إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 8 يناير 2019

المجاهرة بالمعاصي

المجاهرة بالمعاصي ) 
الخطبة الاولى : 
هَلاكٌ مُنْتَظر، وَجُرْمٌ لَيس بِمُسْتَصْغَرٍ، هُو إِثْمٌ عَظيمٌ، وَخَطَرهُ على المجتمعِ عَمِيْمٌ.
إذا تُرِكَ دمَّرَ الأخلاق، وَجَرَّأَ أهلَ الِّنفاقَ، وَأَفْسدَ الدِّينَ، وَأَبْعَدَ النَّاسَ عن عافيةِ ربِّ العالمينَ، قال عنه سيُّدُ المرسلين: (كل أُمَّتي معافى إلا المجاهرِين )
المجاهرةُ بالمحرماتِ والمنكراتِ إِثْمٌ، له ما بعده من الآثام، به تَشْقى المجتمعاتُ، وَعَبْرَ بَوَّابتِه تَتَسارعُ النَّكباتِ، وهو مُؤَشِّرٌ على ضعفِ الإيمانِ والتقوى، وبُعْدٍ عن طريقِ الصراطِ والوسطية والهدى
.المُجَاهِرُ بالمعاصي كَشَفَ سِتْرَ اللهِ عليه، فسوَّقَ للمنكراتِ، وأَشَاعَ المحرمات، فَسُلِبَ مِنْ قَلْبِهِ استقباحُ الذَّنْبِ، وهانَ بين جنبيه تَعْظيمُ الرَّبِّ، فكانَ جزاؤُهُ أنْ حُرِمَ مِنْ عافيةِ الله، وكانَ إِثْمُهُ أنْ يَحْمِلَ أثقالَ غَيْرِهِ مَعَ وِزْرِهِ، فكان بذلكَ داعيةَ ضلالةٍ بِفِعَالِهِ، وفي الحديث: (وَمَنْ دَعا إلى ضَلالَةٍ كانَ عليه مِنْ الإثمِ مِثْلُ آثامِ مَنْ تَبِعَهُ ، لا يَنْقُص ذلك من أوزارِهم شيئا). أخرجه مسلم

