إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 10 ديسمبر 2018

الرحمة بين المسلمين

الخطبة الأولى
فيا عباد الله، قرة عين المؤمن وطمأنينة قلبه تبدو واضحة جلية في تقواه لربه؛ فإن تقوى اللههي أساس كل صلاح، وسلوان كل صبر، وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ [النساء:131]. 
أيها المسلمون، الأخلاق المثلى عماد الأمم وقوام الشعوب، وهي باقية ما بقيت أخلاقهم، هذه حقيقة مسلمة، لا ينازع فيها إلا مريض لم ينقه، أو مغرض لا يفقه، إن تدهور الأخلاق ناجم عن نقص الوازع الديني في النفوس، 
الوازع الديني الذي يملك عنان النفس، ويسيطر عليها فيكبح جماحها 
وإن من أعظم الأخلاق المندوبة، والسجايا المطلوبة، خلق الرحمة والتراحم بين المسلمين، ولا غرو؛ إذ هو مفتاح القبول لدى القلوب، ولا جرم، أن فقدان الرحمة بين الناس، فقدان للحياة الهانئة، وإحلال للجاهلية الجهلاء، والأثرة العمياء. 
ولقد نالت الجاهلية من الرحمة أقسى منال، حتى وكأنما وأدتها في مهدها، ولقد كشف الله في كتابه عن فئام من الناس والأمم، ممن فقدوا الرحمة، وكأنما قدَّت قلوبهم من صخر صلد، تمثلت هذه الغلظة والقسوة، في أصحاب الأخدود، الذين أضرموا النيران، وخدوا الأخاديد في أفواه السكك، وجنبات الطريق، وكان ذلك حينما آمن الناس بما جاء به الغلام المؤمن، فكان من لم يرجع عن دينه يقحم في النار، فتنهش جسده نهشا، حتى لا يرى إلا فحمة أو رمادا، ولقد جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع في النار، فقال لها الغلام: (يا أماه، اصبري فإنك على الحق) [القصة رواها مسلم في صحيحه] 
لقد كشف الله في كتابه عمن فقد الرحمة وانقض عليها، فلم يرعَ حق أُم ولا رضيع، ولم يدع صغيرا ولا كبيرا في عافية، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ يُذَبّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيىِ نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ [القصص:4]. 
قال أبو رافع: أوتد فرعون لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحا عظيمة حتى ماتت 
لقد كشف الله في كتابه العزيز عن ممارسات شاذة، ممن فقدوا الرحمة أو أماتوها، وعن مكائد خبث، يصنعها يهود بني إسرائيل الذين هم أكثر البشر قسوة وفظاعة، وقلوبهم كالحجارة الصماء، بل هي أشد قسوة منها ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74]. فكشف الله خبثهم، وبين أنهم قتلة ومردة من قديم الزمان ، قتلوا الانبياء والمصلحين وعباد الله المتقين وبما فعله يهود يحكم الله عليهم باللعنة والحرمان من الرحمة، فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ[المائدة:13]. 
عباد الله، إن الله ـ جل وعلا ـ حينما بعث رسله جعل تمكين الأخلاق الفاضلة في النفوس أصلا من أصول رسالاتهم، وأساسا من أسس دعواتهم، وخاتم الأنبياء والمرسلين هو من قال فيه ربه: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]. لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ [التوبة:128]. 
 وقال : ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)) [رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم وصححه] 
لقد تجلت رحمة المصطفى ، في جوانب كثيرة من حياته، حتى لقد أصبحت سمة بارزة، لا يحول دونها ريبة أو قتر، في كل شأن من شئونه، فهو عطوف رحيم 
أخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله تلا قول الله: رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [إبراهيم:36]. وتلا قول عيسى ـ عليه السلام ـ: إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [المائدة:118]. فرفع رسول الله يديه وقال: ((اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله ـ عز وجل ـ: يا جبريل اذهب إلى محمد ـ وربك أعلم ـ فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ـ عليه السلام ـ فسأله، فأخبره بما قال ـ وهو أعلم ـ فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك)) الله أكبر! ما أعظم المصطفى !، وما أرحمه بأبي هو وأمي!. 
