إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 15 أغسطس 2015

الإخلاص لله في العمل

( الاخلاص لله في العمل ) 
فاتّقوا الله -عباد الله- حقّ التقوى؛ فالعزّ في طاعة المولى، والذلّ في اتّباع الهوى.
أيّها المسلمون: القلوب لا تطمئنّ إلا بالله، وغِنى العبد بطاعةِ ربّه والإقبال عليه، ودينُ الحقّ هو تحقيقُ العبوديّة لله، وكثيرًا ما يخالط النفوسَ من الشهوات الخفيّة ما يفسِد تحقيقَ عبوديّتها لله، وإخلاصُ الأعمال لله أصل الدين، ولذلك أمر الله رسولَه بالإخلاص في قوله: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينِ) [الزمر: 2]، وأمِر النبيّ –صلى الله عليه وسلم- أن يبيِّن أنّ عبادتَه قائمة على الإخلاص فقال له: (قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينَ) [الزمر:11].
وبذلك أمِرت جميع الأمَم؛ قال -جلّ وعلا-: (وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ) [البينة:5].
وأحقّ النّاسِ بشفاعةِ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- يومَ القيامة من كان أخلصَهم لله؛ قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: مَن أسعد النّاس بشفاعتك يا رسول الله؟! قال: "مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه". رواه البخاري.
والإخلاص مانعٌ -بإذن الله- من تسلّط الشيطان على العبد، قال سبحانه عن إبليس فالمخلص محفوظ باخلاصه لانه أراد وجه الله 
به رِفعة الدرجات وطَرق أبوابِ الخيرات، يقول المصطفى –صلى الله عليه وسلم-: "إنك لن تُخلَّف فتعملَ عملاً تبتغي به وجهَ الله إلا ازدَدتَ به درجةً ورفعة". متفق عليه.
وإذا قوِي الإخلاص لله علَت منزلة العبدِ عند ربّه، يقول بكر المزني: "ما سبقَنا أبو بكر الصدّيق بكثير صلاةٍ ولا صيام، ولكنّه الإيمان وقَر في قلبه والنّصحُ لخلقه".
وهو سببٌ لتفريج الكروبِ وإجابة الدعوات ..المخلصُ لربّه مجابُ الدعوة؛ يقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "انطلقَ ثلاثة نفرٍ ممّن كان قبلَكم حتى آواهم المبيتُ إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرةٌ من الجبل فسدّت عليهم الغار، فقالوا: إنّه لا ينجّيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال كلّ واحدٍ منهم متوسّلاً إلى الله بصالح عملِه وإخلاصِه: اللهمّ إن كنتَ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجَت فخرجوا يمشون". متفق عليه.
بتجريدِ الإخلاصِ تزول أحقادُ القلوب وضغائن الصدور، يقول النبيّ –صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثٌ لا يغلّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمر، ولزوم جماعةِ المسلمين". رواه أحمد.
في الإخلاصِ طمأنينة القلب، وشعورٌ بالسّعادة، وراحَةٌ من ذلّ الخلق، يقول الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "مَن عرف الناس استراح". أي إنهم لا ينفعونه ولا يضرّونه.
وكلّ عملٍ لم يقصَد به وجه الله طاقة مهدَرَة، وسراب يضمحِلّ، وصاحبه لا للدنيا جمَع ولا للآخرة ارتفَع، يقول النبيّ –صلى الله عليه وسلم-: "إنّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغِي به وجهه". رواه النسائي.
وإخلاص العملِ لله وخلوصُ النية له وصوابه أصلٌ في قبول الطاعات، يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لا ينفع قولٌ وعمل إلا بنيّة، ولا ينفع قولٌ وعملٌ ونيّة إلا بما وافق السنة".
والإخلاصُ أن تكونَ نيّتك لله لا تريد غيرَ الله، لا سمعةً ولا رياءً ولا رِفعة عند أحدٍ ولا تزلّفًا، ولا تترقّب من الناس مدحًا، ولا تخشى منهم قَدحًا،
والله سبحانه غنيّ حميد، لا يرضى أن يشرِك العبد معه غيرَه، فإن أبى العبد إلا ذلك ردّ الله عليه عملَه، قال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث القدسي: "قال الله -عزّ وجلّ-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركتُه وشركَه". رواه مسلم.

