إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 14 يوليو 2015

خطبة عيد الفطر (١)

الخطبة الأولى 
أما بعد:
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أيها الأحبة في الله، ما أحوج الأمة في أيام محنها وشدائدها وأيام ضعفها وتيهها إلى وقفات، ما أحوجها إلى وقفات عند مناسباتها، في أعيادها وعباداتها، تستلهم العبر ويتجدد فيها العزم على المجاهدة الحقة ويصح منها التوجه على محاربة كل بغي وفساد، ما أحوجها إلى دروس تستعيد فيه كرامتها، وترد على من يريد القضاء على قيمها.
إن قضية القضايا وأصل الأصول كلمة التوحيد، وشعار الإسلام وعلم الملة لا إله إلا الله، كلمة تخلع بها جميع الآلهة الباطلة من دون الله، فيها نبذ لأمر الجاهلية كله، إثبات العبادة لله وحده لا شريك له، فالله هو الخالق وحده وما سواه مخلوق، وهو الرازق وحده وما سواه مرزوق، هو القاهر وحده وما سواه مقهور، هذا هو دليل التوحيد وهذا هو برهانه، ( للَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ. ) 
والأموات قد أفضوا إلى ما قدموا لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا ( إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ. )
ومن قضايا ديننا الأصلية أن الناس متساوون في التكاليف حقوقًا وواجبات، لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى، لا تفاضل في نسب، ولا تمايز في لون، فالنزاعات العنصرية والنعرات الوطنية والعصبيات القبلية ضرب من الإثم ومسالك الجاهلية.
ومن الواقع الرديء في عصرنا المعاصر أن توصف حضارة اليوم بحضارة العنصريات والقوميات، والدول الموصوفة بالتقدم تضمر في نفسها احتقارًا لأبناء القارات الأخرى، ولم تفلح المواثيق النظرية ولا التصريحات الخطابية؛ فإنك ترى هذا التمييز يتنفس بقوة من خلال المجالات السياسية والميادين الاقتصادية، والقضايا الاجتماعية، ويأتي كتاب ربنا ليدحض كل ذلك ( ٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَـٰرَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ويأتي نبينا محمد ليعلن منذ مئات السنين، يعلن ضلال هذا المسلك ((أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد؛ كلكم لآدم وآدم من تراب، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى)).
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أيها المسلمون، أمة شرَّفها الله بالإسلام فكيف ترضى غيره بديلاً، كيف يحلو لها أن تتخلف عن السير تحت لوائه، وترضى أن تقاد ذليلة تحت ألوية الجاهلية، ليس إلا الإسلام جامعًا للقلوب المتناثرة، وليس غير الدين مؤلفًا بين هذه الشعوب المتناثرة، جامعة إسلامية تتضاءل أمامها الشعارات القبلية والدعوات العنصرية والانتماءات الحزبية، به تتلاشى كل دعاوى الجاهلية.
أيها الإخوة في الله، ألم تستبن الأمة بعد طول هذه المعاناة وبعد هذا التمزق المخزي في سراديب مظلمة وطرق ملتوية، ألم تستيقن أن التخلي عن دينها هو الانتحار والدمار، وهو قرة عين الاستعمار، إننا إذا رمنا صلاحًا فيجب أن يبدأ الإصلاح من الداخل أولاً، يجب إيقاف حركة التمزيق الفكري والروحي، يجب القضاء على الانهزام النفسي في مجالات التربية والمناهج والإعلام.
لقد جرب المسلمون في هذه الأعصار وفي كثير من الأمصار مناهج ومشارب، وتعدد فيهم مسالك ومذاهب فلم يصلح لهم منها شيء، ولم تغنهم، لا قليلاً ولا كثيرًا، بل كلها طريق إلى التمزق والتبار، لا طريق إلا صراط الله، ولا نهج إلا نهج المصطفى محمد رسول الله .
أيها المسئولون، أيها العلماء، أيها الدعاة، أيها المربون، يجب إحياء الأخوة الإسلامية ودعائم الحب في الله، حين تلتقي الأمة بفئاتها وجماعاتها على العقيدة الحقة ونصرة دين الله، الولاء للإسلام وحده يستعلي هذا الولاء على كل انتماء أو انتساب ، إن جميع الحروب المعلنة على المسلمين ساخنها وباردها، عسكريِّها وفكريِّها كلها باسم الدين، ولا يكون الانتصار عليها إلا بالتمسك بالدين، يجب أن يكون الاهتمام بقضايا المسلمين الكبرى وشؤونهم العامة، فلا تضيعوا الأوقات بمسائل ومجادلات لا تحل بها للمسلمين مشكلة، يجب أن تطرح القضايا على بساط البحث بين المختصين ويبذل الجهد في تمييز الصواب من الخطأ، والراجح من المرجوح، ويحترم كل رأي مجتهد، سواء كان مخطئًا أو مصيبًا، والتحامل على المجتهد أو تجريحه مسلكٌ في الدين منكور، وخطأ المجتهد لا يبيح النيل من عرضه ولا يسوؤه أبدًا .