لقد تجلت رحمة المصطفى بأمته، حتى بلغت تعليم الجاهل، وتوجيه الغافل، ومناغاة العيال والصبيان، أقسمت بنت من بناته ليأتينها لأجل ابن لها قبض، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله الصبي، ونفسه تتقعقع، ففاضت عيناه فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ قال: ((هذه رحمة، جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) [رواه البخاري] 
 وعن عائشة رضي الله عنها، قالت:  جاء أعرابيّ إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إِنَّكُمْ تُقبِّلونَ الصِّبيان، ولا نُقَبّـِلُهم؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَوَ أَملِكُ لَكَ أَن نَزَعَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِن قَلبِكَ؟ ))

إن رحمة المصطفى لم تقف عند هذا الحد فحسب، بل لقد حوت رحمته طبقات المجتمع كلها، أراملَ وأيتاماً، نساءً ومساكينَ، صغارا وكبارا، ولم يقتصر ذلك على فعله، بل عداه بقوله: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) [رواه أبو داود والترمذي] 
وقال : ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) [رواه مسلم]
وقال في التحذير من الاشقاق على الناس، ونزع الرحمة عنهم : ((اللهم من ولي من أمر المسلمين شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر المسلمين شيئا فرفق بهم فارفق به)) [رواه مسلم] 
لقد تجلت رحمة المصطفى بالخلق، فتعدت نطاق البشرية إلى نطاق الحيوانات العجماوات، فلقد دخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبيَ حن الجمل وذرفت عيناه؛ فأتاه رسول الله فمسح ذفراه فسكت، فقال: ((من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟)) فجاءه فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله فقال له: ((أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكى إلي أنك تجيعه وتدئبُه)) [رواه أبو داود] 
فيا لله العجب! حتى البهائم ألهمت أن الرسول رحمة الله مهداة، وأنه نبي المرحمة، فأين أنتم ـ عباد الله ـ من قصة هذا الجمل؟ أين أنتم من إيذاء تلك البهائم؟ ناهيكم عن إيذاء البشر والاستخفاف بهم، أين أنت يا راعي الغنم؟ أين أنت يا سائق الإبل؟ أين أنت يا راعي الأسرة؟ أين أنت يا راعي المدرسة؟ وأنت يا راعي الوظيفة؟ اتقوا الله جميعا فيمن استرعاكم، ولئن كان محمد قد مات، فلا تصل البهيمة بالشكوى إليه، أو البشر بطلب النصرة منه، فإن رب محمد عليه الصلاة والسلام حي لا يموت، يراكم ويسمعكم، ولكن يؤخركم إلى أجل لا ريب فيه ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة:281]. 
عباد الله، في طوايا الظلام طغى طوفان المادة الجافة، فأغرق الرحمة إلا القليل، ولقد بدت امثال الحياة عند البعض: ( إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، وإن لم تجهل يجهل عليك، وإن لم تتغدى بزيد تعشى بك) بل لقد صور العالم لدى البعض، أنه دنيا فسيحة لا مكان فيها للرحمة ولا للضعفاء 
ما أشده مضضا ما تعانيه الأمة الإسلامية اليوم! إن أمرها ليذهب فرطا، وإن الغفلة قد بلغت من الناس مبلغاً عظيما، فلا تجد إلاّ قلبا وصدرا وحرا إلا من عصم ربي، وقليل ما هم. 