أيّها المسلمون: العمل الصّالح -وإن كان كثيرًا مَع فسادِ النيّة- يورِد صاحبَه المهالك، فقد أخبر الله -عزّ وجلّ- عن المنافقين أنهم يصلّون وينفقون ويقاتِلون، وأخبر النبيّ –صلى الله عليه وسلم- عنهم أنهم يتلون كتابَ الله في قوله: "ومثل المنافقِ الذي يقرأ القرآن كالرّيحانة؛ ريحها طيّب وطعمُها مرّ". متفق عليه. 
ولفَقدِ صدقِهم في إخلاصهم قال الله عنهم: (إِنَّ الْمُنَـافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء:145]، و"أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة قارئ القرآن والمجاهدُ والمتصدّق بماله"، الذين لم تكن أعمالهم خالصةً لله، وإنما فعلوا ذلك ليقال: فلانٌ قارئ، وفلان شجاع، وفلانٌ متصدِّق. رواه مسلم.

والعملُ -وإن كان يسيرًا- يتضاعف بحُسن النيّة والصدقِ والإخلاص، ويكون سببًا في دخول الجنات، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "مرّ رجل بغُصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله، لأنحِّينَّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخِل الجنة". رواه مسلم. "وامرأة بغيّ رأت كلبًا يطيف بركيّة كادَ يقتله العطش، فسقته بموقها ماءً فغفر الله لها". متفق عليه.
يقول عبد الله بن المبارك: "رُبّ عملٍ صغيرٍ تعظّمه النية، وربّ عملٍ كبيرٍ تصغّره النية". قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله: (واللَّهُ يُضَـاعِفُ لِمَن يَشَاء) [البقرة:261]: "أي: بحسب إخلاصه في عمله".
والواجبُ على العبدِ كثرة الصالحات مع إخلاصِ النيات، فكن سبّاقًا لكلّ عملٍ صالح، ولا تحقرنَّ أيَّ عملٍ تخلِص نيتَك فيه، فلا تعلم أيَّ عملٍ يكون سببًا لدخولك الجنات، ولا تستخفَّنَّ بأيّ معصية؛ فقد تكون سببًا في دخولك النار، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "دخلتِ امرأة النارَ في هرّةٍ حبستها، لا هيَ أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاشِ الأرض". متفق عليه.
والله -جلّ وعلا- متّصِف بالحمد والكرم، وإذا أحسنَ العبد القصدَ ولم تتهيّأ له أسباب العمل فإنّه يؤجَر على تلك النية، وإن لم يعمل، كرَمًا من الله وفضلاً، يقول -عليه الصلاة والسلام-: "مَن سأل الله الشهادةَ بصدقٍ بلّغه الله منازلَ الشهداء، وإن مات على فراشه". رواه مسلم.
ويقول النبي –صلى الله عليه وسلم- عن الرّجل الذي لا مالَ عنده وينوي الصّدقة: لو أنّ لي مالاً لعملتُ بعمل فلان، قال: "فهو بنيّته". رواه الترمذي. بل إن الهمَّ بعملٍ صالح يؤجَر عليه العبد، وإن تخلَّف العمل، قال -عليه الصلاة والسلام-: "من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عندَه حسنةً كاملة". متفق عليه.
والمسلم يجعل نيّتَه صادقةً في كلّ خير، يقول عمر -رضي الله عنه-: "أفضلُ الأعمال صدقُ النيّة فيما عند الله، فإن صدَّق العمل النيةَ فذاك، وإن حِيل بين العمل والنية فلك ما نويتَ، ومن سرّه أن يكمُل له عملُه فليحسِن النية، فإنّ الله يأجر العبدَ إذا حسُنت نيته حتى بإطعامِ زوجته".

