إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 2 يوليو 2015

رمضان شهر الجود والإحسان

( رمضان شهر الجود والاحسان ) 
أما بعد:
فإن رمضان يمتاز عن غيره من الشهور بأنه الشهر الذي بعث فيه نبي الإسلام، ونزل فيه الأمين بالوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو شهر الوحي، وشهر القرآن، وشهر الجود والعطاء؛ إذ إن الله تعالى قد جاد على عباده بنزول القرآن، وإرسال خاتم الرسل؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأيُّ جود أعظم من هذا الجود؟!
ويجود الله تعالى على عباده فيه بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، ثم إن أجودَ الناس وأجزلهم عطاءً، وأسخاهم نفساً رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود ما يكون في رمضان، فاجتمع الجودان؛ جودُ رمضان، وجودهُ صلى الله عليه وسلم، وكان جوده بجميع أنواع الجود من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعامِ جائعهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، لم يزل على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ حتى قالت خديجة في أول بعثه: " والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق ".
كان الجود سجية له صلى الله عليه وسلم جبله الله عليها، وزاد جوده وكرمُه بعد البعثة، وتحملِ الرسالة أضعافاً مضاعفة، فهو أكملُ الناس إيماناً، وأعلمهم وأيقنهم أن ما عند الله خير وأبقى، فكان لا يمسك من المال شيئاً؛ قال أنس بن مالك رضي الله عنهكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجعَ الناس؛ متفق عليه.
وفي صحيح مسلم عنه رضي الله عنه قالما سئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، فجاءَه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمداً صلى الله عليه وسلم يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة.
قال أنس: " إن كان الرجلُ ليسلم ما يريدُ إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون الإسلامُ أحبَ إليه من الدنيا وما عليها ".
وقال صفوان بن أمية رضي الله عنه: " والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحبُ الناس إليَّ " قال الزهري رحمه الله تعالى: " أعطاه يوم حنين مائة من النعم ثم مائة ثم مائة "، وقال الواقدي: " أعطاه يومئذ وادياً مملوءاً إبلاً ونَعَماً حتى قال صفوان: " أشهد ما طابت بهذا إلا نفسُ نبي".
وأخبر عنه جابُر بن عبدالله رضي الله عنهما فقال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا.
وكان صلى الله عليه وسلم يُقدِّم الناس على نفسه؛ فقد روى البخاري من حديث سهل رضي الله عنه أن امرأة جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ببردةٍ منسوجة فيها حاشيتها أتدرون ما البردة؟ " قالوا: الشملة، قال: "نعم "، قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسَّنَها فلان، فقال: اكسنيها ما أحسنها، قال القوم: ما أحسنت؛ لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد قال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألتها لتكون كفني، قال سهل: فكانت كفنه.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: " وكان جوده صلى الله عليه وسلم كله لله عز وجل، وفي ابتغاء مرضاته؛ فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألفُ به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه.
وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده، فيعطي عطاءً يعجز عنه الملوك مثلُ كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهرُ والشهران لايُوقَدُ في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع.
وكان قد أتاه صلى الله عليه وسلم سبيٌ مرة فشكت إليه فاطمةُ ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادماً يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها وقال: " لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع ".
وكان جودُه صلى الله عليه وسلم يتضاعفُ في شهر رمضان على غيره من الشهور ؛ فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة؛ وكان على ذلك من قبل البعثة... كان صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنةٍ شهراً يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا كانت سنة بعثه للناس نبياً وهادياً؛ خرج إلى حراء كما كان يخرج كل عام حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله تعالى برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريلُ من الله عز وجل.
ثم كان بعد الرسالة جودُه في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك حيث كان جبريل يدارسه القرآن.
فجبريل أفضل الملائكة، والقرآن أشرف الكتب، ومحمد صلى الله عليه وسلم خير البشر، وخاتم الرسل، فاجتمع الشرف كله في هذا الاجتماع، وتلك المدارسة.
ولقد كان هذا القرآن لرسول الله صلى الله عليه وسلم خلقاً، يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، ويمتنع مما زجر عنه؛ فلهذا كان يتضاعف جوده في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل عليه السلام، وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم الذي يحث على المكارم والجود ".
أيها الإخوة: ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، وهو لنا قدوة، وقد كان يجود في رمضان.

