إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 15 أغسطس 2015

اجتهاد السلف في العبادة

( اجتهاد السلف في العبادة )
الخطبة الاولى : 
من الخطأ أن يدخل الشهر ويخرج ونحن في غمرة الغفلة، ومن الخطأ أن يكون دخول هذا الشهر وخروجه عادياً، يمر علينا من غير تفكير، ومن غير إعداد خطة لمزيد من التقرب إلى الله -تبارك وتعالى-، واغتنام الأوقات في هذه المناسبة، فهذا تقصير ليس بعده تقصير، والإنسان يحتاج إلى أن يقف مع نفسه لينظر كيف يستقبل هذا الشهر، وبأي شيء تتصرم عليه ساعته وأيامه ، وكيف ينتهي؟، فهو كما تعلمون بمجرد ما يدخل فإنه عما قليل تنقضي أوقاته، ثم ينتصف، وبعد ذلك يتلاشى في عملية مكررة لربما يتأسى بعضنا بعد فواتها في كل مرة، ولكن هل فكرت في تصحيح حالك كيف تستقبل هذا الشهر الكريم؟
هذا شهر بكاء وقراءة للقرآن، وجدّ واجتهاد في الطاعة، شهر حبس للنفس، وفطام عن كل شهواتها التي حرمها الله -عز وجل-، وعن شهواتها المباحة في نهاره، فلماذا قلبت القضية وانعكست الآية، وصار بالنسبة لكثير من المسلمين شهر لهو وعبث وخيبة؟؟
إن سلفنا الصالح -رضي الله عنهم- قد شغلوا أوقاتهم بالعبادة، ولم يكن لديهم فراغ
الكثير يتعذر بالاشغال ، هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- ألم يكن مشغولاً؟ ألم يكن هو الزوج، والمدبر لشئون الأمة، والمربي، والقائد، والمرتب للجيوش؟ ألم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الرجل الأول في المجتمع المدني؟
بلى كان كذلك -عليه الصلاة والسلام-، فكيف كانت عبادته؟

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله [ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فتقول: يا رسول الله! أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً».
وعن عبد الله بن عمير قال: «دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت: حدثينا بأعجب شيء رأيتهِ من رسول الله [، فبكت، فقالت: قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة! ذريني أتعبد لربي، قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، ثم قام فتطهر فقام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال يؤذنه للصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ...}». رواه أبو الشيخ في (أخلاق النبي)، و ابن حبان في (صحيحه)، وصححه الألباني . 
وكان رسول الله [ إذا نام ثلث الليل قام فقال: «أيها الناس! اذكروا الله، جاءت الراجفة، من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» يذكر الناس بالموت وبالقيامة لعلهم يقومون لصلاة الليل، 
وربما قام الليل كله بآية يرددها إلى الصباح: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (المائدة: 118).
هذا عوف بن مالك الأشجعي -رضي الله عنه- يصف صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى قال: "فاستفتح البقرة فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوَّذ، ثم ركع فمكث راكعاً قدر قيامه، ويقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر ركوعه يقول في سجوده: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ آل عمران ثم قرأ سورة ففعل مثل ذلك هذه الصلاة الطويلة كم تستغرق من ساعات؟
وهذه عائشة كما أخرج مسلم في صحيحه تصف صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تقول: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء -وهي التي يدعو الناسُ العَتَمَة- إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة"
وهذا زيد بن خالد الجهني يصف صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ليله حيث قال: "لأرمقن صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طـويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة"
ويقول ابن مسعود -رضي الله عنه- واصفاً حاله مع رسول الله -صلى الله عليه وسلمكما في الحديث المخرج في الصحيحين: ": صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأطال حتى هممت بأمر سوء، قال: قيل: وما هممتَ به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه"
وهذا حذيفة صلى مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: ((سبحان ربي العظيم))، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: ((سمع الله لمن حمده))، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: ((سبحان ربي الأعلى))، فكان سجوده قريباً من قيامه"
فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم وهو القائم بجميع أعباء الأمة وكلها مناطة به، بأبي وأمي هو -عليه الصلاة والسلام.