أيّها المسلمون: إذا قوِي الإخلاصُ وعظُمت النيّة وأخفِي العمل الصالح مما يشرَع فيه الإخفاء قرُب العبد من ربّه وأظلّه تحتَ ظلّ عرشه، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم-: "سبعةٌ يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه -وذكر منها-: رجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شماله ما تنفِق يمينه". رواه مسلم.
وكلّما أخفِي العمل كان أقربَ إلى الإخلاص، قال -جلّ وعلا-: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَـاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) [البقرة:271]. يقول بِشر بن الحارث: "لا تعمَل لتُذكَر، اكتُم الحسنةَ كما تكتم السيئة".
وفُضِّلت نافِلة الليل على نافلة النّهار، واستغفارُ السّحر على غيره؛ لأنّ ذلك أبلغ في الإسرار وأقربُ إلى الإخلاص.
وإذا أخلصتَ في العمل ثمّ أثنى عليك الخلقُ وأنت غيرُ متطلِّع إلى مدحِهم فليس هذا من الرياء، إنما الرياءُ أن تزيّن عملَك من أجلهم، سُئل النبيّ صلى الله عليه وسلم- عن الرّجل يعمَل العمل من الخير يحمدُه الناس عليه، فقال: "تِلك عاجِل بشرى المؤمِن". رواه مسلم.
ومن كان يعمل صالحًا، ثمّ اطّلع الخلق على عملِه، فأحجم عن الاستمرار في تلك الطاعة ظنًّا منه أنّ فعلَه بحضرتهم رياءٌ، فذلك من حبائل الشيطان، فامضِ على فعلِك، يقول الفضيل بن عياض: "تركُ العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شِرك، والإخلاص أن يعافيَك الله منهما".
وبعضُ النّاس يظنّ أنّ الإخلاصَ مقصور على الصّلاة والصّدقة والحجّ دون غيرها من الأوامر، ومِن رحمة الله ورأفته بعبادِه أنّ الإخلاص يُستصحَب في جميع العبادات والمعاملات، ليُثابَ العبد على جميع حركاتِه وسكناته، فزيارة الجارِ وصلةُ الرحم وبرّ الوالدين هي مع الإخلاص عبادَة، وفي جانب المعاملات من الصّدق في البيع والشراء وحسنِ عشرة الزوجَة والاحتساب في إحسان تربية الأبناء، كلّ ذلك مع الإخلاص يُجازَى عليه بالإحسان، يقول النبيّ –صلى الله عليه وسلم-: "ولستَ تنفِق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أجِرت عليها، حتى اللقمة تضعُها في في امرأتِك". متفق عليه.

أيّها المسلمون: الإخلاص عزيز، والنّاس يتفاضلون فيه تفاضلاً كبيرًا، ولتحصينه من آفةِ الرّياء والعُجب بالعمل الجأ إلى الله دومًا بالدّعاء أن تكونَ من عباده المخلَصين، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلّبها كيف يشاء، وكان أكثر دعاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "اللهمّ اجعل عملي كلَّه صالحًا، واجعله لوجهِك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا".
وأكثِر مِن مطالعة أخبار أهلِ الصدق والإخلاص، واقرَأ سيَر الصالحين الأسلاف، واحتَقِر كلّ عملٍ صالح تقدّمه، وكن خائفًا مِن عدم قبوله أو حبوطِه، فليس الشأن الإتيانَ بالطاعات فحسب، إنما الشأن في حفظها ممّا يبطِلها.
ومِن حفظِ العمل عدمُ العجب وعدم الفخر به، فازهَد في المدح والثناءِ، فليس أحدٌ ينفَع مدحُه ويضرُّ ذمّه إلا الله، والموفَّق من لا يتأثّر بثناء الناس، وإذا سمِع ثناءً لم يزِده ذلك إلا تواضعًا وخشية من الله، وأيقِن أنّ مدحَ الناس لك فتنة، فادعُ ربَّك أن ينجّيَك من تلك الفتنة، واستشعِر عظمةَ الله وضعفَ المخلوقين وعجزَهم وفقرهم، واستصحِب دومًا أنّ الناس لا يملِكون جنّة ولا نارًا ، وأنزِل الناسَ منزلة أصحابِ القبور في عدمِ جلبِ النفع لك ودفع الضرّ عنك، والنفوسُ تصلح بتذكّر مصيرها، ومن أيقنَ أنّه يوسَّد في اللّحد فريدًا أدرَك أنّه لن ينفعَه سوى إخلاصِه مع ربّه، وكان من دعاء السّلف: "اللهمّ إنّا نسألك العملَ الصالح وحفظَه".
الخطبة الثانية : 
كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريّ: (من خلُصت نيّته كفاه الله ما بينه وما بين الناس
وقال عليّ رضي الله عنه: (لا تهتمّوا لقِلّة العمل، واهتمّوا للقَبول)
كان معروف
الكرخي رحمه الله تعالى يلومنفسه ويقول‏:‏ يا نفس أخلصي تتخلصي‏.‏ 
وقال سليمان‏:‏ طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى‏.‏ 
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري‏:‏ من خلصت نيتهكفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس
وكتب بعض الأولياء إلى أخ له‏:‏ أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل‏.‏