إن الناس أحرار، متى حكمتهم معاني الرحمة والشفقة، والتواد والتعاطف، تحت ظل الإسلام الوارف، قال : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) [رواه مسلم] 
وبذلك كله يتصل ما بين العظيم والسوقة، وما بين الغني والفقير، اتصال الرحمة في كل شيء، أما ربط الرحمة والتراحم بالدينار والدرهم، في مقابل استبعاد تلك المعاني العظيمة، التي ينبغي أن تسود المجتمع، فهو الذي يقلب الموازين، وتكون المنفعة والمصالح، هي الآمر الناهي،فإذا أعطى نقص فغش، وإذا اخذ زاد فسرق، ويتعامل الناس في التعاطف والتراحم على أساس من الدرهم والدينار 
فإذا عظمّت الأمة الدينار والدرهم، فإنما تفتح الطريق للنفاق والطمع والقسوة، وإنما هيبة الإسلام في الرحمة بالنفس لا بالمال، 
والسلف الصالح خير من ترجم معاني الرحمة إبَّان عيشهم، فها هو الصديق أبو الصديقة، خليفة رسول الله ، وثاني اثنين إذ هما في الغار، الذي جبل نفسه على الرحمة والتراحم، منذ نعومة أظفاره، وما سمي بالعتيق، إلا لكثرة ما يعتق من العبيد رحمة بهم، وإنقاذا لهم من سطوة غلاظ الأكباد وشرار الخلق، كان يتعهد امرأة عمياء في المدينة، يقضي لها أشغالها سرا، إبان خلافته للمسلمين، كما أنه كان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة، قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا. فسمعها فقال: بلى لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه. 
ولقد بلغت الرحمة مجلاة أوج صورها، في الخليفة الفاروق ، الذي بلغ من القسوة والغلظة في جاهليته أعظمها، فلما ذاق طعم الإيمان، انقلبت نفسه رأسا على عقب، وكأنه لم يكن قط قاسي النفس، غليظ القلب، فلما ولي الخلافة
َ- عنْ أَسْلَمَ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى حَرَّةَ وَاقِمٍ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِصِرَارٍ إِذَا نَارٌ ، فَقَالَ : يَا أَسْلَمُ : إِنِّي لأَرَى هَهُنَا رَكْبًا قَصَرَ بِهِمُ اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ ، انْطَلِقْ بِنَا فَخَرَجْنَا نُهَرْوِلُ حَتَّى دَنَوْنَا مِنْهُمْ ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ مَعَهَا صِبْيَانٌ صِغَارٌ ، وَقِدْرٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى نَارٍ ، وَصِبْيَانُهَا يَتَضَاغَوْنَ ،
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَصْحَابَ الضَّوْءِ ، وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ يَا أَصْحَابَ النَّارِ ، فَقَالَتْ : وَعَلَيْكَ السَّلامُ ، فَقَالَ : أَدْنُو ؟ فَقَالَتْ : ادْنُ بِخَيْرٍ أَوْ دَعْ ، قَالَ : فَدَنَا ، 
فَقَالَ : مَا بَالُكُمْ ؟ قَالَتْ : قَصَرَ بِنَا اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ ، قَالَ : وَمَا بَالُ هَؤُلاءِ الصِّبْيَةِ يَتَضَاغَوْنُ ؟ قَالَتْ : الْجُوعُ ، قَالَ : فَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْقِدْرِ ؟ قَالَتْ : مَا أُسْكِتُهُمْ بِهِ حَتَّى يَنَامُوا ، وَاللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عُمَرَ . قَالَ : أَيْ رَحِمَكِ اللَّهُ وَمَا يُدْرِي عُمَرَ بِكُمْ ؟ قَالَتْ : يَتَوَلَّى أَمْرَنَا ثُمَّ يَغْفَلُ عَنَّا ؟
قَالَ : فَأَقْبَلَ عَلَيَّ ، فَقَالَ : انْطَلِقْ بِنَا ، فَخَرَجْنَا نُهَرْوِلُ حَتَّى أَتَيْنَا دَارَ الدَّقِيقِ ، فَأَخْرَجَ عَدْلا مِنْ دَقِيقٍ ، وَكُبَّةَ شَحْمٍ ، فَقَالَ : احْمِلْهُ عَلَيَّ ، فَقُلْتُ : أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ . فَقَالَ : أَنْتَ تَحْمِلُ عَنِّي وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ لا أُمَّ لَكَ ، فَحَمَّلْتُهُ عَلَيْهِ ، 
