصابة والاستيعاب والطبقات وغيرها ] .

وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة بعد موتها : 
قد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ما لم يثن على غيرها ، فتقول عائشة رضي الله عنها : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة ، فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوماً من الأيام فأخذتني الغيرة ، فقلت : هل كانت إلا عجوزاً ، قد أبدلك الله خيراً منها ، فغضب ثم قال : " لا والله ما أبدلني الله خيراً منها ، آمنتْ بي إذْ كفرَ الناس ، وصدَّقتني إذ كذّبَني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمنـي الناس ، ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء " قالت عائشة : فقلتْ في نفسي : لا أذكرها بعدها بسبّةٍ أبداً " .
1