يقول الحسن البصري : إن كان الرجل جمع القرآن ولما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لينفق النفقة الكثيرة ولما يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته ولم يشعر الناس به، ولقد أدركت أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملونه في السر فيكون علانية أبداً.
لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم 
وهذا عون بن عبد الله يقول " إذا أعطيت المسكين شيئاً فقال : بارك الله فيك ، فقل أنت : بارك الله فيك . حتى تَخلُصَ لك صدقتك "

ومن عجائب المخلصين ما حصل لصاحب النفق
فقد حاصر المسلمون حصناً واشتد عليهم رمي الأعداء ، فقام أحد المسلمين وحفر نفقاً في السور فانتصر المسلمون، ولا يُعرَف من هو هذا الرجل، واختفى ذلك الرجل فلم يعرفه أحد ، فصار قائد المسلمين – مَسلمَة – يقول ويستحلف الناس : سألتكم بالله أن يخرج إلي صاحب النفق ، فلما كان الليل جاء رجل فاستأذن على حارس مسلمة ، فقال الحارس من هذا ؟ قال : رجل يدلكم على صاحب النفق ، فاذهب إلى صاحبك – يعني مسلمة – وأخبره وقل له يشترط عليك شرطاً ، وهو ألا تبحث عن بعد ذلك اليوم أبداً ، ولا تطلب رؤيته بعده ولا الكلام معه أبدا ،فقال مسلمه : لهُ شَرطُه فأخبروني عنه من هو ؟ فدخل الرجل – نفسه – وقال أنا هو.. وليَ ما اشترطتُ ، لا تسألني .. لا تبحث عني .. لا تدعني إلا مجلسك .. فاختفى بين الجند .
فكان مسلمة بعد ذلك يقول : " اللهم احشرني مع صاحب النفق "
وهذا عبد الله بن المبارك حينما خرج في غزو بلاد الروم فالتقى المسلمون بالعدو ، وخرج عِلجٌ من العدو يطلب المبارزة ويجول بين الصفين ، فخرج له رجل من المسلمين فقتله العلج ، وخرج ثاني فقتله ، وخرج الثالث فقتله ، 
فبرز له رجل آخر ، فصاوله ثم قَتَلَ العلجَ ، فاجتمع الناس عليه ينظرون من هو ؟ فجعل يغطي وجهه بكمه لئلا يعرفه أحد ، فجاءه رجل يقال له أبو عمر فرفع كمه عن وجهه ، فإذا هو عبد الله بن المبارك ، فقال عبد الله بن المبارك : " وأنت يا أبا عمر ممن يُشنع علينا" – ماهذه الشناعة في نظر ابن المبارك رحمه الله ؟! الشناعة أنه أظهر أن هذا هو البطل الباسل الذي تمكن من قتل هذا العلج الذي قتل عدداً من المسلمين – كان يغطي وجهه بكمه يريد وجه الله تعالى 
يقول محمد بن أعين وكان صاحب ابن المبارك في أسفاره : كنا ذات ليلة ونحن في غزو الروم ، فذهب عبد الله بن المبارك ليضع رأسه ليريني أنه ينام ، يقول فوضعت رأسي لأريه أني أنام كذلك ، قال: فظن أني قد نمت ، فقام فأخذ في صلاته ، فلم يزل كذلك حتى طلع الفجر وأنا أرمُقُه ، فلما طلع الفجر أيقظني وظن أني نائم ، وقال : يا محمد ، فقلتُ: إني لم أنم ، فلما سمعها مني ما رأيته بعد ذلك يُكلمني ولا ينبسط إليّ في شيء من غزاته كلها ، كأنه لم يعجبه ذلك مني لما فطنت له من العمل ، فلم أزل أعرفها فيه حتى مات ، ولم أر رجلاً أسرَّ بالخير منه

وقد كان عمل الخلوة كان أحب إلى السلف من عمل الجلوة.)).

يقول محمد بن واسع التابعي: (( إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته لا تعلم)).