مع ما في الجود في هذا الشهر من فوائد لا تحصى ومزايا لا تعد، حيث شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل، والصدقةُ فيه تعين الفقراء الصائمين القائمين الذاكرين على الطاعة، فيستوجبُ المعينُ لهم مثلَ أجرهم، ومن فطر صائماً فله مثلُ أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء "، وتفطير الصائمين جودٌ وكرم.

وإذا كان الله يجود على عباده في رمضان بالرحمة والمغفرة والعتق من النار لاسيما في ليلة القدر، فأولى أن يستحق ذلك أهل الجود الذين يرحمون عباد الله وقد قال صلى الله عليه وسلم " إنما يرحم الله من عباده الرحماء متفق عليه فمن جاد على عباد الله تعالى جاد الله عليه بالفضل والعطاء.

ينضم إلى هذا الفضل العظيم أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: " إن في الجنة غرفاً يُرى ظهورُها من بطونها وبطونُها من ظهورها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيَّب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام أخرجه أحمد والترمذي. وهذه الخصال كلها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيامُ والقيامُ والصدقةُ وطيبُ الكلام.

بل إن من معاني الصيامِ العظيمةِ: إحساس الأغنياء بحاجة إخوانهم الفقراء فيسدوا حاجتهم، ويجودوا عليهم.

سئل أحد السلف: لم شرع الصيام؟ قال: " ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع ".

لذا كان كثير من السلف يواسون من إفطارهم، أو يؤثرون به ويجوعون.

كان ابن عمر رضي الله عنهما يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين فإذا منعهم أهلهُ عنه لم يتعش تلك الليلة.

وكان إذا جاءَه سائلٌ وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل فيرجع وقد أكلَ أهله ما بقي في الجفنة فيُصبحَ صائماً ولم يأكل شيئاً.

واشتهى أحد الصالحين من السلف طعاماً وكان صائماً فوضع بين يديه عند فطوره فسمع سائلاً يقول: من يقرض المليّ الوفيّ الغني، فقال: عبدُه المعدمُ من الحسنات فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات طاوياً.

وجاء سائلٌ إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يُعدهما لفطره ثم طوى وأصبح صائماً.

فلله درُّ تلك النفوس ما أسخاها، وماأشد إيثارها، وما أعظم رغبتها فيما عند مولاها.

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أُحِبُ للرجلِ الزيادةَ بالجود في شهر رمضان اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم ".