وأما خلفاؤه الراشدون ومن جاء بعدهم من الخلفاء فكذلك أيضاً كانت عبادتهم، ولم تكن أعباء الخلافة تشغلهم عن التقرب إلى الله -تبارك وتعالى.
فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: الصـلاة الصلاة.
وهذا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- لما اجتمع عليه أولائك وأرادوا قتله قالت امرأته: إن تقتلوه فإنه كان يحيي الليل كله في ركعة يجمع فيها القرآن
يقول عبد الرحمن بن عثمان: قلت ليلة: لأغلبن على مقام إبراهيم -أي يريد أن يصلي الليل خلف المقام-، يقول: فبكرت وسبقت إليه، فقمت أصلي، فإذا برجل يضع يده على ظهري، فإذا هو عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في أيام خلافته كأنه ينحيه قليلاً، يقول: فتنحيت عنه، فقام فافتتح القرآن حتى فرغ منه ثم ركع وجلس وتشهد وسلم في ركعة واحدة لم يزد عليها، فلما انصرف قلت: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة قال: هي وتري، سبحان الله ختم القرآن خلف المقام في ركعة واحدة
وهذا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مع ما جرى في وقته من الفتن والمصائب العظام، والحروب بين المسلمين؛ دخل عليه رجل من أصحابه بعد هجعة الليل وهو قائم يصلي، فقال: يا أمير المؤمنين: صوم بالنهار وسهر بالليل وتعب فيما بين ذلك، فلما فرغ علي -رضي الله عنه- من صلاته قال: سفر الآخرة طويل يحتاج إلى قطعه بسير الليل.
وهذا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- في أيام خلافته تقول زوجته فاطمةكان إذا صلى العشاء قعد في مسجده، ثم يرفع يديه فلم يزل يبكي حتى تغلبه عينه ثم ينتبه، فلا يزال يدعو رافعاً يديه يبكي حتى تغلبه عينه، يفعل ذلك ليله أجمع،
هذا علقمة بن قيس النخعي بات مع عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، يقول: فنام أول الليل ثم قام يصلي حتى لم يبق من الغلس إلا كما بين أذان المغرب إلى الانصراف منها، ثم أوقف
وأما أنس بن مالك فقد كان يصلي حتى تقطُر قدماه دماً من طول القيام، وهذا تميم الداري من علماء الصحابة -رضي الله عنه- كان يصلي بالناس في زمن عمر، فكان يقرأ القرآن في ركعة إذا صلى لنفسه، ولربما بقي يردد آية واحدة حتى يصبح، وكان يردد ليلة قول الله-عز وجل-: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [(21) سورة الجاثية]، رددها ليلة كاملة.
وهذا سعيد بن جبير الذي قال فيه الإمام أحمد: قتله الحجاج وليس على وجه الأرض أحد إلا هو محتاج إلى علمه، إنه عالم كبير بكتاب الله -عز وجل-، وفقيه في الدين، قام يصلي ليلة في جوف الكعبة فقرأ القرآن في ركعة واحدة، وهذا مسروق الأجدع كان يصلي حتى تتورم قدماه، حتى إن امرأته كانت تبكي مما ترى من تعبه ومعاناته.
وأما عروة بن الزبير وهو من فقهاء المدينة فكان يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف في النهار، ثم يقوم به في الليل، لقد كان يقرأ بمعدل نصف القرآن في يومه وليلته، وما تركه إلا ليلة واحدة حينما قطعت رجله في سفرته المعروفة حينما ذهب إلى الشام.
وهذا عبد الرحمن بن مهدي كان ورده كل ليلة طوال السنة نصف القرآن، وهذا طلق بن حبيب كان إذا افتتح سورة البقرة في الصلاة لا يركع حتى يبلغ العنكبوت -أي أكثر من نصف القرآن- وكان يقول: أشتهي أن أقوم حتى يشتكي صلبي.