للإمام الماوردي قصة في الإخلاص في تصنيف الكتب، فقد ألف المؤلفات في التفسير والفقه وغير ذلك ولم يظهر شيء في حياته لما دنت وفاته قال لشخص يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي وإنما إذا عاينت الموت و وقعت في النزع فاجعل يدك في يدي فإن قبضت عليها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء فاعمد إليها وألقها في دجلة بالليل وإذا بسطت يدي فاعلم أنها قبلت مني وأني ظفرت بما أرجوه من النية الخالصة، فلما حضرته الوفاة بسط يده ، فأظهرت كتبه بعد ذلك.
وكان علي بن الحسن يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين بالظلمة ، فالصدقة تطفيء غضب الرب، وكان أهل بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين معاشهم ، فلما مات عرفوا، و رأوا على ظهره آثاراً مما كان ينقله من القرب والجرب بالليل فكان يعول 100 بيت
.تلك الأحوال والقصص أظهرها الله ليكون أصحابها أئمة (( واجعلنا للمتقين إماماً)).
وهكذا كان أحدهم يدخل في فراش زوجته فيخادعها فينسل لقيام الليل وهكذا صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله فكان يأخذ إفطاره ويتصدق به على المساكين ويأتي على العشاء..
وهذا أعرابي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أهاجر معك، فغنموا بعد خيبر وقسم للأعرابي وأصحابه وكان يرعى دوابهم فلما جاءوه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما هذا الذي وصلني؟ ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا بسهم فأموت فأدخل الجنة. قال صلى الله عليه وسلم : ((إن تصدق الله يصدقك))، فلبثوا قليلاً وهاجموا العدو وأثاب الله الأعرابي كما طلب فقيل أهو أهو قال صلى الله عليه وسلم : (( صدق الله فصدقه)) فكُفِّن في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه فكان فيما ظهر من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة (( اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك وقتل شهيداً أنا شهيد على ذلك )).
4

الاختلاط

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، فإن تقواه وطاعته سبب لصلاح أمور العباد في الدنيا والآخرة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) [الأحزاب:70-71].

أيها الناس: شريعة الله تعالى جاءت بكل خير، ومنعت من كل شر، فهي الصلاح والرشاد للناس في العاجل والآجل، بلغها النبيون عن ربهم، واستنكف عنها المجرمون من البشر، وحاربوا أتباعها والدعاة إليها، وزينوا للناس كل طريق تخرج الناس من دينهم، وتصدهم عن شريعة ربهم.

ومن حكمة الله تعالى ورحمته بعباده أنه حرَّم الزنا ونهى العباد عنه؛ لما ينطوي عليه من المفاسد، ويؤدي إليه من الهلاك وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) [الإسراء:32] وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة أعظم ما يفتن الرجل فقال عليه الصلاة والسلام: " ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ على الرِّجَالِ من النِّسَاءِ " رواه مسلم.

ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه لما جعل في كل من الرجل والمرأة ميلاً إلى الآخر نظم العلاقة بينهما بما يحقق المصلحة، ويروي الشهوة، ويحافظ على النسل، ويصون العرض، ويدرأ الشر، فرغب في النكاح وحض عليه فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) [النساء:3] 
وأمر سبحانه وتعالى بالعفاف من لا يجد مؤنة النكاح وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [النور:33] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فإنه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ " متفق عليه.

ثم أوصد الشارع الحكيم تبارك وتعالى كل طريق يؤدي إلى وقوع الفاحشة أو مقدماتها؛ فحرم خلوة الرجل بالأجنبية عنه، ومنع من سفر المرأة بلا محرم، وأمر النساء بالحشمة والستر والحياء والعفاف، ونهى عن اختلاط النساء بالرجال؛ لما فيه من الفساد والانحلال، ولما يخلفه من ذهاب الأخلاق وقلة الحياء، ولأنه سبب في وقوع الفواحش ونشرها.

والأدلة على تحريم خلط النساء بالرجال تظاهرت بها نصوص الكتاب والسنة، وأجمع عقلاء البشر على ما يخلفه الاختلاط من مفاسد وكوارث دينية وأخلاقية واجتماعية وصحية واقتصادية ، ولم يمار في ذلك إلا جاهل أو مكابر.

وقد اتجه جمع من الباحثين في الدول التي شرَّعت للاختلاط بعد عقود من تجربته - لدراسة آثاره ونتائجه؛ فأجمعت دراساتهم وإحصائياتهم على أن ضرره أعظم من نفعه، وأن المنافع التي توهمها من شرعوا للاختلاط خلفت من الأضرار الدينية والأخلاقية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية ما لا يحصى.