فَانْطَلَقَ ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَيْهَا نُهَرْوِلُ ، فَأَلْقَى ذَلِكَ عِنْدَهَا ، وَأَخْرَجَ مِنَ الدَّقِيقِ شَيْئًا ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا : ذَرِي عَلَيَّ وَأَنَا أُحَرِّكُ لَكِ ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ تَحْتَ الْقِدْرِ ، ثُمَّ أَنْزَلَهَا ، فَقَالَ : أَبْغِينِي شَيْئًا ، فَأَتَتْهُ بِصَحْفَةٍ فَأَفْرَغَهَا فِيهَا ، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ لَهَا : أَطْعِمِيهِمْ وَأَنَا أَطْبُخُ لَهُمْ ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى شَبِعُوا ، وَتَرَكَ عِنْدَهَا فَضْلَ ذَلِكَ ، 
وَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ ، فَجَعَلْتُ تَقُولُ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا كُنْتَ أَوْلَى بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَيَقُولُ : قُولِي خَيْرًا ، إِذَا جِئْتِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَدْتِنِي هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، 
ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً عَنْهَا ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا فَرَبَضَ مَرْبِضًا ، فَقُلْتُ : لَكَ شَأْنٌ غَيْرُ هَذَا فَلا يَكْلِمُنِي حَتَّى رَأَيْتَ الصِّبْيَانَ يَصْطَرِعُونَ ثُمَّ نَامُوا وَهَدَءُوا ## ، فَقَالَ : يَا أَسْلَمُ ، إِنَّ الْجُوعَ أَسْهَرَهُمْ فَأَبْكَاهُمْ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ لا أَنْصَرِفَ حَتَّى أَرَى مَا رَأَيْتُ .
فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن المرء المسلم، مطالب بالرحمة والتراحم بما استطاع من تحلم وتصبر، وعليه أن يترفق أولا في أهله، وثانيا في رعيته وجيرانه وموظفيه، فلا يكون عونا لزوجته على النشوز، ولا لأبنائه على العقوق، ولا لجيرانه على الإساءة، ولا لرعيته على التمرد، ولا للناس كافة على هجره ومباغضته. 
واعملوا بمثل قول المصطفى : ((إن من إجلال الله ـ تعالى ـ، إكرامَ ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن، غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)) [رواه أبو داود]وحذارِ من الوقوع فيما حذر منه المصطفى بقوله: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)) [رواه أبو داود]
الخطبة الثانية : 
من أهم جوانب التسامح في هذا الدين مع غير المسلمين: مشروعية الرحمة العامة، هنالك رحمة عامة يرحم بها المسلم الخلق كافة، كما قال عليه الصلاة والسلامإن الله لا يضع رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم يا رسول الله! قال: ليس رحمة أحدكم صاحبه، ولكن يرحم الناس كافة
فأول مظاهر هذا التسامح الرحمة العامة؛ بل إن من أسماء الله عز وجل الحسنى المقدسة: اسمه عز وجل الرحمن واسمه الرحيم، ومعلوم اختلاف العلماء في تفسير هاتين الصفتين، وكيف أن الرحيم يختص بالمؤمنين، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة يشمل كل المخلوقات، فالرأفة والرحمة من صفات الله عز وجل. أيضاً أرسل الله تبارك وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للخلق، قال عز وجلوَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، ومن هنا حض الإسلام على هذه الرحمة العامة للخلق كافة ورأف بهم، فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلاملا يرحم الله من لا يرحم الناسالناس بكل أبعادها،
