إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 10 ديسمبر 2018

فضائل الاستغفار

( فضل الاستغفار )
الخطبة الاولى : 
إن حال المسلمين -يا عباد الله- حال شديدة، وإننا أمام الدنيا في ضعف، وأمام الكفار في ضعف، وقد انغمس المسلمون في الشهوات، واشتغلوا بالدنيا، واسلموا إخوانهم للأعداء، وهذا الحال يحتاج إلى تغيير، ولابد أن يكون لنا وقفة؛ لنصلح ما أفسدنا بيننا وبين ربنا -عز وجل- هذا تقصيرنا واضح، قد أدى فيما أدى إليه، من ذهاب بعض بلاد المسلمين، وحصول تداعي أعداء الله علينا، وغلاء الاسعار وقلة الامطار ونقص الاموال.. إن المخرج يكون في الصلح مع الله تعالى، ولابد للمسلمين اليوم من أن يؤبوا إلى ربهم، ، هذا القحط، والجدب، واحتباس المطر، وانقطاع الغيث، أليس تذكرة من الله؛ ليرجع العباد إليه تائبين مستغفرين؟ 
والاستغفار ، العودة إلى الله: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ ) ونحن لا نخلوا من المعاصي والتقصير، فنحن في حاجة إذاً إلى التوبة، 
والاستغفار ليس شيئاً باللسان يقال: فقط، وإنما هو يقع في القلب، ومن قال بلسانه: استغفر الله، وهو غير مقلع بقلبه فهو داع بلسان، لكن القلب غير حاضر، ، 
طلب المغفرة هي : طلب وقاية شر الذنوب مع سترها، وإذا غفر الله لعبد فقد وقاه شر ذنبه، وغطى عنه ذلك الذنب، ، والله يذكر عباده بالشدائد، وما يحدث لنا اليوم شدائد، لما وقع الزلزال في زمن عمر بن عبد العزيز؛ كتب إلى عماله في البلدان، أمرهم أن يأمروا المسلمين بالتوبة إلى الله، والضراعة، والاستغفار من ذنوبهم، 
إنه استغفار فيه لجوء إلى الرب، والله -عز وجل- لا يعذب القوم المستغفرين، كما قال: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) الأنفال:33. الاستغفار: طلب المغفرة من الغفار، ومن أسمائه أيضاً الغفور -سبحانه وتعالى- كثر ستره لعباده، وتجاوزه عن خطاياهم، والعبد أحوج شيء إلى الاستغفار؛ لأنه يخطئ بالليل والنهار طلب إقالة العثرات: ( غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ  )غافر:3.
الاستغفار من أعظم الطاعات وأنفع القربات ، ختام الأعمال الصالحة مع كونها صالحة، فتختم الصلوات بالاستغفار، وقيام الليل بالاستغفار، وكذلك في الحج: ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ) 
وختام المجالس الاستغفار، الاستغفار بالأسحار بعد قيام الليل في الطاعات أيضاً، وليس في المعاصي فقط؛ لأن العبد لا يخلو من التقصير، وأما إذا ظلم نفسه، فإنه يستغفر ربه ) : ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ(  . وقد أمرنا الله تعالى به فقال( وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) هود:3) .  فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ) فصلت:6
وهكذا أمر الأنبياء أقوامهم ) : وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ )  هود:52كما قال هود لقومه، وكذلك قال صالح - عليه السلام-: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ هود:61 .وقال شعيب لقومهوَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) هود:90
إن هنالك أناساً يأتون يوم القيامة في غاية السرور والحبور لماذا؟ قال -عليه الصلاة والسلام (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيرا) ، رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح، 
بل ( إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول: أنى هذا؟ من أين لي هذا؟ لا يراه في عمله، فيقول: أنا هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك)، وهو حديث حسن، 
وكذلك قال -عليه الصلاة والسلام (من أحب أن تسره صحيفته، فليكثر من الاستغفار)، فهنيئاً إذاً للمستغفرين، وهنيئاً لآباء المستغفرين الذين يستغفرون لهم، 
بل النبي –صلى الله عليه وسلم– وهو العليم بأحوال النساء قال (يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار)،
إن الاستغفار ينتج عملاً عظيماً، ويغفر الذنب الكبير، قال -عليه الصلاة والسلاممن قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحفإن الفرار من الزحف كبيرة ؛ لكن الاستغفار يرفع ذلك كله، 
والله -عز وجلينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة ليقول للعباد: هل من مستغفر فأغفر له حتى ينفجر الصبح )، 
والنبي -عليه الصلاة والسلام- إمامنا، وقدوتنا، وحبيبنا، وأعظم الأمة، وأعبد العباد قال(وإني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة )،.