ومن ذلك: أن معهد أبحاث علم النفس الاجتماعي في مدينة بون بألمانيا أجرى دراسة على المدارس المختلطة وغير المختلطة فتبين: أن تلاميذ وتلميذات المدارس المختلطة لا يتمتعون بقدرات إبداعية، وهم محدودو المواهب، قليلو الهوايات، وأنه على العكس من ذلك تبرز محاولات الإبداع واضحة بين تلاميذ مدارس الجنس الواحد غير المختلطة.

وفي تجربة أخرى تم فصل البنين عن البنات في الدراسة، فحقق الجميع نتائج أفضل في شهادة الثانوية العامة وأثبتت التجربة: أن عدد البنين الذين نالوا درجات مرتفعة تزايد أربع مرات على ما كان سيكون عليه الحال لو أن الفصل الدراسي كان مختلطا.

وفي دراسة أخرى بمعهد كيل بألمانيا تبين بعد الفصل بين الطلاب والطالبات أن البنات كن أكثر انتباها، ودرجاتهن أفضل كثيرا قبل فصلهن عن الطلاب.

وعلى إثر ذلك ذكرت الدكتورة كاولس شوستر خبيرة التربية الألمانية: أن توحد نوع الجنس في المدارس بحيث يكون البنين في مدارس البنين، والبنات في مدارس البنات يؤدي إلى استعلاء روح المنافسة بين التلاميذ، أما الاختلاط فيلغي هذا الدافع.

وهذه الدراسات المتعددة صدرت في ألمانيا وهي بلد نصراني علماني، ولم تصدر عن مسلمين حتى يقال إنهم منحازون للقيم الإسلامية، بل صدرت عن متخصصين يعنيهم الشأن الألماني أولا وأخيرا.

وفي مقام آخر أوفدت وزارة التربية السورية مهتما بشأن التعليم والتربية إلى بلجيكا في رحلة علمية زار فيها المدارس البلجيكية، وفي إحدى الزيارات لمدرسة ابتدائية للبنات سأل المديرة: لماذا لا تخلطون البنين مع البنات في هذه المرحلة؟ فأجابته: قد لمسنا أضرار اختلاط الأطفال حتى في سن المرحلة الابتدائية.

وفي أمريكا نشر الموقع الإخباري الأمريكي (سي إن إن) قبل سنتين خبراً تحت عنوان: " الطلاب الأمريكيون في الصفوف المختلطة يحصلون على علامات متدنية " وذكر فيه: " أن إدارة الرئيس قد منحت مديري المدارس العامة في البلاد حق فصل الصفوف بين الجنسين حسب ما يرونه من المصلحة التربوية للطلاب والطالبات وهذا يعد أكبر تعديل يطال النظام التربوي في أمريكا منذ عقود كثيرة.

واستندت الدوائر التربوية الأمريكية في موقفها هذا على تقارير إحصائية أثبتت حصول الطلاب في الصفوف غير المختلطة على علامات أعلى من نظرائهم في الصفوف المختلطة، خاصة في مادتي الرياضيات واللغات الأجنبية.

هذا؛ وقد اشتهر ابتزاز الضباط والجنود في الجيوش المختلطة للمجندات والعاملات في الجيش، وأُجري أكثر من تحقيق في اغتصابهن والتحرش الجنسي بهن، وإكراههن على ما يريده رؤساؤهن منهن، وسبب ذلك هو الاختلاط.

وكشف تقرير صحفي لجريدة (نيويورك تايمز) أن الجيش الأمريكي يواجه اتهامات كثيفة تتعلق بتحرشات جنسية، واعتداءات جنسية بحق مجندات أمريكيات من جانب زملاء لهن وخاصة في العراق والكويت و أفغانستان، كما تشير إحصاءات صادرة في إسرائيل إلى ارتفاع حاد في ظاهرة تحرش الجنود بزميلاتهم المجندات.