أيضاً وجود الكفر أو الفسوق أو العصيان في واحد من الناس هو أمر أصلاً يدعو إلى الرحمة والتأسف، أنت إذا تذكرت ما ينتظره من العذاب الأليم تشعر بالرحمة له والشفقة عليه من هذا العذاب، وتتأسف على حاله؛ لأنه إنسان مبتلى، فالمبتلى لا ينبغي إظهار التعالي عليه، بل على المسلم التقي الذي عافاه الله عز وجل أن يحمد ربه على العافيةكَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94أي: كذلك كنتم قبل أن تدخلوا في الإسلامفالإنسان المسلم لا ينظر إلى أن هذه الهداية أو التوفيق جاءت من كده وكدحه، إنما هي برحمة الله إياه وبتوفيقه ، فلا تنظر للكافر بتعالٍ، فإنما الأعمال بالخواتيم، لكن انظر له بعين الرحمة العامة، فتحمد ربك على العافية وترحم هذا المبتلى، وما معنى رحمته؟ معنى رحمته أن تنصحه وتدعوه إلى الحق بالأسلوب المناسبروى الترمذي عن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالمن رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، إلا عوفي من ذلك البلاء كائناً ما كان ما عاش )
جشع التجار واصحاب الاموال ورفع الاسعار والاغلاء على الناس وبعضهم محتاج وفقير ومسكين ونزع الرحمة من قلوب البعض وكأن الدنيا غابة يأكل فيها القوي الضعيف لا يرقب فيه رحمة ولا عدلا ولا انصافا .. 
ونحن على ابواب شهر عظيم ، والاحوال قاسيه والاسعار غالية ، والفقراء والايتام والمحتاجين ، تلمسوا حاجاتهم بقلوب رحيمة ، وتفقدوا عوزهم وسدو خللهم واعطفوا عليهم بقلوب يملئها الشكر لله على ما أنعم وأعطى ووسع ، اطعموا الجائع واكسوا العاري ، وامسحوا على رأس اليتيم ، وادخلوا السرور والفرح عليهم بمقدم رمضان ، لتتسع قلوبكم الرحيمة لهم ، وانبسطوا بوجهكم معهم ، ومدوا ايديكم بالعطاء مد المقرّ بأن هذه من نعم الله عليه فهو يشكرها بالعطاء وما نقص مال من صدقة ، وكل امرء في ظل صدقته يوم القيامة 
قال : ((الساعي على الأرملة واليتيم كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يَفْتُر))
وفي الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: إن امرأة دخلت عليها ومعها صبيتان فاستطعمت أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها فأطعمتها ثلاث تمرات, فأعطت كل صبية تمرة, ثم رفعت التمرة الثالثة تريد أكلها فاستطعمتها إحدى البنتين فأطعمتها التمرة فعجبت عائشة رضي الله عنها من صنيعها, فلما دخل رسول الله أخبرته فقال : ((أتعجبين مما فعلت إن الله حرمها على النار بتمرتها تلك))
أيها الناس، فبالرحمة تجتمع القلوب، وبالرفق تتآلف النفوس، والقلب يتبلّد مع اللهو الطويل والمرح الدائم، لا يشعر بحاجة محتاج، ولا يحسّ بألم متألم، ولا يشاطر في يؤس بائس ولا حزن محزون، جاء رجل إلى النبي يشكو قسوة قلبه فقال له: ((أتحبّ أن يلين قلبك؟! أرحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلنْ قلبك))، والرحمة لا تُنزع إلا من شقي عياذا بالله.
2

الخاتمة وفتنة المحيا والممات

الخاتمة وفتنة المحيا والممات 
الخطبة الأولى 
عن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَدْعُو فِى الصَّلاَةِ « اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ » البخاري ومسلم 
وعن أبي هُرَيْرَةَ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ »مسلم. 