عباد الله: 
إن مغفرة الله عظيمة (يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي) ؛ لأن الله لا يعجزه شيء؛ لأن الله لا يثقل عليه شيء، لا يصعب على الله شيء (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).
إن الاستغفار لجوء العبد إلى الله؛ ولذلك لو كان العباد لا يذنبون لذهب الله بهم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم، 
فالله يريد من العباد أن يستغفروه، يريد منهم أن يلجأوا إليه، يريدهم أن يطلبوا منه المغفرة: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ ) . هؤلاء في الخشوع، والتصدق، والصيام، وحفظ الفرج، وذكر الله؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- أعد لهم مغفرة، هؤلاء الله -سبحانه وتعالى- يغفر لهم على أعمالهم هذه ...هؤلاء الله -عز وجل- يوفقهم لأنهم من المستغفرين بالأسحار
يقول أبو موسى: كان فيكم أمانان، كان فيكم -أيها الصحابة- أمانان، كانت فيكم يا -أيها الأمة- في صدرها أمانان: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ الأنفال:33 . هذا الأمان وجود النبي في الأمة: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الأنفال:33. هذا الأمان الثاني، الاستغفار، قال: أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد مضى لسبيله، ، ، قال: وأما الاستغفار فهو كائن بينكم إلى يوم القيامة، فبقي الاستغفار معنا، فإذا ذهب هلكنا 
الاستغفار هو الاستغفار الحقيقي الذي فيه الندم، والإقلاع عن الذنب، أما استغفار بلا إقلاع، قال العلماء: توبة الكذابين، 
سئل سهل التستري عن الاستغفار الذي يكفر الذنوب قال: أول الاستغفار الاستجابة، ثم الإنابة، ثم التوبة، فالاستجابة أعمال الجوارح، والإنابة أعمال القلوب، والتوبة: الإقبال على المولى؛ رجاء أن يغفر له ما فعل،
القرآن يدلنا على الداء والدواء، الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، قال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقاتكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة، 
قال ابن دينار: "كان الأبرار يتواصون بثلاثة: بسجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة" أي: عدم مخالطة الخلق إلا فيما ينفع، 
قال أحد السلف : أنتم تكثرون من الذنوب فاستكثروا من الاستغفار، فإن الرجل إذا وجد في صحيفته بين كل سطرين استغفار سره مكان ذلك، إذا رأيت بين كل سطرين في صحيفتك استغفاراً، فأنت لا تفعل شيئاً إلا وتستغفر بعده إن كانت طاعة استغفرت من التقصير من العجب من الرياء، وإن كانت معصية استغفرت منها؛ لئلا يعاقبك.
جاء سفيان إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين زين العابدين قال: لا أقوم حتى تحدثني قال: أنا أحدثك وما أكثرت الحديث لك الا بخير ، يا سفيان: إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها، فأكثر الحمد والشكر، فإن الله قال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ )إبراهيم:7
يا سفيان: إذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار، فإن الله قال: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ) نوح:10-11، 
يا سفيان: إذا حزبك أمر من سلطان، أو غيره فأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها  مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة. 
إبليس أهلك الناس بالمعاصي وبأي شيء يهلكونه بالاستغفار، 
وقال الأعرابي:من أقام في أرضنا فليكثر من الاستغفار، فإن مع الاستغفار القطار، وما هو القطار: السحاب العظيم القطر.