فأين الأغنياء والموسرون؟! شهر الجود دونكم فجودوا جاد الله عليكم ( وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ ) [المزمل:20] ( إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ) [التغابن:17]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
الخطبة الثانية : 
أيها المسلمون: حين نرى المرء يقضي وقته ويبذلُ جهده ليجمع المال، ثم ترى صاحب المال يبذله لفقير محتاج، تعلم حينها أنه ما بذل المال الغالي إلا في أمر أحبّ وأرغب، وهو رضا الله سبحانه، وقد صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذ قال: "والصدقةُ بُرهانٌ"، أي: برهانُ صدقِ الإيمانِ.
ذكرت كتب التراجم أن علي بن الحسين كان من أغنياء الناس، ولكن الناس لم يكونوا يرون منه إنفاقًا وصدقاتٍ، وكان بعضهم ربما عتب عليه ولمزه بالبخل، ولكنه كان له مع البذل شأن آخر، لقد كان إذا ما نامت العيون وأظلم الليل حمل الأطعمة والمؤن على ظهره، ومضى متنقلاً بين بيوت فقراء المدينة، فيعطي كل محتاج ولا يعلم به أحد من الناس، وحتى من يعطيهم من الفقراء لم يعرفوه يومًا من الأيام، ومضى على هذا الشأن حتى توفاه الله.
وفي أثناء غسله رأى مغسلوه أثر سواد على ظهره، وظلوا يتساءلون عن أثر هذا الحمل، حتى فقده بوفاته مائة عائلة من الفقراء ممن يعولهم ومن يحمل لهم الطعام في الليل، فعرف الجميع أن الحامل والمنفق لم يكن إلا علي بن الحسين، وأن عليًا كان ذا صدقة يبذلها في السر، وأن الأثر في ظهره هو أثر الحمل المتكرر.
عباد الله: المال مال الله أعطاه عبده ليرى كيف يعمل فيه، والذي أغنى الغني وأفقر الفقير قادر في طرفة عين أن يقلب الحال فيعود الغني فقيرًا.
المال فتنة بين يدي صاحبه، يُسأل عنه: من أين جمعه؟! وأين وضعه؟! وبين هذين السؤالين؛ فكم من أقوام من أهل المال سيتساقطون! إذا لم يعدوا لذلك السؤال جوابًا صوابًا، فرسبوا في امتحان: مِن أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟
أيها المبارك، يا صاحب المال: نعم؛ لقد تعبْتَ في جَمْعِه، وأمضيت عمرك لأجل نيله، فما الذي يدعوك لأن تبذله لامرئ لا يعنيك؟!
إن الفقراء نعمة من الله للأغنياء، وفرصة لهم ليتقربوا لرب الأرض والسماء بإعانتهم.
تأمل في شأن المال الذي في يدك، والذي تقول إنه لك: مَن الذي أقدرك على التكسب به والعمل؟ ومن الذي وفقك للربح في وقت ربما خسر غيرك؟ من الذي جعلك غنيًا وجعل غيرك فقيرًا؟ أليس هو الله الذي أحوج الفقير إليك، ولم يحوجك إلى أحد من خلقه لتسأله؟ فأين الإحسان؟.

عباد الله: كثيرٌ هم من يحل المال بأيديهم، لكن منهم من بخل: (وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) [محمد:38]، والله غني عنه وعن بذله، أوعده الشيطان الفقر فقبض يده فمحقت بركة ماله، وكان ذلك سبب خساره.

ومنهم أقوام بذلوا وقدموا، وفي أوجه الخير تصدقوا، جعلوا المال مركبًا موصلاً للجنان، وطريقًا ينالون به رضا الرحمن، كلما سمعوا بمجال خير وبذل ساهموا، وبمحتاج سارعوا، وبباب إنفاق تقدموا، وما ضرهم بل لقد زادهم؛ لأنهم يتعاملون مع الكريم الشكور الذي يعطي على القليل الكثير؛ لأنهم يتعاملون مع الذي قال: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) [البقرة:245].

واللهِ ما ضرهم! وما نقصت أموالهم؛ لأن الله رغّبهم فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:261].

فطوبى لنفس طابت ببذل المال وهو للنفس محبوب، فأرخصته في سبيل نيل رضا علام الغيوب، والاستظلال بظل العرش في يوم الكروب، والمرء في ظل صدقته يوم القيامة.

وكان من هؤلاء رجال مضوا وثبتت أجورهم وبقيت مآثرهم، حينما أنفقوا في سبيل الله وتصدقوا.

أبو بكر يأتي بماله صدقة، فيقول الرسول له: "ما أبقيت لأهلك؟!"، فيقول: أبقيت لهم الله ورسوله.

عثمان ما زال ينفق وينفق في حفر آبار، وإطعام فقراء، وحين احتاج الرسول -صلى الله عليه وسلم- لتجهيز جيش العسرة قال للصحابة حاثًّا: "مَن جهَّز جيش العسرة فله الجنة"، فما زال عثمان يعطيه من المال ومن الرواحل حتى قال -صلى الله عليه وسلم-: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم".