المجاهِرُ بالمنْكَرِ يَودُّ لو أنَّ المجتمعَ كلَّه مُجَاهِر، حتى لا يَستوحشَ ولا يُنبذ، ولا يُستقبحَ ولا يُلفظ
نَعَمْ.. لَنْ يَسْلَمَ المَرْءُ مِنَ العِصْيانِ وَالخَطَأِ، وَأَيُّنَا الْعَبْدُ الَّذِي مَا أَلمَّ بِذَنْبٍ؟ لَكِنْ فَرْقٌ
بَيْنَ مَنْ يُذْنِبُ وَيَطْلُبُ السَّتْرَ وَيَخْشَى الْعَيْبَ، وَبَيْنَ مُجَاهِرٍ مُتَبَجِّحٍ لَا يَعْبَأُ بِنَشْرِ
الْقَاذُورَاتِ وَالمُفَاخَرَةِ بِهَا
.عَجَباً عَجَباً من أمر هذا الإنسان حين يَتَجَلَّدُ فِي نُصْرَةِ الْبَاطِلِ وَتَشْيِيدِ صَرْحِهِ، فَلَا تَرَاهُ إِلَّا مِعْوَلَ هَدْمٍ لِمُجْتَمَعِهِ فِي نَشْرِ الْفَسَادِ، وَمُدَافَعَةِ الْخَيْرِ وَالْإِصْلَاحِ، لَا تَجِدُهُ إِلَّا غَمَّازًا لِلشَّعَائِرِ وَأَهْلِهَا، شَائِعًا لِلْفَوَاحِشِ وَمُقَدِّمَاتِهَا، يَشْمَئِزُّ إِذَا ذُكِرَ اللهُ، وَيَسْتَبْشِرُ إِذَا صُدَّ عَنْ سَبِيلِهِ.
شَعَرَ المُجَاهِرُ أمْ لمْ يَشْعُرْ أنَّه يحْمِلُ مَشْروعَ هَدْمِ المجتمعِ وخَرْقِ سفينتِه، وأنَّ نهايةَ هذا المشروعِ إغراقُ المجتمعِ في أزمات وهلاك وبلاءات: (أنهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخَبَثُ ))).
وأسوأُ صورِ المجاهرةِ بالمحرماتِ هو أن تُشَرْعَنَ هذه المجاهرة، أو أنْ تفرضَ على أنها نوعٌ من الحرية، وحقٌّ من الحقوقِ المرْعِيَّةِ، فتُسْتَعْلَنُ بالمحرَّمات التي نُقِلَ الإجماعُ على تحريمها، ثم يُجادل في حِلِّها ويُحامى عنها تحتَ ذريعة أنَّه قول قيل فيهِ بالجواز، وبالتالي ففي المسألة قولان، حتى رقَّ الدِّين بعد ذلك ولان، ويُعرض عن مئاتِ العلماءِ القائلينَ بالتَّحْرِيْمِ، بل وبالنَّصِ الشَّرعِيِّ الصحيحِ الدَّالِ على حرمتِهِ.
عباد الله : وإذا كانَ قَدَرُ المجتمعِ أنْ تَظْهَرَ فيه المنكراتِ وتُسْتَعْلَنَ وَتُفْرَضَ، فمن الواجب الشرعي الذي لا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ إلَّا به، أنْ يُعْلَنَ إنكاره صراحة، إبراءً للذمَّة وإعذاراً عند الله
إذا وُجِدَ المنكرُ وانْتِفَشَ وارتفعَ فالواجبُ على كلِّ مسلمِ محبٍّ لدينه، غيورٍ على مجتمعهِ، أن يكونَ موظَّفَ حُسْبَةٍ، وأن يستجيب لله، فيكون من أولي البقية الذين ينهون عن السوء
.
إن وجودَ هذه الفئةِ الناصحةِ المصلحةِ هو أعظمُ مَكْسَبٍ للمجتمعات، فبهم تُستدفعالعقوبات، وبهم تدرك الأمة الخيرية: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله ) 
أما إنْ غابتْ هذه الفئةُ أو حُجِّمت وخُنقت، فَظَهَرَتِ المنكراتُ ثمَّ اسْتَحْكَمَتْ، وإذا تجذَّرَتْعَسُرَ إِزَالتُها، وَذَهَبَتْ مِنَ القلوبِ وَحْشَتُها
إِذَا راجتْ، المنكراتُ علانية وارتفع سُوقها، وتعطل النكير، وخَفَتَ صوتُه، كَثُرَ الْمُتَلَصِّصُونَ عَلَى الْأَعْرَاضِ، وَالْمُتَجَرِّئُونَ عَلَى الْحُرُمَاتِ، وَرَاجَتْ ثَقَافَةُ التَّنَكُّسِ الْأَخْلَاقِيِّ، والتطاول على الدِّين، ووَيْلٌ يومئذ لِلْأَخْيَارِ مِنَ الْفُجَّارِ، وَوَيْلٌ لِلصَّالِحِينَ مِنْ سَفَهِ الْجَاهِلِينَ، 
وَانْتَظِر حِيْنَها وبَعْدَهَا، العُقُوبَةَ أيَّاً كان نوعها: من أزماتٍ اقتصاديةٍ، أو شيوعٍ للظلم، أو حصولٍ للفرقةِ والتنافرِ، والتباغض والتدابر، (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)
يا أهل الإيمان والغيرة ... كم هو مؤسف ومؤلم أن تأتي المجاهرة بالمحرمات من هيئاتٍ رسمية، المفترض منها والمنتظر أنْ تَحْمِلَ هويةَ البلد، وأن تراعي تديُّنَ المجتمع، لا أن تكون قنطرة لاستيراد ثقافات المغضوب عليهم والضالين
.
نعم للترفيه المباح الحلال النقي، للرقي بالفرد، وبناء جسمه وعقله، وتعريفه بتاريخه وأمجاده، مع التنفيس عنه وإسعاده، في حدود ما أباح الله.
نتمنى ألا تختصرَ الترفيه بالرقصات، والتمايل مع النغمات، وتطبيع الاختلاط في المجتمعات، فهل خلت برامج الترفيه إلا باللجوء إلى المحرمات