وهذا عبد الرحمن بن مهدي كان ورده في كل ليلة نصف القرآن، وهذا وكيع بن الجراح كان لا ينام حتى يقرأ جزأه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر.
وهذا شعبة بن الحجاج جبلٌ في حفظ السنة ما ركع قط إلا ظن الناظر إليه أنه نسي من طول الركوع، ولا قعد بين السجدتين إلا ظن الناظر إليه أنه نسي، ويقول بعض من رأى قيامه: كان يقوم يصلي حتى تتورم أقدامه.
الخطبة الثانية : 
وهذا سفيان الثوري يقول بعض من شاهده أمام الكعبة يصلي: رأيته ساجداً فطفت سبعة أسابيع قبل أن يرفع رأسه، طاف سبعة أسابيع أي أنه طاف سبعة أطواف في كل طواف سبعة أشواط ولا زال سفيان الثوري على حاله في السجود!
ولما قدم إلى اليمن قدم على عبد الرزاق الصنعاني، يقول عبد الرزاق: فأتيته بسَكْباج -وهو اللحم الذي طهي بالخل- وبزبيب من زبيب الطائف فأكل ثم قال: يا عبد الرزاق، أعْلِف الحمار وكُدَّه، ثم قام يصلي حتى الصباح!.
فعلينا أن نتذكر هذه الكلمة حينما نجلس على ألوان الموائد والأطعمة والتي أصبحنا لا نعرف أسماءها، وأصبحت تجلب إلينا ألوان المطعومات من مشارق الأرض ومغاربها نتقلب في هذه النعم والله-عز وجل- يقول: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [(8) سورة التكاثر]، فهل تذكرت هذا حينما تجلس أمام المائدة وأنت لا تعرف أسماء الكثير مما وضع عليها؟، هل قدمت في مقابل ذلك شكراً بجوارحك لله -عز وجل- والله يقول: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [(13) سورة سبأ]؟ هل صليت تلك الليلة؟، هل صمت اليوم الثاني، أم أننا في أحسن أحوالنا نحمد الله -عز وجل- بلساننا فقط مع غفلة كبيرة في قلوبنا وفي واقعنا؟.
وأما الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة فكان -كما وصفه ابنه عبد الله- لا يفتر من الصلاة بين العشاءين، فيصلي بين المغرب والعشاء، ويصلي بعد العشاء في ورده من صلاة الليل، وكان ساعة يصلي العشاء الآخرة ينام نومة خفيفة ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو
وقد يقول بعضنا: قد رقت عظامي ووهنت، وبلغت من الكبر عتياً، فأقول: حتى مع الشيخوخة وتقدم العمر بالإنسان لم يكونوا يفرطون في طاعة الله -تبارك وتعالى.
الأحنف بن قيس بلغ سناً كبيرة، وضعف وشاب فكان يصوم، وكان أهله ومن حوله يقولون: إنك ضعيف، والصوم يضعفك!! فكان يقول: إني أُعده لسفر طويل، وكان عامة صلاة الأحنف بالليل
وهذا ابن عباس صحبه ابن أبي مليكة من مكة إلى المدينة فكان يصلي ركعتين على الراحلة، فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القرآن حرفاً حرفاً، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب
وبعضهم كان يقسم الليل أثلاثاً لكن بطريقة أخرى، فكانوا يقسمونه على أهل الدار يقوم هذا وينام الآخرون، ثم ينام هذا ويقوم الآخر، ثم ينام هذا ويقوم الثالث، وكان الحسن بن صالح مع أخيه ومع أمه قد قسموا الليل أثلاثاً، فلما ماتت أمه قسموه على نصفين يصلي الحسن بن صالح شطراً، ويصلي أخوه الشطر الآخر، فلما مات عليٌّ كره الحسن بن صالح –رحمه الله- أن يقطع عادته من إحياء بيتهم بصلاة الليل فكان يصلي الليل جميعاً يقوم بورده ويصلي الوقت الذي كان يصلي فيه أخوه وأمه.