تلمس المعايب للبرءاء والتشهي لإلصاق التهم بالناس، وكما تستغفر لخطأ نفسك فاستغفر لخطأ أخيك، ( قَالَ رَبّ ٱغْفِرْ لِى وَلاخِى وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ. ) 
إن على أهل العلم والدعوة والتربية، أن يعلموا أن الحق ليس حكرًا على مسلك، وليس محصورًا في رأي بشر، والخلاف في الرأي لا يجوز أن يكون مصدر لجاجة أو غضب فذلك قائد إلى فساد المقاصد والخلل في الغايات.
إن حق النقد وإبداء الملاحظات لا يجعل الحق حكرًا على الناقد. لماذا يتحول الخلاف في وجهات النظر إلى عناد شخصي وانتصار ذاتي؟!، ثم إلى عداء ماحق للدين والدنيا، والأدهى من ذلك والأمَرُّ أن يبدأ الخلاف في فرعية صغيرة ثم يرقى إلى الاتهام في أصول الإسلام وقواعد الديانة، ويترقى من الجزئيات إلى التشكيك في المقاصد والنيات، هناك من يوغل في النقد والجدل حتى يدخل في دائرة التجريح والغيبة وتتبع الزلات والعثرات من غير فقه في واجب النصح وحسن الظن وأقدار الرجال.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وإنما من النصف في القول أيها الإخوة أن ينظر العلماء والدعاة في الأولويات، ينظرون في الأهم ثم المهم، فالأصول غير الفروع، والسنة غير الواجب، والمكروه غير الحرام، فلكل قيمته ووزنه ولكل موقعه وأثره، ومن كان ذا فكر محصور وإدراك ضيق وعلم قليل فإن الموازين عنده تختل، والأولويات تختلف، وقد ينحدر في التعقد المقيت، والانحياز المذموم لرأي أو عالم.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أيها الإخوة، وكما ينكر الغلو في الدين، والتعصب للرأي ينكر التسيب والتهتك، فلا إفراط ولا تفريط، وكما يطالب الدعاة بالاعتدال والحكمة، يطالب المدعوون بالبعد عن التذبذب والتناقض، لقد تفتحت أعين كثير من الغيورين بعد عهود الاستعمار، على واقع غير سار في كثير من ديار أهل الإسلام؛ استبيح الحمى ونهبت الديار، الاستعمار عاث في الديار وترك آثارًا غليظة فكرية ونفسية، ووقع كثير من بلاد المسلمين في أزمات مادية ومعنوية خانقة، تداعت عليها الذئاب المسعورة، ومزقتهم السياسات المشئومة، استجلبت نظم وثقافات لا تمت إلى الإسلام بصلة، صور كثيرة من الضياع واللامبالاة تمتلئ بها مواقع كثيرة من الساحة، مناهج في التربية مضطربة، مظاهر للكاسيات العاريات المائلات المميلات، وفوق كل ذلك دعوات سافرة لإلحاد وعلمانية وإباحية ومظاهر زندقة ونفاق، ألِفَ جمهور منهم الربا والزنا والخمر واللهو المحرم، مردوا على إضاعة الصلوات واتباع الشهوات ينكر منكرهم أن يكون للإسلام تدخل في شئون التشريع أو نظر في قضايا المجتمع، ويستنكر مستنكرهم أن يكون الولاء لله ولرسوله ولدينه مقدمًا على الولاء للعنصر أو التراب، ينكر وينكرون أن تكون قواعد التربية والسلوك مقرونة بشعائر التعبد والخضوع لله رب العالمين.
هذه نماذج من مواقع الخَور والجبن ومظاهر الانهزام النفسي وآثار حروب التشكيك والشبهات والشهوات.
في هذه الأجواء ظهرت نداءات مخلصة ودعوات صادقة وتطلعات مؤمنة، ترنوا إلى الدين منقذًا هاديًا، وإلى الإسلام موحدًا وجامعًا، صاحبها اجتهادات جادة، وتوجهات محمودة، وقد يكون صاحبها بعض من تعجل وزيادة من حماس، هي ردود فعل على قدر الفعل، غير أن ذلك لا يجوز أن يكون سبيلاً إلى غمص الحقوق وأهمل الصواب، فلقد أخطأ فيهم أناس فظنوا بهم غير الحق وأهدروا مرئيات ومواقف تنقصها الروية والتأني، وإن من لم يعش في الإسلام ودعوته، ولم يهتم بقضايا أمته ولم تشغله همومها ومآسيها، وكأنه لم يعش إلا لنفسه ومصالحه الشخصية الضيقة كيف يكون مؤهلاً للقول النَصَف والحكم العدل.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أيها الإخوة:
لعل بهذه الإشارات والإلمحات تكون بدايات صحيحة للإصلاح ولمّ الشمل ورأب الصدع الفكري، والعلو بالنفس إلى قصد الحق وحده، إن الاستمساك الحق بالإسلام يصبغ في المسلم السريرة ويحفظ فيه المسيرة، يستمسك بحبل الله، يحب في الله ويبغض فيه، ويعطي من أجله ويمنع له، يخاصم فيه ويسالم ويعتدل ويخالل، إن للدين آثارًا في الأخلاق والأعمال ظاهرة لا تملق ولا مداهنة، ولا غش ولا خيانة، ولكن رأفة بالمؤمنين ورحمة.
ألا فاتقوا الله أيها الأحبة فإن الدعوة إلى دين الله ورد الأمة إلى الجادة مسئولية كبرى يتحملها قادة حاكمون ومربون مخلصون، وشباب متدفق وشيوخ مجربون، سدد الله الخطا وبارك في الجهود، ووفق وتقبل الله من الجميع صالح الأقوال والأعمال، وغفر الذنوب وستر العيوب فهو الغفور الرحيم.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.