.هذه البلاد لها صبغتها الدينية المتميزة فعبر فجاجها مشى خير الخلق صلى الله عليه وسلم، وفي حَرَمِهَا حجَّ الأنبياء وثجُّوا، وحاكمها يتصف بصفة ( خادم الحرمين الشريفين )ومهما شرَّق الفساد وغرَّب، ومهما علا وأصخب، فالواجب أن تبقى هذه البلاد عصيَّة عن المنكرات، وسدَّاً منيعاً على كل صاحب شهوة مسعورة، أو صاحب فكرة موتورة يسعى لتطبيع المجتمعات بالانفتاح غير المنضبط تحت ذريعة الحريات
.
كم مرَّت رياح التغريب على بلاد فأفسدتها ثم أفقرتها، فما أغنت عنهم مناظر التفسخ والاختلاط من شيء، وما جلبت لهم إلا فساد الأخلاق والقيم.
ألا فليعلمْ كلُّ داعية إلى الفساد أن مشروعه سيصطدم بمجتمعه المحافظ، الذي لم ولن يرضى أن ينهزم في معركة الدين والأخلاق
.
وليعلم كل مجاهر أو مبرر.. أنك سترحل وستذهب، ولكن ستبقى أعمالك وآثارك، وستراها مسطورة أمامك في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد )ِ

الخطبة الثانية
أما بعد فيا أخي الكريم ارعِ لنا السمع واستجمع معنا القلب لهذا الخطاب الإنذاريالمحمدي لأمته حال ظهور المنكرات، فلْنَسْتَشْعر جميعاً حكاماً ومحكومين، رؤساء ومرؤسين، أننا نحن المخاطبون من نبينا صلى الله عليه وسلم ، ثم لننظر بعدها مدى استجابتنا لها، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )

أخي الحبيب ... حدثنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم 
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ للهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ .

وضرب حبيبنا صلى الله عليه وسلم النهي عن الفساد بهذا المثل فقال: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا). أخرجه البخاري
.
وحدثنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم فقال: (من رأى منكُم منكرًا فلْيُغَيِّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان).
والله عزوجل حذرنا من اللعنه وضرب لنا مثلاُ ببني اسرائيل فقال : ( لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يتعدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون )

فحدِّد موقفك من هذا التغيير ، ولا تحتقر النصيحة بخطاب أو مقال
أو بمشافهة أو رسالة جوال، ويكفي أنك قدمت بعد أن علمت، ويكفي أنك كنت إيجابياً ولم تقل هلك الناس.
وبعد الممانعة والمقاطعة فكم نحن بحاجة أيها الكرام أن نقدم للمجتمع مشروعات
بديلة يُجاهر فيها بالفضائل والبدائل، لتغسل تلك الجهود ما أفسدته مشاريع السوء،( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ). 

 