لقد دل الحديثان على مشروعية الاستعاذة بالله من هذه الشرور الأربعة جاء مرة بصيغة الخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو في صلاته بهذا الدعاء ومرة بصيغة الأمر بهذا الدعاء بعد التشهد الأخير ، 
وذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديثين فتنة المحيا والممات والاستعاذة بالله من شرهما ، والمراد فتنة المحيا هي ما يتعرض له العبد في حياته من الفتن المتنوعة من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها أمر الخاتمة عند الموت ، 
وأما فتنة الموت فيجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت وأضيفت إليه لقربها منه ويكون المراد بفتنة المحيا ما قبل ذلك ويجوز أن يراد بفتنة الممات فتنة القبر فعن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قال « أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ » البخاري ومسلم . وقيل المراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر عليه وفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة .
أيها المسلمون : من خلال ما تقدم يتبين لنا أن فتنة الممات تكمن في صورتين خطيرتين :
الصورة الأولى الفتنة التي تحصل للميت ساعة الاحتضار وما يحصل حينها من هول المطلع وتسلط الشيطان على العبد لأنها فرصته الأخيرة فقد يحول بين العبد وبين التوبة وقد يثير الوساوس والشكوك والتسخط وغير ذلك مما يكون له أثر في سوء الخاتمة عياذا بالله منها ولكن الله تعالى يثبت الذين آمنوا في الحياة الدنيا والآخرة . 
ولقد كان خوف سلفنا من ساعة الاحتضار وما فيها من تقلب القلوب والأبصار مع إيمانهم وحرصهم على الطاعة خوفا شديدا وكانوا يشفقون من سوء الخاتمة ويحرصون على التلفظ بكلمة التوحيد وتلقينها للموتى عند الاحتضار لأنها من علامات حسن الخاتمة فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ » مسلم . 
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ التَّرَدِّي وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْغَمِّ وَالْغَرَقِ وَالْحَرَقِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ » المسند وسنن أبي داود وصححه الألباني.
لما حضرت الإمام أحمد بن حنبل الوفاة كان يغرق ويقول لا بعد لا بعد لا بعد بيده 
فقال له ابنه عبدالله يا أبت ماهذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت 
فقال لي يا بني ما تدري فقلت لا 
فقال إبليس لعنه الله قام بحذائي عاضا على أنامله يقول يا أحمد فتني وأنا أقول لا بعد حتى أموت " 
ومن هول المطلع عند الموت ما يحصل للعبد المحتضر من حسرة عظيمة عند تذكره لذنوبه وزلاته مما أسلف في حياته وهولا يدري ما الله فاعل بها ، 
ومن هول المطلع عند الموت ما يحصل للعبد المحتضر من شدة وكرب وهو يعاني سكرات الموت ويكفي في تصوير شدة الموت وكرباته ما حصل لأفضل الخلق حيث كان يقول عندما يشتد عليه الكرب « لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ » الطبراني تقولُ عائشة رضي الله عنها « فَلا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لأَحَدٍ أَبَدًا، بَعْدَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ:اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ » 
ومن هول المطلع عند الموت ما يحصل للعبد المحتضر من رؤية ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ورؤية المقعد من الجنة أو النار وانتظار ذلك المشهد الفظيع فهو لا يدري أتشهده ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ وهل يرى مقعده من الجنة أم من النار ؟ هل هو ممن عناه المولى بقوله (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ )) 
أم هو ممن عناه المولى بقوله ((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ*وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ )) 
وحقيق بعبد لا يعلم عن هذا المصير شيئا أن يقلق أشد القلق ويخاف أعظم الخوف من هذه الخاتمة لَمَّا حَضَرَتْ الْوَفَاةُ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، جَزِعَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُجْزِعُكَ، أَلَمْ تَكُنْ عَلَى سَمْتٍ مِنَ الإِسْلامِ حَسَنٍ؟! قَالَ: وَمَا لِي لَا أَجْزَعُ؟ وَلَسْتُ أَدْرِي عَلَى مَا أَقْدَمُ عَلَيْهِ ، مَعَ أَنَّ أَرْجَى عَمَلِي عِنْدِي حَدِيثٌ حَدَّثَتْنِي بِهِ أُمُّ حَبِيبَةَ، أَنَّهَا سَمِعْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: « مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ » .
أيها المسلمون : اعلموا أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله جميعا منها أسبابا وطرقا وأبوابا أعظمها الانكباب على الدنيا والإعراض عن الأخرى والجرأة والإقدام على معاصي الله فلربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية وجانب من الإعراض ونصيب من الجرأة والإقدام فملك قلبه وسبى عقله وأطفأ نوره وأرسل عليه حجبه فلم تنفع فيه تذكرة ولا نجحت فيه موعظة فجاءه الموت وهو على تلك الحال فسمع النداء من بعيد ولا علم ما أراد وإن كرر الداعي عليه وأعاد 
بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فلما أصبح قيل له أكل هذا خوفا من الذنوب فأخذ تبنة من الأرض وقال الذنوب أهون من هذه وإنما أبكى خوفا من الخاتمة " وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنة
لما حضرت أبا الدَّرْدَاءِ الوفاة أغمي عليه فَأَفَاقَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِمِثْلِ مَضْجَعِي هَذَا؟ مَنْ يَعْمَلُ لمِثْلَ سَاعَتِي هَذِهِ؟ 
ولما حضرت سلمان الفارسي الوفاة بكى فقيل لهما يبكيك؟ قال: أما والله ما أبكي جزعا من الموت ولا حرصا على الرجعة ولكن إنما أبكي لأمر عهده إلينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أخشى أن لا نكون حفظنا وصية نبينا، صلى الله عليه وسلم، إنه قال لنا: ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب . 
ومُعَاذ بن جَبَلٍ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بَكَى، فَقَالُوا: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبْكِي جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ، وَلا عَلَى دُنْيَا أُخَلِّفُهَا بَعْدِي، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:"إِنَّمَا هِيَ قَبْضَتَانِ، فَقَبْضَةٌ فِي النَّارِ، وَقَبْضَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَلا أَدْرِي مِنْ أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَكُونُ ؟" 
وَمَرِضَ عامر بن عبد قيس- وكان يسمى راهب البصرة من شدة عبادته - فَبَكَى فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ وَقَدْ كُنْتَ وَقَدْ كُنْتَ فَيَقُولُ: مَا لِيَ لَا أَبْكِي وَمَنْ أَحَقُّ بِالْبُكَاءِ مِنِّي وَاللهِ مَا أَبْكِي حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا وَلَا جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ وَلَكِنْ لِبُعْدِ سَفَرِي وَقِلَّةِ زَادِي وَإِنِّي أَمْسَيْتُ فِي صُعُودٍ وَهُبُوطٍ، جُنَّةٌ أَوْ نَارٌ فَلَا أَدْرِي إِلَى أَيِّهِمَا أَصِيرُ " 
وقال المزني: " دخلتُ على الشافعي في عِلَّته التِي مات فيها ، فقلتُ: كيف أصبحتَ؟ فقال: أصبحتُ من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، ولسوء الأعمال ملاقيًا، وعلى الله واردً، فلا أدري: أروحي تصير إلى الجنة فأحيِّها؟! أم إلى النار فأُعَزِّيها؟! ". ثم انشد...
ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب وحماد بن سلمة فقال له حماد : يا أبا عبدالله أليس قد أمنت مما كنت تخافه وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين فقال : يا أبا سلمه أتطمع لمثلي أن ينجو من النار قال : إي والله إني لأرجو لك ذلك . 

أيها المسلمون : لماذا خاف سلفنا من سوء الخاتمة ؟ خافوا من سوء الخاتمة لأنهم علموا أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، خافوا من سوء الخاتمة لأن العبرة بالخواتيم عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا » البخاري. 