الخطبة الثانية 
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
الله أكبر أوجد الكائنات بقدرته فأتقن ما صنع، الله أكبر شرع الشرائع فأحكم ما شرع، الله أكبر لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
الحمد لله وكفى، وسلامًا على عباده الذين اصطفى، الحمد لله أهل الحمد ومستحقه، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تكفل لكل حي برزقه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، ومصطفاه من رسله، ومجتباه من خلقه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
أما بعد:
أيها المسلمون، لقد كان من وافر حظ أمة الإسلام وعنوان سعادتها وكرامة الله لها تهيئة زمن الكسب المبرور لصرف لحظات العمر وسويعات الحياة في سبل الطاعات ومسالك الخيرات، سعي حثيث للتزود من الباقيات الصالحات، ولقد كان شهركم شهر رمضان المبارك ميدانًا للتنافس الشريف، اجتهد فيه أقوام، جعلوا رضا الله فوق أهوائهم، وطاعته فوق رغباتهم، أذعنوا لربهم في كل صغير وكبير، لقد صاموا شهرهم وحافظوا على صيامهم فعظم في ربهم رجاؤهم، وقصر آخرون فأضاعوا أوقاتهم وخسروا أعمالهم، ما حجبهم إلا الإهمال والكسل والتسويف وطول الأمل، والأدهى من ذلك والأمَرُّ أن يوفق أناس لعمل الطاعات والتزود في فرص الخيرات حتى إذا ما انتهى الموسم نقضوا ما أبرموا، وعلى أعقابهم نكثوا، أين دروس الصلاح والطهر والاستقامة والتقى من هذا الشهر الكريم.
إن استدامة العبد على النهج المستقيم والمداومة على الطاعة من غير قصر على وقت بعينه أو شهر بخصوصه أو مكان بذاته، من أعظم البراهين على القبول(  وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ( رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ. ) 
وإن من مظاهر الإحسان ومواصلة العمل الصالح والتوديع بالحسنى إخراج زكاة الفطر حيث تأتلف القلوب ويتعاطف الغني مع الفقير، فرضت زكاة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين وما اشتكى فقير إلا بقدر ما قصر غني، ومقدارها صاع من طعام من غالب قوت البلد، كالأرز والبر والتمر عن كل مسلم، ووقت إخراجها الفاضل يوم العيد قبل الصلاة، فأخرجوها رحمكم الله طيبة بها نفوسكم تُكَفُ بها يد المسكين عن الطلب ويستغني بها عن المسألة.
الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
أيها الإخوة في الله، ومن مظاهر الإحسان بعد رمضان، الإحسان في العيد؛ فالعيد موسم بهجة بعد أداء الفريضة، وقد قيل: "من أراد معرفة أخلاق الأمة فليراقبها في أعيادها" فتنطلق فيه السجايا على فطرتها، وتبرز العواطف والميول والعادات على حقيقتها، والمجتمع السعيد الصالح هو الذي تسمو أخلاقه في العيد إلى أرفع ذروة وتمتد فيه مشاعر الإخاء إلى أبعد مدى، حيث يبدو المجتمع في العيد متماسكًا متعاونًا متراحمًا، تخفق القلوب بالحب والود، والبر والصفاء.
إن العيد في الإسلام أيها الإخوة غبطة في الدين والطاعة، وبهجة في الدنيا والحياة، ومظهر للقوة والإخاء، إنه فرحة بانتصار الإرادة الخيِّرة على الأهواء والشهوات، وبالخلاص من إغواءات شياطين الإنس والجن، والرضا بطاعات المولى والوعد الكريم بالفردوس والنجاة من النار.