الخميس، 3 يناير 2019

قصة قوم سبأ

قصة قوم سبأ....آيات وعبر
 فاتَّقوا الله - عباد الله - وأطيعوه، واشكروه على فضله ونعمه ولا تَكْفروه؛ فإن النعم تزيد بشكرها، وتزول بكفرها؛ ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].
 أيها الناس: في كتاب الله - تعالى - الهدى والرشاد، والنجاة والفلاح، فمن اهتدى به هُدي، ومَن تمسَّك به نجا، فلا يضل ولا يشقى؛ ﴿ ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: بتلاوته وفَهْمه عرَف العبادُ ربَّهم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وعلموا الفرائض والحلال والحرام، وطالعوا تواريخ مَن قبلهم فاعتبروا بها، وجانَبوا طُرُقَ المكذِّبين؛ لئلا يصيبهم ما أصابهم.
 ومما قصَّ الله - تعالى - علينا من أخبار السابقين؛ للعلم، والعظة، والاعتبار: قصةُ قوم سبأ، وسُمِّيت السورة باسمهم؛ لعظيم ما في قصتهم من العلم والعظة، وبداياتُ السورة فيها بيان ربوبية الله تعالى، وقدرته سبحانه، وألوهيته - عز وجل - وفيها الإخبار عن إنكار كفار مكة للبعث والجزاء، وسخريتهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد هدَّدهم الله - تعالى - على ذلك بالعذاب مِن فوقهم، أو من تحت أرجلهم، ثم أعقب ذلك بقصة داود وسليمان - عليهما السلام - ثم قصة قوم سبأ.
 ويشترك أصحاب القصتين في أن الله - تعالى - قد أنعم عليهم بالخيرات، ورزقهم من الطيبات، حتى شبعوا وأَمِنُوا، ولكن آل داود آمنوا وشكروا، وآل سبأ بطروا وكفروا، فكانت القصتان مثَلين لأمَّتين إحداهما شكورة، والأخرى كفورة، وكانت أمَّة داود الشكورة المرحومة مثلاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومَن آمن معه، وفي ذلك تثبيت لهم على إيمانهم، وربط على قلوبهم، كما كانت أمَّة سبأ الكفورة المعذَّبة مثلاً لكفار قريش؛ لإنذارهم من العذاب كما عذب الله - تعالى - قوم سبأ.
 فجدير بأهل القرآن وهم يتلون هذه القصة أن يدركوا هذا المعنى العظيم، وأن يتَّعظوا بما حلَّ بقوم سبأ؛ لئلا يسلكوا مسلكهم، وليجانبوا طريقتهم.
 إن سبأً قومٌ اكتملتْ نِعَمُهم، ودُفعت النقم عنهم، وكُفُوا مؤونة الطعام والشراب ؛ فأرزاقُهم حاضرة، وأرضهم مخضرَّة، وسماؤهم ممطرة، وثمارهم يانعة، وضروعهم دارَّة، تحيط بمساكنهم الأشجارُ والثمار، وتملأ جنبتي بلادهم؛ فلا يسيرون إلا في خضرة من الأرض، ولا يأكلون إلا أطيب الطعام والثمار، يشربون من الماء أعذبَه، ويتنفسون من الهواء أنقاه، حتى ذكر المفسِّرون خلو أرضهم وأجوائهم من الهوام والحشرات المؤذية، وهذا من أكمل ما يكون للعيش الرغيد، والراحة التامة، والنعم الكاملة.
 ولم يطلب ربُّهم - سبحانه - منهم مقابلَ هذه النعم المتتابعة إلا الشكر له عليها، بإقامة دينه، وتحقيق توحيده؛ ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ [سبأ: 15]، فوصفها الله - تعالى - بأنها بلدة طيبة؛ فكل شيء فيها طيِّب.
 فنالوا غاية ما يطلبه البَشَرُ في معايشهم من طيب الهواء، والماء، والطعام، والمسكن، والبلاد، وقد عفا الله - تعالى - عنهم ما مضى مِن كفرهم وتجاوزهم، فلم يستأصلهم به، ودعاهم - سبحانه - إلى شكره، بتذكيرهم بمغفرته ورزقه؛ ﴿ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ [سبأ: 15].
 لكنهم قابلوا دعوة الله - تعالى - لهم بالإعراض والاستكبار، والإعراضُ أشدُّ أنواع الكفر، فاستحقوا العذابَ والدمار؛ ﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ [سبأ: 16]، ففتح الله - تعالى - عليهم السد ؛ ليغرق بلادهم، ويهلك الحرث والانعام ، ويتلف الاشجار والثمار، فأضحتْ بلادُهم بعد الخضرة مغبرَّةً، وبعد الجدة مقفرةً، وبعد السَّعة ضيقةً، وذهبتْ النعم في لمح البصر، وصاروا ممحلين لا يلوون على شيء. أكل خمط ردئ النوع ، وأثل لا ثمر فيه ، وشيء من سدر قليل ( كثير الشوك قليل النفع ) 