استغفر الله من استغفر الله من***  لفظة بدرت خالفت معناها،
وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد ***  سددت بالذنب عند الله مجراها
يا عباد الله: العبد بين ذنب ونعمة ، فيحمد ربه على النعمة، ويستغفر ربه من الذنب،
الاستغفار طاعة لله، الاستغفار سبب مغفرة الذنوب: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً )نوح:10، الاستغفار سبب نزول الأمطار: يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً نوح:11 . الاستغفار مدد بالمال والبنين: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ) نوح:12
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً نوح:10. هذه الفائدة الأولى للاستغفار يغفر الذنوب، 
اثنين: نزول الأمطار: يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ) نوح:
ثلاثة: الرزق بالأموال: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ ) نوح:12، 
أربعة: الاولاد ، نوح:12، 
خمسة: دخول الجنة: وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات ) نوح:12
ستة، كما في الآية الأخرى: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ )هود:52. قوة بدنية، قوة السلاح. القوة بجميع أنواعها، 
سبعة: المتاع الحسن: يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً ) هود:3..راحة البال وطمأنية القلب ، ليس متاع فقط ، بل متاعاُ حسنا
ثمانية دفع البلاء والعذاب: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )الأنفال:33
إنها أسباب تدفع للحرص على هذه العبادة، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم اغفر لنا ما قدمنا، وما أخرنا، وما أسررنا، وما أعلنا، وما أسرفنا أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، 
الخطبة الثانية : 
عباد الله، قال -عليه الصلاة والسلام- مذكراً بالمناسبات التي تكون فيها هذه العبادة، كان إذا دخل المسجد صلى على محمد –صلى الله عليه وسلم-، وقال: ( رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك) ، وإذا خرج -صلى على محمد وسلم-، وقال: (رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك) . حتى في المسجد دخولاً وخروجا، 
وبعد الوضوء مع أنه عباده علمنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله تفتح أبواب الجنة الثمانية بهذا الدعاء العظيم:" سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك"، فيقال ختام المجلس، ويقال بعد هذه العبادة أيضاً، 
وكذلك الاستغفار في الركوع والسجود كان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم أغفر لي"،
وبين السجدتين: " رب أغفر لي رب أغفر لي"، 
وأيضاً فإنه كان يقول هذا في التشهد الأخير علمه للصديق: " اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، 
وعقب الصلاة: استغفر الله استغفر، الله استغفر الله، ثلاثاً، 
وكذلك يودع الميت بالاستغفار، وفي دعاء الجنازة استغفار للميت، وأعظم ما يصل للميت ما هو؟ الدعاء، الدعاء بالمغفرة والرحمة، والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات فضله عظيم، وأجره كبير، وربما يكون له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة،
وقال عليه الصلاة والسلام (( سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة. ومن قالها من الليل وهو موقن به فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة )) رواه البخاري.
وتأمل في حديث: ( اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، واسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي، وهزلي، وخطأي وعمدي، وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير) هل أبقى شي ؟
عباد الله، إن هذا القحط، وتأخر نزول المطر لا شك بذنوبنا، ولابد أن نرجع إلى الله -سبحانه وتعالى- فإنه -عز وجل- يرزق العباد إذا رجعوا إليه.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا اللهم أغثنا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقي عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق، اللهم أسقنا الغيث، أغثنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً، مريئاً، غدقاً، مجللاً، عاماً، طبقاً، نافعاً غير ضار، عاجلاً غير ضار، يا أرحم الراحمين.
اللهم أحيي البلاد والعباد، اللهم أسق عبادك وبهائمك وأحيي بلدك الميت، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا نسألك الأمن والإيمان والسلامة والإسلام.

3

الفتح الأول لبيت المقدس

الفتح الاسلامي لبيت المقدس
الخطبة الاولى : 
 أيها المُؤْمِنُونقراءة الحوادث، والإلمامُ بالتواريخ، والاطِّلاعُ على أحوال الدول، ومصير الأمم؛ يقود إلى الاعتبار والادِّكَار، ويكون سببًا للزُّهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة؛ لأنَّ العبد يرى فيما يقرأ أشخاصًا تملَّكوا ثم مُلكوا، وأممًا عزت ثم ذلت، ودولاً أقبلت ثم أدبرت، ولا يبقى إلا وجهُ ربك ذو الجلال والإكرام﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ ﴾ [غافر: 16].
 ومما سجله التاريخُ: ما وقع في شهر ربيع من فتح بيت المقدس، مَسْرَى خاتم النبيين محمدٍ صلى الله عليه وسلم إذ جمع له فيه الأنبياءُ كلّهم عليهم الصلاة والسلام فأمّهم في الصلاة
كان هذا الفتحُ العظيمُ في عهدِ الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولكن بشائره كانتْ زمنَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تدين له العرب، وقبل أن تفتح على يده مكَّة. كانت تلك البِشَارةُ حينما قابل هِرَقلُ الروم أبا سفيانَ، وكفار قريش وسألهم جملة من الأسئلة عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وكانت تلك المقابلةُ بإيلياء؛ أي (بيت اللهالذي هو بيت المقدس.