كم نسمع من مثل هذه الآثار والأخبار لكن هل تؤثر فينا؟ هل تُغير من واقعنا شيئاً؟
عبدالله بن عمر قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام :  ((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل))، يقول سالم بن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-: "فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً
إنها كلمة واحدة سمعها: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل))، فكان لا ينام من الليل إلا قليلاً، حتى كان يصلي ثم إذا قارب الفجر يقول لمولاه نافع: أسْحَرْنا؟، أي أدخلنا في السحر؟ فيقول: لا، فيعاود الصلاة ثم يقول ذلك ثانية وثالثة ويقعد يستغفر ويدعو حتى يصبح، وكان له محراب يقوم فيه ويصلي -رضي الله عنه.
وأما صلاة التراويح إذا صلوا جماعة فقد صور لنا ذلك أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقول: "لقد كنت أقرأ بهم ربع القرآن في كل ليلة، فإذا أصبحت قال بعضهم: لقد خففت بنا الليلة".
وكان أبو رجاء العطاردي يختم بهم في رمضان في كل عشرة أيام ختمة، يعني أنه في الشهر يختم بهم في التراويح ثلاث ختمات،

هكذا كانت ليالهم، فلم تكن الليالي مشغولة أمام غرف المحادثات بجميع أنواعها في الإنترنت، ولم تكن لياليهم مشغولة أما الفوازير والمسلسلات والتمثيليات والممثلات اللاتي يستعرضن الفتنة أمام الصغير والكبير، ولم تكن لياليهم تُقضى في القيل والقال، ولعب الورق والغيبة والنميمة والتجول في الأسواق.
قد لا نصل الى عبادتهم واجتهادهم ، ولكن على الاقل ان نتشبه بهم ، ان نبادر الى الطاعة ، ان نجتهد فيها وخاصة في الاوقات والازمنة الفاضلة ، ان يكون لنا ورد نداوم عليه وان كان قليلا ، ان نستعد للرحيل ، فالموت لا يعرف صغيراً او كبيرا ولا ذكراً او انثى ولا غني او فقير ولا وضيع او وزير ... فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الاماني 


3

اخلاص العمل

( الاخلاص لله في العمل ) 
فاتّقوا الله -عباد الله- حقّ التقوى؛ فالعزّ في طاعة المولى، والذلّ في اتّباع الهوى.
أيّها المسلمون: القلوب لا تطمئنّ إلا بالله، وغِنى العبد بطاعةِ ربّه والإقبال عليه، ودينُ الحقّ هو تحقيقُ العبوديّة لله، وكثيرًا ما يخالط النفوسَ من الشهوات الخفيّة ما يفسِد تحقيقَ عبوديّتها لله، وإخلاصُ الأعمال لله أصل الدين، ولذلك أمر الله رسولَه بالإخلاص في قوله: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينِ) [الزمر: 2]، وأمِر النبيّ –صلى الله عليه وسلم- أن يبيِّن أنّ عبادتَه قائمة على الإخلاص فقال له: (قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينَ) [الزمر:11].
وبذلك أمِرت جميع الأمَم؛ قال -جلّ وعلا-: (وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ) [البينة:5].
وأحقّ النّاسِ بشفاعةِ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- يومَ القيامة من كان أخلصَهم لله؛ قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: مَن أسعد النّاس بشفاعتك يا رسول الله؟! قال: "مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه". رواه البخاري.
والإخلاص مانعٌ -بإذن الله- من تسلّط الشيطان على العبد، قال سبحانه عن إبليسفالمخلص محفوظ باخلاصه لانه أراد وجه الله 
به رِفعة الدرجات وطَرق أبوابِ الخيرات، يقول المصطفى –صلى الله عليه وسلم-: "إنك لن تُخلَّف فتعملَ عملاً تبتغي به وجهَ الله إلا ازدَدتَ به درجةً ورفعة". متفق عليه.