في الناس أيها الإخوة من تطغى عليه فرحة العيد فتستبد بمشاعره ووجدانه لدرجة تنسيه واجب الشكر والاعتراف بالنعم، وتدفعه إلى الزهو بالجديد والإعجاب بالنفس حتى يبلغ درجة المخيلة والتباهي، وما علم هذا المتباهي أن العيد قد يأتي على أناس قد ذلوا من بعد عز، في العيد تهيج في نفوسهم الأشجان وتتحرك في صدورهم كثير من الأحزان، ذاقوا من البؤس ألوانًا بعد رغد العيش، وتجرعوا من العلقم كيزانًا بعد وفرة النعيم، فاعتضاوا عن الفرحة بالبكاء، وحل محل البهجة الأنين والعناء، أما نظر هؤلاء في أطفال المسلمين ، كم من يتيم ينشد عطف الأبوة الحانية، ويتلمس حنان الأم الرؤوم، يرنو إلى من يمسح رأسه ويخفف بؤسه، كم من أرملة توالت عليها المحن فقدت عشيرها، تذكرت بالعيد عزًا قد مضى تحت كنف زوج عطوف، كل أولئك وأمثالهم قد استبدلوا بعد العز ذلاً، وبعد الرخاء والهناء فاقة وفقرًا، فحق على كل ذي نعمة ممن صام وقام أن يتذكر هؤلاء، فيرعى اليتامى ويواسي الأيامى، ويرحم أعزة قوم قد ذلوا، وغرباء قد شردوا، كم هو جميل أن تظهر أعياد الأمة بمظهر واعٍ لأحوالها وقضاياها، فلا تحول بهجتها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يرزح تحتها فئام من أبنائها، حيث يجب أن يطغى الشعور بالإخاء قويًا، فلا تُنسَ العراق الشامخ ولا الشيشان الصامد  ولا تُنسى فلسطين العزيزة ، ولا الإخوة في الهند وكشمير، ولا في أراضي من المسلمين أخرى منكوبة، كيف تنسى بمجاهديها وشهدائها، بيتاماها وأراملها، بأطفالها وأسراها ومشرديها، لماذا يتركون يستنجدون أمم الأرض لقمة وكساءً وخيمة وغطاء، وفي المسلمين أغنياء وموسرون، كم هو جميل أن يقارن الفرح بالعيد وبهجته السعي لتفريج كربة وملاطفة يتيم، ومواساة ثكلى، يقارنه تفتيش عن أصحاب الحوائج، فإن لم تستطع خيلاً ولا مالاً فأسعفهم بكلمة طيبة وابتسامة حانية ولفتة طاهرة من قلب مؤمن.
إنك حين تأسو جراح إخوانك إنما تأسو جراحك، وحين تسد حاجة جيرانك إنما تسد حاجة نفسك وما تنفقوا من خير فلأنفسكم مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ. ) 
أيها الإخوة في الله إن الابتهاج بالعيد نعمة لا يستحقها إلى الشاكرون، وما الشكر عليها إلا صمود لنوائب الدهر ويقظة لدسائس العدو، وعمارة للأرض بنشر دين الله، ومن هنا أيها الإخوة فإن أعياد المسلمين يشارك فيها حق المشاركة ويبتهج فيها صدق الابتهاج أهل الطاعات من الصائمين والقائمين والركع السجود، أما من لم يصم عاصيًا لله، ولم يقم بما أوجب الله عليه، فلا عيد له ولا بهجة.
العيد مناسبة لإطلاق الأيدي الخيرة في مجال الخير حيث تعلو البسمة الشفاه، وتغمر البهجة القلوب، مناسبة لتجديد أواصر الرحم للأقرباء، والود مع الأصدقاء، تتقارب القلوب على المحبة وتجتمع على الألفة وترتفع عن الضغائن.
فاتقوا الله أيها المؤمنون، وودعوا شهركم وابتهجوا بعيدكم بالبقاء على العهد وإتباع الحسنة الحسنة؛ فذلك من علامات قبول الطاعات، وقد ندبكم نبيكم محمد بأن تتبعوا رمضان ستًا من شوال فمن فعل ذلك فكأنما صام الدهر كله.
تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وسائر الطاعات، وأعاد علينا وعلى أمة الإسلام هذا الشهر وهذا العيد بالقبول والغفران والصحة والسلام والأمن والأمان، وعز الإسلام وأهله وارتفاع راية الدين ودحر أعداء الملة.
الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
هذا وصلوا وسلموا على نبيكم نبي الرحمة والهدى محمد بن عبد الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل: (  إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً (   اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى الصحابة أجمعين وارض اللهم عنهم أجمعين وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