 فما أن انتهى هرقلُ من أسئلته، والمشركون من إجابة تلك الأسئلة، حتى أطلق هرقلُ تلك البشارة التي أَذْهَلَتْ كفار مكة. قالها وهو يتحسَّر على ملكه، ونفسُه يتنازع فيها داعي الإسلام وداعي الملك، وقلبُه يضطرب بين حظّ الدنيا وفوزِ الآخرة؛ لكنه في نهاية المطاف اختار الملك والدنيا؛ فخسر الملك والدنيا والآخرة.
قال هرقلُ لأبي سفيان رضي الله عنه: "فإن كان ما تقولُ حقًّا فسيملك موضعَ قدميَّ هاتَيْن، وقد كنتُ أعلمُ أنَّه خارج، لم أكن أظنّ أنه منكم، فلو أعلمُ أني أخلصُ إليه لتجشَّمتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغسلتُ عن قدمه.
 إنها آيةٌ بينة، وبشارةٌ مُتَقَدِّمَة، بشارةٌ بفتح بيت المقدس، وإزالة عرش الرومان، وكانت تلك البشارةُ قبل أن تُفْتَح مكَّة، فما أعظمها من آية!! وما أطيبها من بشارة!!
 ودار التاريخ دورته، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كمل به الدين، وتَمَّتْ بهالنِّعْمَة، ثم تَوَلَّى خليفتُه الصديقُ الأول فقضى على الرِّدَّة، وأرسى دعائم المِلَّة، ثم انسابَتْجُيُوشُه الفاتحة صوبَ الشَّام تحقيقًا للبِشَارة، ومات الصِّدّيقُ رضي الله عنه وجيوشُ الإسلام قاب قَوْسَيْن أو أدنى من تحقيق البشارة، وخَلَفه الفاروقُ عُمرُ، وجيوشُ الحق تواصل فتحها؛ حتى بلغت بيت المقدس، فحاصر المُسْلِمُون أهلها، ثم تصالحوا بعد الحصار، وقيل: بعد القتال على أن يقدم الخليفة عمرُ رضي الله عنه من المدينة ليباشرَ الصلح بنفسه؛ لما علموا من سيرته وعدله.
 فكتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بشرطِ أهل إيلياء، فشاور عمرُ أصحابه في الخروج، ثم انشرح صدرُه إلى القدوم على بيت المقدس، واستخلف عليًّا على المدينة.. وسار إلى حيثُ مدينة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكتب إلى أُمَراء الأجناد أن يستخلفوا على أعمالهم ويوافوه بالجابية، وفي رواية أخرى: أنه وافاهم عند بيت المقدس
فلما بلغ الجابية من أعمال الشام نزل بها، وخطب خطبة بليغة طويلة مشهورة كان منها قوله رضي الله عنه: " أيها الناس، أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكمُ تُكْفَوْا أمر دنياكم، واعلموا أنَّ رجلاً ليس بينه وبين آدم أب، ولا بينه وبين الله هوادة، فمن أراد لَحْـبَ وجه الجنة - أي طريقها - فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد..." إلخ خطبته البليغة
 وجاءه رجل من يهود دِمَشْق فقال له: "السلام عليك يا فاروق، أنت صاحبُ إيلياء لا والله لا ترجعُ حتى يفتحَ اللهُ إيلياء".
 وصالح عمرُ أهل الجابية ثم سار وقادته إلى بيت المقدس، وكان رضي الله عنه في غايةِ التواضع والاستكانة والذّلَّة لِله رب العالمين، قال أبو الغادية المزني: "قدم علينا عمرُ الجابية، وهو على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه عمامةٌ ولا قلنسوة، بين عُودَيْن، وطَاؤه فرو كبْش نجدي، وهو فراشه إذا نزل، وحقيبتُه شملةٌ أو نَمِرةٌ مَحْشوةٌ ليفًا وهي وسادته، عليه قميص قدِ انخرق بعضه، ودَسَم جيبُه". 
هكذا نقلوا في وصف مركبه وملبسه، وهيئته وعُدَّتِه، ولو أراد رضي الله عنه للبس الحرير، ومشى على الديباج، وركب أصيلات الخيـل. ولو شاء لحمل معه المتاع الكثير، ولأحاطت بهالمراكب، وحفّت به المواكب؛ ولكنه رضي الله عنه علم قيمة الدنيا فأعطاها مُستحقها، وعلم قدر الآخرة ففرغ قلبه لها، وعمل عملها، وسعى لها سعيها.