ولكثرة الشكاية من التحرشات الجنسية في وسائل المواصلات المختلطة عمدت بعض الدول الوثنية إلى تخصيص عربات خاصة للنساء في بعض القطارات.
فمجلة فروندين الألمانية المتخصصة في شؤون المرأة في ألمانيا أظهرت أن 68من النساء الموظفات يتعرضن للتحرش الجنسي المستمر أثناء العمل من زملائهن الرجال؛ ومن أراد أن يعرف الوضع المزري في الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة الاختلاط فليقرأ كتاب: (الابتزاز الجنسي) للمؤلفة الأمريكية لين فارلي.
في تقرير آخر للمكتب التحقيق الاتحادي (إف بي آي)[7]، بلغ عدد النساء التي اغتصبن بالقوة أو تحرش بهن جنسياً، وبلغت قضاياهن للجهات المختصة منذ عام 1960 وحتى 2001م ما يقارب 2.836.442 امرأة، أي بمعدل 190 عملية اغتصاب أو تحرش جبري يبلغ عنها يومياً، وهذا الرقم لايأخذ في الحسبان مالا يبلغ عنه، وهو كم مقدر وذلك وفقاً للاستبيانات والدراسات فقد بينت بعض الدراسات أن كثيراً من ضحايا الاغتصاب لايبلغون، ونصت بعض الدراسات على أن نسبة الذين لايبلغون قد تصل إلى 61%
في دراسة بعنوان ضحايا الجنس من نساء الكليات الوطنيات، فكانت النتيجة (27.7) عملية اغتصاب أو حادثة محاولة اغتصاب جنسي من كل مجموع ألف طالبة أي 2.7%. خلال ستة اشهر فقط

وفي دراسة تربوية لبنانية تَبَين نتيجةً للاختلاط بين الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات: أن الطالبة في المدرسة والجامعة لا تفكر إلا بعواطفها والوسائل التي تتجاوب بها مع هذه العاطفة... وأن كثير من الطالبات سقطن في الامتحانات, وتعود أسباب الفشل إلى أنهن يفكرن في عواطفهن أكثر من دروسهن وحتى مستقبلهن.

وأشار تقرير حكومي ياباني إلى ارتفاع واضح في قضايا التحرش الجنسي بالنساء العاملات وصل إلى خمسة وأربعين في المائة، ونفس النسبة ثبتت في دراسة ميدانية في مصر على النساء العاملات، وهي نسبة تقارب النصف، أي: ما يقارب من نصف العاملات في أجواء مختلطة يتعرضن لمضايقات وتحرشات جنسية، وربما وصل الأمر إلى التهديد أو الاغتصاب.

وهناك مئات التقارير والدراسات تثبت أضرار الاختلاط ومآسيه في الغرب والشرق، والبلاد الإسلامية وغير الإسلامية، وبعد تجربة مريرة عانى النساء من آثارها معاناة شديدة يعود العالم من جديد إلى اكتشاف أن الاختلاط شر وبلاء على الرجال والنساء، وهو ما نهت عنه شريعة الله تعالى؛ فالحمد لله الذي هدانا لها وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونسأله تعالى أن يثبتنا عليها إلى الممات.