1

ماذا بعد رمضان (٢)

( ماذا بعد رمضان )
الخطبة الاولى : 
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتفكَّروا في سرعة مرور الأيام والليالي، وتذكروا بذلكم قرب انتقالكم من هذه الدنيا، فتزودوا بصالح الأعمال، حلّ بنا شهر رمضان المبارك بخيراته وبركاته ونفحاته، ثم انتهى وارتحل سريعًا، شاهدًا عند ربه لمن عرف قدره واستفاد من خيره بالطاعة، وشاهدًا على من أضاعه وأساء فيه البضاعة.
فليحاسب كل منا -أيها الإخوة- نفسه، ماذا قدم في هذا الشهر، فمن قدم خيرًا فليحمد الله على ذلك، وليسأله القبول والاستمرار على الطاعة في مستقبل حياته، ومن كان مفرطًا فيه فليتب إلى الله، وليبدأ حياة جديدة يشغلها بالطاعة، بدل الحياة التي أضاعها في الغفلة والإساءة، لعل الله يكفر عنه ما مضى ويوفقه فيما بقي من عمره، قال تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود:114]، وقال تعالى: (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) [الفرقان:70].

أيها الإخوة الأكارم: كم هو جميل وأنت تنظر لتلك الوجوه المتوضئة الصائمة وهي تنطلق إلى المساجد لتشهد صلاة العشاء ومن ثم صلاة التراويح!

وأجمل منها حينما تنطق تلك الأفواج الإيمانية إلى المساجد بعد منتصف الليل لتصلي ما كتب الله لها!

وأجمل من ذلك كله حينما تذرف تلك الدمعات الحارة الخائفة من عقاب الله والفرحة بثواب الله! ما أجمل ذلك الجو الإيماني المليء بالخشية والإنابة والإخبات والخوف من الجليل!

أخي الحبيب،: إن كنت ممن استفاد من رمضان وتحققتْ فيه صفات المتقين فصمته حقًّا، وقمته صدقًا، واجتهدت في مجاهدة نفسك فيه، فاحمد لله واشكره، واسأله الثبات على ذلك حتى الممات.