 فما أعظمَ قدرةَ الله - تعالى - على البشر! وما أسرعَ زوالَ النعم! وتبدُّلَ الأحوال! وذلك بما كسبتْ أيديهم؛ فإن الله - تعالى - ﴿ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: 44]، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]، فلم تتغير نِعَم سبأ عليهم إلا لما أعرضوا عن دين الله – تعالى - ولم يشكروا له نعمه - عز وجل - ولذلك بيَّن الله - تعالى - سببَ زوال نعمتهم، بقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الكَفُورَ ﴾ [سبأ: 17].
 لقد كان من عظيم ما أنعم الله - تعالى - به عليهم، أنهم كُفُوا مؤونة السفر ومشقته، ورُفِع عنهم عنَتُ الطريقِ ولصوصه، فارتاحوا في سفرهم وأَمِنوا، وسببُ ذلك اتِّصالُ القرى بينهم وبين الأرض المباركة، فكانوا يسافرون من اليمن إلى الشام في أمن وطمأنينة، لا يحملون للسفر زادًا لوفرته في طريقهم، ولا يعدون له عدة؛ بل يسيرون فيه ما شاؤوا، ويستريحون في القرى التي في طريقهم، وهي على مراحل لا تنقطع عنهم؛ ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ﴾ [سبأ: 18].
 فتمَّتْ نعم الله - تعالى - عليهم في بلادهم، ثم أكملها - سبحانه وتعالى - لهم في أسفارهم، فبَلَغ مِن كفرهم بنعمة ربِّهم عليهم في أسفارهم أنهم قالوا﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ [سبأ: 19]، فبطروا هذه النعمة العظيمة، ودَعوا بالمشقَّة والبُعد.
 لقد كان قوم سبأ ظالمين لأنفسهم بهذا التعدي في الدعاء، مع الإعراض والتحدي، فكانت عقوبة الله - تعالى - لهم أن أفقرهم بعد الغنى، وشرَّدهم بعد الاستقرار، وفرَّقهم بعد الاجتماع، ومزَّقهم في الأقطار، وجعل خبرَهم أحاديثَ يتحدَّث بها الناس في مجالسهم، ويحكون ما جرى لهم، وضرب العربُ المثلَ بتفرُّقهم وشتاتهم، فقالوا: "تفرقوا أيدي سَبَا"، أو: "ذهبوا أيادي سَبَا"؛ بل صار تفرُّقهم مثلاً لكل تفرُّقٍ عظيم.
وجاء في حديث ابن عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قال: "إن رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن سبأ ما هو: أَرَجُلٌ، أَمِ امْرَأَةٌ، أَمْ أَرْضٌ؟ فقال: ((بَلْ هو رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً، فَسَكَنَ الْيَمَنَ منهم سِتَّةٌ، وَبِالشَّامِ منهم أَرْبَعَةٌ))؛ رواه أحمد.
 ﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [سبأ: 19].
 إن خبرهم كان آياتٍ لكل صبار شكور؛ لأنهم لم يكونوا شاكرين نِعَمَ ربِّهم عليهم، ولم يكونوا صابرين لما ذهبتْ خيراتُهم، وأمحلتْ أرضُهم، وهذا من خذلان الله - تعالى - لهم، وإلا لو صبروا وتابوا، لعاد الله - تعالى - بالخير عليهم كما سلبه منهم بكفرهم، ولكنهم قوم حُرموا الصبر كما حُرموا الشكر، فمُزِّقوا كلَّ ممزَّق، وفُرِّقوا شذرَ مذرَ.
 الخطبة الثانية
فاتَّقوا الله - تعالى - وأطيعوه، واشكروه على نعمه ولا تكفروه؛ ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34].
 أيها المسلمون: لقد ختم الله - تعالى - قصةَ سبأ بإخبارنا أن في قصتهم آياتٍ عدةً، وليست آية واحدة؛ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}، وبتلمُّس بعض هذه الآيات يَبِينُ لنا العجبُ العجاب من بلاغة القرآن وإيجازه وإعجازه، وموعظة الله – تعالى - لنا بهوبقصصه.