 وقد حاول أمراءُ الجيش أن يُحسِّنوا من هيئته المتواضعة أمام الأعداء؛ ولكن مَنْ يقدرُ على مَنْ؟ أيقدرون على عمرَ الذي كان الشيطان يخافُه، ويسلكُ فجًّا غير فجّهِ؟!
 قال له أبو عبيدة رضي الله عنه:"يا أمير المؤمنين، لو ألقيت عنك هذا الصوف، ولبست البياض من الثياب، لكان أهيبَ لك في قلوب هؤلاء الكفار، فقال عمر رضي الله عنه: "لا أحب أن أُعَوّد نفسي ما لم تعتده، فعليكم معشر المسلمين بالقصد".
 وباءت مُحَاولة أبي عبيدة بالفشل فحاول يزيدُ بنُ أبي سفيان رضي الله عنهما فقال: "يا أمير المؤمنين، إنَّا في بلد الخَصْب والدعة، والسعر عندنا بحمد الله رخيص، والخيرُ عندنا كثير من الأموال والدوابّ والعيش الرفيع، وحالُ المسلمين كما تحب، فالبس ثيابًا بيضًا واكسُها الناس، واركب الخيل واحمل الناس عليها؛ فإنه أعظم لك في عيون الكفار، وألْقِ عنك هذا الصوف؛ فإنَّه إذا رآك العدوّ على هذه الحال ازدراك، فقال عمر رضي الله عنه: "يا يزيد ما أُريد أن أتزيَّا للنَّاس بما يَشِينُني عند الله عزَّ وجلَّ ولا أريد أن يعظم أمري عند الناس، ويصغر عند الله عز وجل فلا ترادّني بعدها في شيء من هذا الكلام".
وواصل عمر رضي الله عنه مسيره إلى بيت المقدس على تلك الحال المُتَواضِعَة؛ فعرضت له مخاضة طين فَنَزل عن بعيره، ونزع نَعْلَيْه فأمسكها بيدٍ وخاض الماء ومعه بعيرُه، فقال له أبو عبيدة: "قد صنعت اليوم صُنعًا عظيمًا عند أهلِ الأرض، صنعت كذا وكذا، قال: فصكَّ في صدره وقال: أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذلَّ النَّاس، وأحقر النَّاس، وأقلَّ النَّاس، فأعزَّكم الله بالإسلام فَمَهْمَا تَطْلُبوا العزَّ بغيره يذلكم الله".
 فلما بلغ بيت المقدس خرجَ إليه بطْريَرْكها صفرونيوس وكتب عمر رضي الله عنه لهم الأمانَ لأنفسهم وأموالهم وكنائسم وصلبانهم، ولا ينتقص شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم في مقابل أن يعطوا الجزية للمسلمين، وسلَّم البَطْريَرْك مفاتيح القُدس لعمرَ بن الخطاب رضي الله عنه ثُمَّ بَكَى البَطْريرك فقال له عمر: "لا تحزن، هَوِّنْ عليك، فالدنيا دواليك، يومٌ لكويومٌ عليك"، فقال البطريرك: "أظننتني على ضياع الملك بكيت، والله ما لهذا بكيت، وإنما بكيتُ لما أيقنت أن دولتكم على الدهر باقية، ترق ولا تنقطع، فدولةُ الظلم ساعة، ودولةُ العدلِ إلى قيام الساعة، وكنت حسبتها دولة فاتحين تمر ثم تنقرض مع السنين".
وتَمَّ الفَتْحُ، ودخل عمر بيت المقدس من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وصَلَّى فيه مستقبلاً القبلة، وجعل يزيح بردائه الأقذار التي رماها النصارى في قبلته. ولما رأى المسلمون فعْلَ عمرَ أخذوا في تنظيف المسجد من أقذار النصارى، ثم بعد الفتح عاد رضي الله عنه إلى المدينة على ذات الجمل الذي قدم عليه، وعلى نفس الهيئة التي كان عليها قبل الفتح؛ لأنَّ اهتمامه رضي الله عنه ما كان بالشكليات والمظاهر، وإنما كان بأصول الشيء ومعانيه.
 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد: 7 - 8].
 الخطبة الثانية.