وإن أحذرك من شيء فإني أحذرك من نقض الغزل بعد إبرامه وغزله، أرأيت لو أن امرأة غزلت غزلاً وقد استغرق منها شهرًا كاملاً، فصنعت بذلك الغزل أجمل ما يصنعه الغزّالون، لكنها حينما كمل وجمل وأعجبها منظره جعلت تقطع خيوطه وتنقض محكمه، وتحله خيطًا خيطًا دون سبب، فماذا عسى أن يقول الناس عنها؟!

ذلك -يا أخي - هو حال من يرجع إلى المعاصي والفسق والمجون، ويترك الطاعات والأعمال الصالحة بعد رمضان، فبعد أن كان يتقلب في جنان العبادة وبساتينها إذا هو يتنكب عن الطريق، فيتقلب في أوحال المعصية والفجور، فبئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان.
ولنقض العهد مظاهر كثيرة عند الناس، فمنها على سبيل المثال:

1- ما تراه من تضييع أناس للصلوات المفروضة مع الجماعة، فبعد امتلاء المساجد بالمصلين لأداء الفرض، بل امتلاء المساجد بالمصلين في صلاة التراويح التي هي سنة، إذا بالمساجد قد قل روادها في الصلوات الخمس التي هي فرض يكفر تاركها.

2- ومن ذلك السفر للخارج، فنرى الناس على أبواب وكالات السفر زرافات ووحدانًا، يتسابقون لشراء تذكرة السفر إلى بلاد الكفر والانحلال والفساد وغير ذلك.
وما هكذا تشكر النعم، وما هذه علامة قبول الحسنة
أيها المسلمون: إنه وإن انقضى شهر رمضان فإن عمل المؤمن لا ينقضي قبل الموت، قال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر:99].

فلئن انقضى صيام شهر رمضان فإن المؤمن لن ينقطع من عبادة الصيام بذلك، فالصيام لا يزال مشروعًا -ولله الحمد- في العام كله؛ ففي صحيح مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر".

وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يوم عرفة، والصيام من شهر الله المحرم، وشهر شعبان، وصيام الاثنين والخميس.
ولئن انقضى قيام شهر رمضان، فإن القيام لا يزال مشروعاً ولله الحمد في كل ليلة من ليالي السنة ثابتاً من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي صحيح البخاري عن المغيرة بن شعبة قال: إن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقوم أو ليصلي حتى تَرِم قدماه، فيقال له فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".

وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".

ومن النوافل التي يُحافظ عليها: الرواتب التابعة للفرائض، وهي اثنتا عشرة ركعة؛ فعن أم حبيبة قالت: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير الفريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة". رواه مسلم.

ومن الأعمال الصالحة التي لا تختص برمضان فقط: قراءة القرآن؛ فإنها ليست خاصة برمضان، بل هي في كل وقت، فليكن لكل واحد منا ورد من القرآن يقرؤه يوميًا.

وينبغي أن تحرص على أعمال البر والخير، وأن تكون بين الخوف والرجاء، تخاف عدم القبول، وترجو من الله القبول، وتتذكر أنّ يوم عيدنا الوقوفُ بين يدي الله -عز وجل-؛ فمنا السعيد ومنا غير ذلك.

مرَّ وهيب بنُ الورد على أقوام يلهون ويلعبون في يوم العيد، فقال لهمعجبًا لكم! إن كان الله قد تقبل صيامكم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان الله لم يتقبله فما هذا فعل الخائفين.

فكيف لو رأى ما يفعله أهل زماننا من اللهو والإعراض، بل مبارزة الله بالمعاصي يوم العيد.
الخطبة الثانية : 
أيها المسلمون: إن الشهورَ واللياليَ والأعوام مقاديرُ للآجال ومواقيتُ للأعمال، تنقضي حثيثًا وتمضي جميعًا، والموت يطوف بالليل والنهار، لا يؤخّر من حضرت ساعته وفرغت أيامه، والأيام خزائن حافظةٌ لأعمالكم، تُدعَون بها يوم القيامة: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا) [آل عمران:30]، ينادي ربكم: "يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفِّيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه". رواه مسلم.