 فمن الآيات في قصة سبأ: أن حالة مساكنهم ورغدهم كانت آية على قدرة الله - تعالى - ورحمته وإنعامه، وفي إرسال السيل عليهم آية أخرى على شدة انتقامه، وسرعة عذابه، وفي تحوُّل حالهم من النعمة إلى النقمة آية على أن الله - سبحانه وتعالى - هو المالك المدبِّر المتصرِّف في عباده بما شاء، فيُعِز ويُذِلُّ، ويَرفع ويَخفض، ويُعطي ويَمنع، ويَرحم ويُعذِّب، وله الحجة البالغة على عباده، وله الحكمة الباهرة في أفعاله.
 وفي انعكاس حالهم من الرفاهية إلى الشظف آيةٌ على تقلُّب الأحوال، وتغيُّر العالم، وآيةٌ على صفات الله - تعالى - من خَلْقٍ ورِزق وتدبير، وإحياء وإماتة، ويستفيد العباد من ذلك عدمَ اغترارهم بدوام الخير والنفع، ولا يأسهم من ارتفاع الشر والضر؛ فإن الله - تعالى - يغير من حال إلى حال..
 كما أن فيها آيةً على أن الأمن أساس العمران؛ ولذا لا بدَّ للبشر من تحصيل أسبابه، وتوطيد دعائمه، وتثبيت أركانه؛ إذ لا عيش لهم إلا بأمن، ورأسُ ذلك توحيد الله - تعالى - وطاعته، واجتنابُ المحرَّمات، والأخذُ على أيدي السفهاء المفسدين.
 وفي تمنِّيهم زوالَ النعمة التي هم فيها بدعائهم على أنفسهم آيةٌ على ما قد تبلغه العقولُ البشرية من السَّفه والانحطاط، والإضرار بالنفس والأمة، والتسبُّب في زوالها وفنائها؛ ولذا جاء النهي في الشريعة المباركة عن الدعاء على النفس والولد والمال، وهو من العجلة المذمومة؛ ﴿ وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا ﴾ [الإسراء: 11]، وفي حديث أُمِّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تَدْعُوا على أَنْفُسِكُمْ إلا بِخَيْرٍ؛ فإن المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ على ما تَقُولُونَ))؛ رواه مسلم.
 وفي حديث آخر قال - صلى الله عليه وسلم ))لا تَدْعُوا على أَنْفُسِكُمْ، ولا تَدْعُوا على أَولادِكُمْ، ولا تَدْعُوا على أَمْوَالِكُمْ؛ لا تُوَافِقُوا من الله سَاعَةً يُسْأَلُ فيها عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيب لَكُمْ))؛ رواه مسلم.
 وفيما صار إليه قوم سبأ من النزوحِ عن الأوطان، والتشتُّتِ في الأقطار - آيةٌ على ما يُلجئ الناسَ إلى ارتكاب المكاره والأخطار، ومفارقة الديار والأوطان؛ فالاستقرار نعمة لا يعرف قدْرَها إلا المشرَّدون!
 كما أن في هذه القصة العظيمة دليلاً على قدرة الرب - جل جلاله - على تحويل النعم إلى نِقم، وقلبِ المنح إلى محن؛ ذلك أن الماء نعمة عظيمة، لا حياة لمن في الأرض إلا به؛ ولذلك يحتجزه الناس بالسدود، وهي من أعظم نعم الصناعة التي هُدِيَ البشر إليها، وانتفعوا بها، لكن الله - تعالى - حوَّل هذه النعمة العظيمة إلى نِقمة كبيرة على أهل سبأ، حين انطلق سيلُ سدِّهم عليهم، فأحال ديارَهم وجناتِهم خرابًا يبابًا.
 وهذه القصة دليل على أن مِن سنة الله - تعالى - في عباده أنه - سبحانه - يجزي الشاكرين زيادةً ونماء، ويجازي الكافرين خذلانًا وعذابًا؛ ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الكَفُورَ ﴾ [سبأ: 17]، فمَن فهم هذه السُّنةَ الربانية وعمل بموجبِها، كان له الأمن والنعيم في الدنيا والآخرة، ومَن حاد عنها، وأعرض عن تذكير الله - تعالى - بها، كان من الهالكين.
 ومن رأى حالنا، علم أن نعم الله - تعالى - قد اكتملتْ لنا كما اكتملت لسبأ؛ فرِزْقُ الله - تعالى - يتتابع علينا، ونعمه تحيط بنا، وقد أمَّنَنا في أوطاننا، ويَسَّر أسفارنا، ومِن كل خير أعطانا؛ فلنحذر أن نكون كما كان قوم سبأ، ولنكن كآل داود شكرًا للنعم؛ ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13].
 قال الحكماء: "ما زال شيء عن قومٍ، أشد من نعمة لا يستطيعون ردَّها"، وقالوا: "مَن لم يشكر النعمة، فقد تعرَّض لزوالها، ومَن شكرها، فقد قيدها بعقالها".