 أيها المؤمنونظل بيتُ المقدس عبر تاريخه الطويل حافلاً بالأحداث العظيمة منذ أن سكنه خليلُ الرحمن إلى يومنا هذا، وسيستمر حافلاً بالأحداث الكبرى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ إذ إن الأحداث العظام في آخر الزمان ستكون على أرضه كما صحت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
افْتَتَحَ بيتَ المقدس عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه في السنة الخامسة أو السادسة عشرة للهجرة، وظَلَّ تحت حكم المسلمين خمسة قرون؛ حتى استولى عليه الصليبيون في أثناء حكم العبيديين الباطنيين حينما حكموا الشام، ومكث في أيدي الصليبيين قريبًا من تِسْعينَ سنةً، ثُمَّ استردَّه المسلمون في حكم الأيوبيين، وظل في حوزة المسلمين أَكْثَرَ من ثمانية قرون، إلى أن جاء الاستعمارُ الظالم فاستولى عليه وسلّمه لليهود في أواسط القرن الهجري الماضي.
 إنَّ الملاحظ - أيها الإخوة - أنَّ المسلمين لما فتحوا بيتَ المقدسِ تحت إمرة عمر رضي الله عنه ما استلموا مفاتيحه من اليهود وإنما من النصارى؛ بل اشترط النصارى على عمر رضي الله عنه أن لا يسمح لليهود بدخوله؛ لأنَّهُمْ قَتَلَةُ المسيح حسب زعم النصارى، فكيف يسكنون بلد المسيح عليه السلام؟! ووافق عمر على هذا الشرط. وفي العهد الأموي تسلَّل إلى بيت المقدس عشرة يهود، واشتغلوا فيه خدمًا فَطَرَدَهُم عمرُ بن عبدالعزيز لما تَوَلَّى، ولما استولى الصليبيون عليه أبادوا من كان به من اليهود، وأحرقوا عليهم دورهمثم فجأة إذا بالاستعمار النصرانيّ يُسلّم القدس لليهود، فلماذا هذا التغير؟ وما الذي دهى النصارى؟
لقد لعِبتِ العصاباتُ الصِّهْيَوْنِيَّة الإنجيلية النصرانية لعبتها، وقذفت في روعِ النصارى أن نُزول المخلصِ عيسى - عليه الصلاة والسلام - الذي سيخلصهم من المسلمين حسب زعمهم لن يكون إلا باستيلاء اليهود على القدس، وتجمعهم فيها، وجعلها عاصمة لليهود وبناء هيكل سليمان، وأنَّ الحروب الصليبيَّة لن تتوقف إلا بذلك؛ فوافقت هذه الفكرةُ هوًى في نفوس النصارى خاصَّةً الحاقدين على الاسلام والمسلمين، وبعد أن فَشِلَتْ مساعي الاستعمار الحديث بالمقاومة الصَّامدة من قِبَلِ الشُّعوب الإسلامية المستعمرة؛ فتآزرت الصِّهْيَوْنِيَّة النصرانية مع الصِّهْيَوْنِيَّة اليهودية في هذا السبيل؛ تحقيقًا للعقيدة الألفية التي أصلها عقيدة يهودية
 فليس بلاءُ المسلمين من قُوَّة اليهود؛ وإنَّما من ضعفِ المسلمين أنفسهم، حينما انتشرت فيهم العقائد المنحرفة، والأخلاقُ الفاسدة. حينما اعتمدوا على حولهم وطولهم، واغترّوا بعددهم وكثرتهم؛ فوكلهم الله إلى أنفسهم. حينما تخلَّوْا عن هدى الله، وركنوا إلى الذين ظلموا، في عصبيَّاتٍ جاهليَّة، وأحزابٍ ضالَّة، وقوميَّات ضيِّقة، ينفخ فيها دعاةُ كنعان، ودعاةُ العروبة، ودعاةُ التراب والوطن، فما زادهم ذلك إلا ذُلاًّ وانهزامًا.
أما آن للأمة أن تستفيد من تلك النتائج المرَّة، التي أفرزتها التجارب المخزية، فتعود - أفرادًا وجماعات - إلى كتاب ربها، وسنةِ نبيها بفَهْم سَلَفِها قولاً وعملاً؟! وبذلك سيكونُ النصر والخير، والصلاح في الدنيا والآخرة، ولن يَصلُحَ آخرُ هذه الأمة إلا بما صلَحَ به أولها.