وإذا قوِي الإخلاص لله علَت منزلة العبدِ عند ربّه، يقول بكر المزني: "ما سبقَنا أبو بكر الصدّيق بكثير صلاةٍ ولا صيام، ولكنّه الإيمان وقَر في قلبه والنّصحُ لخلقه".
وهو سببٌ لتفريج الكروبِ وإجابة الدعوات ..المخلصُ لربّه مجابُ الدعوة؛ يقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "انطلقَ ثلاثة نفرٍ ممّن كان قبلَكم حتى آواهم المبيتُ إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرةٌ من الجبل فسدّت عليهم الغار، فقالوا: إنّه لا ينجّيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال كلّ واحدٍ منهم متوسّلاً إلى الله بصالح عملِه وإخلاصِه: اللهمّ إن كنتَ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجَت فخرجوا يمشون". متفق عليه.
بتجريدِ الإخلاصِ تزول أحقادُ القلوب وضغائن الصدور، يقول النبيّ –صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثٌ لا يغلّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمر، ولزوم جماعةِ المسلمين". رواه أحمد.
في الإخلاصِ طمأنينة القلب، وشعورٌ بالسّعادة، وراحَةٌ من ذلّ الخلق، يقول الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "مَن عرف الناس استراح". أي إنهم لا ينفعونه ولا يضرّونه.
وكلّ عملٍ لم يقصَد به وجه الله طاقة مهدَرَة، وسراب يضمحِلّ، وصاحبه لا للدنيا جمَع ولا للآخرة ارتفَع، يقول النبيّ –صلى الله عليه وسلم-: "إنّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغِي به وجهه". رواه النسائي.
وإخلاص العملِ لله وخلوصُ النية له وصوابه أصلٌ في قبول الطاعات، يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لا ينفع قولٌ وعمل إلا بنيّة، ولا ينفع قولٌ وعملٌ ونيّة إلا بما وافق السنة".
والإخلاصُ أن تكونَ نيّتك لله لا تريد غيرَ الله، لا سمعةً ولا رياءً ولا رِفعة عند أحدٍ ولا تزلّفًا، ولا تترقّب من الناس مدحًا، ولا تخشى منهم قَدحًا،
والله سبحانه غنيّ حميد، لا يرضى أن يشرِك العبد معه غيرَه، فإن أبى العبد إلا ذلك ردّ الله عليه عملَه، قال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث القدسي: "قال الله -عزّ وجلّ-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركتُه وشركَه". رواه مسلم.

أيّها المسلمون: العمل الصّالح -وإن كان كثيرًا مَع فسادِ النيّة- يورِد صاحبَه المهالك، فقد أخبر الله -عزّ وجلّ- عن المنافقين أنهم يصلّون وينفقون ويقاتِلون، وأخبر النبيّ –صلى الله عليه وسلم- عنهم أنهم يتلون كتابَ الله في قوله: "ومثل المنافقِ الذي يقرأ القرآن كالرّيحانة؛ ريحها طيّب وطعمُها مرّ". متفق عليه. 
ولفَقدِ صدقِهم في إخلاصهم قال الله عنهم: (إِنَّ الْمُنَـافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء:145]، و"أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة قارئ القرآن والمجاهدُ والمتصدّق بماله"، الذين لم تكن أعمالهم خالصةً لله، وإنما فعلوا ذلك ليقال: فلانٌ قارئ، وفلان شجاع، وفلانٌ متصدِّق. رواه مسلم.

والعملُ -وإن كان يسيرًا- يتضاعف بحُسن النيّة والصدقِ والإخلاص، ويكون سببًا في دخول الجنات، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "مرّ رجل بغُصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله، لأنحِّينَّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخِل الجنة". رواه مسلم. "وامرأة بغيّ رأت كلبًا يطيف بركيّة كادَ يقتله العطش، فسقته بموقها ماءً فغفر الله لها". متفق عليه.