 الخطبة الثانية
أيها المسلمون: من نظر إلى البحوث الأكاديمية والإحصائية، والدراسات المتخصصة الجادة فيما يتعلق بمشكلة خلط الفتيات بالفتيان في المدارس والجامعات، وخلط النساء بالرجال في الوظائف والمهن والأعمال - وصل إلى ما قررته الشريعة الغراء من لزوم فصل الفتيات عن الفتيان، وإبعاد الرجال عن النساء، وإلا كانت المصائب والمشكلات.
وأكثر هذه البحوث والدراسات والإحصاءات صدرت في دول علمانية نصرانية سبقت العالم في الاختلاط، وجربته عقوداً متتابعة، ثم صدرت بحوث أخرى في بلاد عربية وأخرى شرقية أثبتت بجلاء ووضوح أن منع الاختلاط خير للنساء والرجال والمجتمع بأسره.
ولكننا قد ابتلينا بصحفيين وإعلاميين وكتاب وبعض الذين لهم علاقة بالشأن التعليمي لا ندري ما هم؟ ولا كيف يفكرون؟ ولا ماذا يريدون؟
لا يحفلون بشرع الله تعالى، ولا يرفعون به رأسا، ولا يرضون به حكما حتى نحتكم وإياهم في قضية الاختلاط إلى الشريعة التي ارتضاها لنا ربنا، وأمرنا بها!
وليسوا من عقلاء البشر حتى نحتكم وإياهم إلى بدائه العقل ومسلماته.
وليسوا من أهل الدراسات والبحوث والإحصاء حتى نعرض قضايا الاختلاف بيننا وبينهم على تلك الدراسات والبحوث والإحصاءات.
إنهم عالة على مجتمعاتهم ،لا حظَّ لهم من تجربة وخبرة، وليس لديهم أثارة من علم ولا معرفة، ولم يكونوا من أهل القراءة والثقافة ومتابعة آخر البحوث والدراسات .
ثم فجأة أُبرزوا للناس في هيئة خبراء ومفكرين ومثقفين، يلوكون كلاماً لا يدركون أبعاده ولوازمه، ويستعملون ألفاظا ومصطلحات لا يفقهون أكثرها، وقد أُذِن لهم وربما شُجعوا على أن يخوضوا في القضايا الكبرى للأمة، وأن يردوا شرع الله تعالى بمحض أهوائهم وشهواتهم، وأن يناكفوا بهذيانٍ كهذيانِ البُلْه والمجانين كبار علماء الشريعة، والمختصين في علوم النفس والاجتماع والحضارة، لا زمام لمقولاتهم ولاخطام، ولا تستند إلى قواعد حتى يحاكمها عقلاء البشر إلى تلك القواعد؛ لنقص عقولهم ومعارفهم، ومرض قلوبهم ونفسياتهم...
ومعهم لفيفٌ ممن يتسمون بالليبراليات ويرون ان الليبرالية هو خروج المرأة واختلاطها بالرجال في كل مجال وفي كل مكان، وانما يردن إفساد بنات المسلمين باسم الإصلاح وانتزاع حقوق المرأة من المجتمع زعموا...
ولن يعطي المرأة حقوقها، ويضعها في مكانها اللائق بها إلا من خلقها (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) [الملك:14] فمن عارض شريعته ضُرِب بكلامه عرض الحائط كائنا من كان، ووجب الأخذ على يده، ورده عن غيه وإفساده.
واجب علينا ـ معشر الآباء معشر الأمهات ـ أن ننشِّئ بناتنا على أن تعتزّ الواحدة وتحمد ربها على أن جعلها أنثى، قال الله عزّ وجل: وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32]، ما ينبغي للمرأة أن تتمنى لو كانت رجلاً، ولا ينبغي للرجل أن يتمنى لو كان امرأة, لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمًا [النساء:32]، هذه التربية هي التي نشّأ عليها محمد الرجال والنساء ومَنع الاختلاط.
أيها الإخوة المسلمون، لا يقعدُ بالمرأة عن بلوغ أمل ولا عن تحصيل علم ولا تفاضل في عمل, فقد كان نساء من المؤمنات يشهدن صلاة الصبح مع رسول الله متلفعات بمروطهن ما يُعرفنَ من الغلس، كانت المرأة تشهد صلاة الصبح مع رسول الله ، وكنَّ يشهدن الجمعة والجماعة والغزو والجهاد، وكنّ يتلقّين العلم، ويسابقنَ في مضامير العمل, ما قعد بهن منع الاختلاط عن تحصيل ثواب أو التفوق في الحصول على أجر، لكن أعداء الله عزّ وجلّ يريدون أن يصوِّروا لنا أن منع الاختلاط معناه أن تحرم المرأة من العلم والعمل، يقولون لنا: أتريدون أن نعود إلى عصر الحريم؟! أتريدون لنا أنْ نرجع إلى القرون الوسطى، إلى العصور المظلمة؟! ونحو ذلك من كلام يهوِّلون به، ويخوّفون كل مُصْلِح, كل من يدعو إلى إصلاح، وكل من يدعو إلى منع الفساد، يهولون عليه بمثل تلك الشعارات الباطلة, لكن يبقى الحق حقًا، ويبقى الباطل باطلاً،
وإن من الواجب على عموم المسلمين أن يواجهوا الحملات المنظمة لإفساد المرأة والأسرة، وأن يدفعوا المحاولات المكرورة لتوسيع مجالات الاختلاط والفساد، وأن يسعوا في ردع المفسدين والمفسدات؛ ديانة لله تعالى في إنكار منكرهم، وصيانة لأعراضهم، وحفظا لنسائهم وبناتهم؛ فإن البلدان التي سبقت إلى الاختلاط يعاني نساؤها مشكلات تلو مشكلات، فإن استطاع المفسدون نشر الاختلاط وتعميمه أصابنا ما أصاب غيرنا، ولن يوقفهم عن غيهم إلا وقوفكم -عباد الله- في وجوههم، وفضح مخططاتهم، وبيان عوارهم، وكشف زيفهم، بالاحتساب عليهم، ونشر ما صدر من دراسات وإحصاءات تثبت ضرر الاختلاط، وذلك مسئولية الجميع، ولا يختص بأحد دون أحد؛ فإن الفساد إن انتشر عمَّ ضرره الجميع يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ) [النساء:27].
4