خافوا من سوء الخاتمة لأنهم يعلمون أن العبد عند موته تجتمع عليه الفتن والسكرات والشدة والمثبت من ثبته الله خافوا من سوء الخاتمة لكثرة تقلب القلوب فكم سمعنا عمن آمن ثم كفر وكم رأينا من استقام ثم انحرف ولذا كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم « يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ فقَالَتْ لَهُ أم يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ دُعَاءَكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ قَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا شَاءَ أَقَامَ وَمَا شَاءَ أَزَاغَ » 

أيها المسلمون : إذا كان هذا هو خوف الصالحين فنحن أولى بالخوف منهم وكأننا أمنا من سوء الخاتمة لغلبة جهلنا وقسوة قلوبنا وذلك أن القلب الصافي تحركه أدنى مخافة والقلب القاسي لا تنفع فيه المواعظ وصدق من قال :
والقلب إن مات لم تنفعه موعظة= كالأرض إن أجدبت لم ينفع المطر 
أيها المسلمون : اعلموا أن سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد وإنما تكون لمن فساد في العقيدة أو إصرار على الكبيرة وإقدام على العظائم فربما غلب ذلك عليه حتى نزل به الموت قبل التوبة فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطلم قبل الإنابة فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله سوء الخاتمة 
يكون لمن انطوى قلبه على مرض شبهة أو شهوة تمكنت منه ولم يقلع عنها فحري بالعبد ما دام في زمن المهلة والتوبة أن يفتش في باطنه وظاهره ويصلحهما قبل أن يحال بينه وبين ما يشتهي فتكون النهاية البائسة عياذا بالله من سخطه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ))

الخطبة الثانية 
أما بعد : إن فتنة الممات تكمن في صورتين الأولى الفتنة التي تحصل ساعة الاحتضار وقد تحدثت عنها في الخطبة الأولى 
وأما الصورة الثانية فهي ما يحصل للميت بعد دفنه في قبره من فتنة الملكين وسؤالهم للميت عن ربه ودينه ونبيه ولا ينجو من هذه الفتنة إلا من ثبته الله وألهمه رشده في الدنيا ووفقه للإجابة المقبولة فتحصل له النجاة منها والتي يعقبها النجاة من عذاب القبر وشدته كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم « فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ 
فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 
فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا عِلْمُك فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ 
فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي » وتمر عليه فترة البرزخ كصلاة ظهر أو كصلاة عصر جعلنا الله ممن يثبت عند السؤال ويلقن الجواب 
وأما من احتار في جوابه وغاب عنه صوابه لسوء عمله في الدنيا فتحصل له هذه الفتنة العظيمة والتي يعقبها غضب وسخط الرب وعذاب القبر والذي قال عنه صلى الله عليه وسلم« فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي 
فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي 
فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي 
فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُواََََ لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُك الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ رَبِّ لَا تُقِمْ السَّاعَةَ ََََ» لأنه يعلم أن ما بعد القبر أشد منه .

أيها المسلمون : اعلموا أن النجاة من فتنة القبر والنطق بالجواب الصحيح لا يكون إلا لمن قال لا اله الاّ الله في حياته عالما بمعناها منقادا لمقتضاها عاملا بها في حياته وإلا فما قيمة أن يقول العبد في حياته رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ثم لا يحقق مدلول هذه الكلمات في مواقفه وأعماله أو يأتي بما يناقضها من ترك للصلاة وتضييع لحدود الله وانتهاك لحرماته والصد عن سبيله ، إن من كان كذلك لا يسدد ولا يثبت في قبره ولا يوفق للجواب الصحيح حاله كحال المنافقين الذين قالوها في حياتهم وخالفوها بسلوكهم وأفعالهم فضاعت عليهم الإجابة ولم يوفقوا لها وإنما يكون جوابهم هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ، إنَّ من كان حاله كذلك لا يوفق للإجابة على أسئلة هذا الامتحان المكشوفة ولو كان من أحفظ الناس لها في الدنيا لأن العبرة في النجاة من هذه الفتنة عند سؤال الملكين في القبر إنما تكون بما وقر في القلب من معنى هذه الأصول الثلاثة محبة وإخلاصا وخضوعا وانقيادا وتصديقا وقبولا وإذعانا وعملا .
1