يقول عبد الله بن المبارك: "رُبّ عملٍ صغيرٍ تعظّمه النية، وربّ عملٍ كبيرٍ تصغّره النية". قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله: (واللَّهُ يُضَـاعِفُ لِمَن يَشَاء) [البقرة:261]: "أي: بحسب إخلاصه في عمله".
والواجبُ على العبدِ كثرة الصالحات مع إخلاصِ النيات، فكن سبّاقًا لكلّ عملٍ صالح، ولا تحقرنَّ أيَّ عملٍ تخلِص نيتَك فيه، فلا تعلم أيَّ عملٍ يكون سببًا لدخولك الجنات، ولا تستخفَّنَّ بأيّ معصية؛ فقد تكون سببًا في دخولك النار، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "دخلتِ امرأة النارَ في هرّةٍ حبستها، لا هيَ أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاشِ الأرض". متفق عليه.
والله -جلّ وعلا- متّصِف بالحمد والكرم، وإذا أحسنَ العبد القصدَ ولم تتهيّأ له أسباب العمل فإنّه يؤجَر على تلك النية، وإن لم يعمل، كرَمًا من الله وفضلاً، يقول -عليه الصلاة والسلام-: "مَن سأل الله الشهادةَ بصدقٍ بلّغه الله منازلَ الشهداء، وإن مات على فراشه". رواه مسلم.
ويقول النبي –صلى الله عليه وسلم- عن الرّجل الذي لا مالَ عنده وينوي الصّدقة: لو أنّ لي مالاً لعملتُ بعمل فلان، قال: "فهو بنيّته". رواه الترمذي. بل إن الهمَّ بعملٍ صالح يؤجَر عليه العبد، وإن تخلَّف العمل، قال -عليه الصلاة والسلام-: "من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عندَه حسنةً كاملة". متفق عليه.
والمسلم يجعل نيّتَه صادقةً في كلّ خير، يقول عمر -رضي الله عنه-: "أفضلُ الأعمال صدقُ النيّة فيما عند الله، فإن صدَّق العمل النيةَ فذاك، وإن حِيل بين العمل والنية فلك ما نويتَ، ومن سرّه أن يكمُل له عملُه فليحسِن النية، فإنّ الله يأجر العبدَ إذا حسُنت نيته حتى بإطعامِ زوجته".

أيّها المسلمون: إذا قوِي الإخلاصُ وعظُمت النيّة وأخفِي العمل الصالح مما يشرَع فيه الإخفاء قرُب العبد من ربّه وأظلّه تحتَ ظلّ عرشه، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم-: "سبعةٌ يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه -وذكر منها-: رجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شماله ما تنفِق يمينه". رواه مسلم.
وكلّما أخفِي العمل كان أقربَ إلى الإخلاص، قال -جلّ وعلا-: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَـاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) [البقرة:271]. يقول بِشر بن الحارث: "لا تعمَل لتُذكَر، اكتُم الحسنةَ كما تكتم السيئة".
وفُضِّلت نافِلة الليل على نافلة النّهار، واستغفارُ السّحر على غيره؛ لأنّ ذلك أبلغ في الإسرار وأقربُ إلى الإخلاص.
وإذا أخلصتَ في العمل ثمّ أثنى عليك الخلقُ وأنت غيرُ متطلِّع إلى مدحِهم فليس هذا من الرياء، إنما الرياءُ أن تزيّن عملَك من أجلهم، سُئل النبيّ صلى الله عليه وسلم- عن الرّجل يعمَل العمل من الخير يحمدُه الناس عليه، فقال: "تِلك عاجِل بشرى المؤمِن". رواه مسلم.