لقد رحل شهركم بأعمالكم، وخُتم فيه على أفعالكم وأقوالكم، فمن كان مسيئًا فليبادر بالتوبة والحسنى قبل غلق الباب وطيِّ الكتاب، ومن كان في شهره إلى ربه منيبًا، وفي عمله مصيبًا، فليُحكم البناءَ، ويشكر المنعمَ على النعماء، ولا يكن كالتي نقضت غزلها من بعد قوَّة أنكاثًا، وما أجملَ الطاعة تعقبها الطاعات، وما أبهى الحسنة تُجمع إليها الحسنات، وأكرِم بأعمال البر في ترادف الحلقات، إنها الباقيات الصالحات التي ندب الله إليها ورغَّب فيها، وكونوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمل، فالله لا يتقبل إلا من المتقين، وما أقبح فعل السيئة بعد الحسنة، ولئن كانت الحسنات يُذهبن السيئات فإن السيئات قد يحبطن الأعمال الصالحات.

أيها المسلمون: كنتم في شهر البر والخير، تصومون نهارَه، وتقومون ليلَه، وتتقرَّبون إلى ربكم بأنواع القربات طمَعًا في الثواب وخشيةً من العقاب، وقد رحلت تلك الأيام، وكأنها ضربُ خيال، لقد قطعت بنا مرحلةً من حياتنا لن تعود، هذا هو شهركم، وهذه هي نهايته، كم من مستقبلٍ له لم يستكمله، وكم من مؤمِّل أن يعودَ إليه لم يدركه، وهكذا أيام العمر مراحلُ نقطعها يومًا بعد يوم في طريقنا إلى الدار الآخرة.

إن استدامةَ أمر الطاعة، وامتدادَ زمانها، زادُ الصالحين، وتحقيق أمل المحسنين، وليس للطاعة زمنٌ محدود، ولا للعبادة أجل معدود، بل هي حقّ لله على العباد، يعمرون بها الأكوان على مرّ الأزمان، وشهر رمضان ميدانٌ لتنافس الصالحين وتسابق المحسنين، يعملون بأرواحهم إلى الفضائل، ويمنعون عنها الرذائل، ويجب أن تسير النفوس على نهج الهدى والرشاد بعد رمضان، فعبادة ربِّ العالمين ليست مقصورة على رمضان، وليس للعبد منتهى من العبادة دون الموت، وبئس القوم يعبدون الزمان لا يعرفون الله إلا في رمضان.

أيها المسلمون: إن للقبول والربح في هذا الشهر علاماتٍ، وللخسارة والردّ أمارات، وإن من علامة قبول الحسنة فعلَ الحسنة بعدها، ومن علامة السيئة السيئة بعدها، فأتبعوا الحسنات بالحسنات تكن علامةً على قبولها، وأتبعوا السيئاتِ بالحسنات تكن كفارة لها ووقايةً من خطرها: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذاكِرِينَ) [هود:114]، ويقول -عليه الصلاة والسلام-: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنةَ تمحُها، وخالق الناسَ بخلق حسن". رواه الترمذي.
ومن عزم على العود إلى التفريط والتقصير بعد رمضان فالله حيّ لا يفنيه تداولُ الأزمان وتعاقب الأهلة، وهو يرضى عمن أطاعه في أي شهر كان، ويغضب على من عصاه في كلِّ وقت وآن، ومدار السعادة في طول العمر وحسن العمل، ومداومة المسلم على الطاعة من غير قصرٍ على زمان معيّن أو شهر مخصوص أو مكان فاضل، من أعظم البراهين على القبول وحسن الاستقامة.
ألا فلا يُنسِيَنَّكم -عباد الله- ما أنتُم فيه من عيدٍ وسُرور ما يُعانِيه إخوانٌ لكم لم يعرِفوا العيد ولا الفرحةَ ولا السُّرور، فالشهورُ عندهم على حدٍّ سواء بين دوِيِّ القنابل وصُروف الحروب المُدمِّرة، لا تغمِضُ أجفانُهم إلا لُمامًا، لم يخْلُ بيتٌ فيهم من قتيلٍ أو جريحٍ أو شريدٍ، ما انفكَّوا مظلومين حُفاةً جِياعًا ضُعفاء، يفترِشون الأرض، ويلتحِفون الهواء.
 فاللهَ اللهَ أن تُنسِيَكم فرحةُ العيد أحزانَهم وآلامَهم، فلا تحرِموهم عاطفةً قلبيَّةً بالدعاء، ولا عاطفةً ماديَّةً بالدعم والإغاثة والمُواسَاة؛ فإن الله في حاجة العبد ما كان العبدُ في حاجَة أخِيه.


3