ومن كان يعمل صالحًا، ثمّ اطّلع الخلق على عملِه، فأحجم عن الاستمرار في تلك الطاعة ظنًّا منه أنّ فعلَه بحضرتهم رياءٌ، فذلك من حبائل الشيطان، فامضِ على فعلِك، يقول الفضيل بن عياض: "تركُ العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شِرك، والإخلاص أن يعافيَك الله منهما".
وبعضُ النّاس يظنّ أنّ الإخلاصَ مقصور على الصّلاة والصّدقة والحجّ دون غيرها من الأوامر، ومِن رحمة الله ورأفته بعبادِه أنّ الإخلاص يُستصحَب في جميع العبادات والمعاملات، ليُثابَ العبد على جميع حركاتِه وسكناته، فزيارة الجارِ وصلةُ الرحم وبرّ الوالدين هي مع الإخلاص عبادَة، وفي جانب المعاملات من الصّدق في البيع والشراء وحسنِ عشرة الزوجَة والاحتساب في إحسان تربية الأبناء، كلّ ذلك مع الإخلاص يُجازَى عليه بالإحسان، يقول النبيّ –صلى الله عليه وسلم-: "ولستَ تنفِق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أجِرت عليها، حتى اللقمة تضعُها في في امرأتِك". متفق عليه.

أيّها المسلمون: الإخلاص عزيز، والنّاس يتفاضلون فيه تفاضلاً كبيرًا، ولتحصينه من آفةِ الرّياء والعُجب بالعمل الجأ إلى الله دومًا بالدّعاء أن تكونَ من عباده المخلَصين، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلّبها كيف يشاء، وكان أكثر دعاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "اللهمّ اجعل عملي كلَّه صالحًا، واجعله لوجهِك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا".
وأكثِر مِن مطالعة أخبار أهلِ الصدق والإخلاص، واقرَأ سيَر الصالحين الأسلاف، واحتَقِر كلّ عملٍ صالح تقدّمه، وكن خائفًا مِن عدم قبوله أو حبوطِه، فليس الشأن الإتيانَ بالطاعات فحسب، إنما الشأن في حفظها ممّا يبطِلها.
ومِن حفظِ العمل عدمُ العجب وعدم الفخر به، فازهَد في المدح والثناءِ، فليس أحدٌ ينفَع مدحُه ويضرُّ ذمّه إلا الله، والموفَّق من لا يتأثّر بثناء الناس، وإذا سمِع ثناءً لم يزِده ذلك إلا تواضعًا وخشية من الله، وأيقِن أنّ مدحَ الناس لك فتنة، فادعُ ربَّك أن ينجّيَك من تلك الفتنة، واستشعِر عظمةَ الله وضعفَ المخلوقين وعجزَهم وفقرهم، واستصحِب دومًا أنّ الناس لا يملِكون جنّة ولا نارًا ، وأنزِل الناسَ منزلة أصحابِ القبور في عدمِ جلبِ النفع لك ودفع الضرّ عنك، والنفوسُ تصلح بتذكّر مصيرها، ومن أيقنَ أنّه يوسَّد في اللّحد فريدًا أدرَك أنّه لن ينفعَه سوى إخلاصِه مع ربّه، وكان من دعاء السّلف: "اللهمّ إنّا نسألك العملَ الصالح وحفظَه".
الخطبة الثانية :
فهو الحي القيوم قام بنفسه وقام به كل شيء، فهو قائم على كل نفس بخيرها وشرها، قد استوى على عرشه وتفرَّد بتدبير ملكه، فالتدبير كله بيديه، ومصير الأمور كلها إليه، فمراسيم التدبير نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع والخفض والرفع والإحياء والإماتة والتوبة والعزل والقبض والبسط وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن: 29].
فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقِّب لحكمه، ولا راد لأمره، ولا مبدل لكلماته، تعرج الملائكة والروح إليه، وتعرض الأعمال أول النهار وآخره عليه، فيقدر المقادير ويوقت المواقيت، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها، قائمًا بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه -جل جلاله- ربًّا محسنًا إلى خلقه بأنواع الإحسان، متحببًا إليهم بصنوف النعم، وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وأوسع كل مخلوق نعمة وفضلاً، فوسعت رحمته كل شيء، ووسعت نعمته كل حي، استوى على عرشه برحمته، وخلق خلقه برحمته، وأنزل كتبه برحمته، وأرسل رسله برحمته، وشرع شرائعه برحمته، فهو الذي أحاط بصره بجميع من في أقطار الأرض والسماوات حتى أخفى ما يكون فيها، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء،، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك.
فسبحان من تحيرت العقول في عظمته وكمال صفاته ولطفه وعلمه بالغيب والشهادة والحاضر والغائب، ويرى خيانات الأعين وتقلبات الأجفان وحركات الجنان.
فإذا علمت بأن من دونه سبحانه هم خلق من خلقه وهم في تصرفه وفي قبضته أخلصت العبادة له وحده وتركت ما سواه، ولم تلتفت للخلق
أيّها المسلمون: ثوبُ الرياء يشفّ ما تحته، يفسِد الطاعةَ ويحبط الثوابَ، وهو من أقبحِ صفاتِ أهلِ النفاق: (يُرَاءونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء:142]، وهو من أشدِّ الأبواب خفاءً، وصفه ابن عباس -رضي الله عنهما- بقوله: "أخفى من دبيبِ النّمل على صفاةٍ سوداء في ظلمَة الليل". 
والنبيّ –صلى الله عليه وسلم- خافه على أمّته وحذّرهم منه، قال -عليه الصلاة والسلام-: "ألا أخبِركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدجال؟!"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الشركُ الخفي، يقوم الرجل يصلّي، فيزيّن صلاتَه لما يَرى مِن نظر الرّجل إليه". رواه أحمد. 
قال في تيسير العزيز الحميد: "الرّياء أخوفُ على الصالحين من فتنة الدجال".
وكان بعض السلف رحمهم الله يقوم الليل أكثر من عشرين سنة ولم تعلم به زوجته، سبحان الله انظر كيف ربّوا أنفسهم على الإخلاص وحملوها على إخفاء الأعمال الصالحة،  أي إخفاء للعمل كهذا، وأي إخلاص كهذا.
فأين بعض المسلمين اليوم الذي يحدث بجميع أعماله، ولربما لو قام ليلة من الدهر لعلم به الأقارب والجيران والأصدقاء، أو لو تصدق بصدقة أو أهدى هدية، أو تبرع بمال أو عقار أو غير ذلك لعلمت الأمة في شرقها وغربها، عجباً ثم عجباً، فإني أوصيك أخي المسلم إذا أردت أن يحبك الله وأن تنال رضاه فما عليك إلا بصدقات مخفية لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك فضلاً أن يعلمه الناس. وما عليك إلا بركعات إمامها الخشوع وقائدها الإخلاص تركعها في ظلمات الليل بحيث لا يراك إلا الله ولا يعلم بك أحد.
المرائي مضطربُ القلب، مزَعزَع الفكر، لا يُخلِص في عبوديّته ومعاملته، يعمَل لحظّ نفسه تارةً، ولطلب الدنيا تارةً، ولطلب الرفعة والمنزلةِ عند الخلق تارة.
المرائي يفضحه الله ويهتِك سترَه ويظهر خباياه، ضاعت آماله وخابَ سعيه، وعومِل بنقيض قصده، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "من يُسمّع يسمِّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به". رواه مسلم.
وإن أخفى المرائي كوامنَ نفسه وخفايا صدره أظهرَها الله.
فاخشَ على أعمالك من الخسران، فالميزان يومَ الحشر بمثاقيل الذرّ، المنّ والأذى يبطِل البَذل، والرياءُ يحبِط العمل، وإرادةُ الدنيا وثناء الخلق متوعَّد فاعلُه بدخول النار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا) [الكهف:110].

3