وكان منهم أبو طلحة الذي خرج من بستانه وتصدق به وهو أحب أمواله إليه حينما سمع آية واحدةً في القرآن تقول: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:92].

وكان منهم عائشة التي جاءها من معاوية مائة ألف درهم، فما قامت حتى أنفقتها كلها للفقراء ونسيت نفسها، وكانت صائمة فلم يتبق منها الاّ اثنا عشر درهماً ذكرتها جاريتها أن تبقيها لفطرها.

ونماذج السخاء ليس لها انقضاء، وصور المنفقين في الأمة في القديم وفي الحديث كثيرة، وما زالت أوجه الإحسان تشهد تسابقًا من أهل الأموال، والموفق من وفقه الله.

ولكن؛ ماذا عني وعنك؟ أجل؛ نحن نعلم فضل البذل، نحن نملك المال، وأبواب الإحسان مفتوحة؛ فماذا قدمنا من الصدقات لنستظل بها يوم القيامة؟

إن في المسلمين جوعى، وفيهم من لا يجد مسكنًا يؤويه، وفيهم من لا يجد قيمة طعام أبنائه، ولا علاج مريضه، وهؤلاء بين أيدينا.

وفي المسلمين بلاد فتك الظلمة بأهلها، وهم يحتاجون للقمة غذاء، أو لسلاح يقاتلون به الأعداء، أو لقطرة دواء، ربما مات الميت منهم لأنه لم يجد غطاءً يحميه من البرد، أو لم يجد قطرة دواء؛ فأين نحن منهم؟

بل أين نحن من أنفسنا؟ فنحن أحوج لأن ننفع أنفسنا بالإنفاق أشد من حاجة الفقراء، فحاجتهم دنيوية وحاجتنا أخروية، فبالإنفاق يقي المرء نفسه من البلايا والكروب، وبالإنفاق تطفأ الخطايا وتُكَفَّر الذنوب، وبالإنفاق تفتح أبواب الرزق، ويبارك الله في المال، ويقي صاحبه من العذاب.

أيها المبارك: وإذا وُفِّقْتَ للصدقة فلْتَكُنْ صدقتُكَ مِن كسبٍ طيِّبٍ؛ فالله لا يقبل إلا طيبًا.

وأنت راءٍ مِن الناس من ينفق فيبطل أجره بالمنّ على من أعطاه، والأذى له بتعييره بالنفقة، أو بتذكيره بها كلما جاءت مناسبة.

واعلم أن المنة لله وليست لك، وقد قال الفضيل عن سؤال المحتاجين: "نتصدق عليهم بالزاد فيحملون أزوادنا إلى الآخرة بغير أجرة، حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله. فمَن أحبُّ إلينا منهم؟".
وأخلِص -أيها المبارك- نيتك، فكم من أقوام بذلوا لكن نياتهم لم تكن لله، فلا للمال أمسكوا ولا بما بذلوا انتفعوا.
واعلم أن أفضل الصدقات ما أخرجته حال صحتك وزمن حياتك، فهي أكمل مما يخرج حال المرض ومفارقة الدنيا، أو مما يكون بعد الموت، وفي الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- سئل: أي الصدقة أفضل، فقال: "أن تصَدَّقَ وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تُمْهِلُ حتى إذا بلغتِ الحلقومَ، قلتَ: لفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، وقد كان لفلانٍ". متفق عليه.
في الحديث : ((ما منكم من أحدٍ إلاّ سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) أخرجاه في الصحيحين. 

وفي حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله يقول: ((كل امرئ في ظلّ صدقته حتى يقضى بين الناس)). وقد ذكر النبي أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) أخرجاه في الصحيحين. 

وفي الحديث (( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علَّمَه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته))،
فرحم الله نفسًا تهيأَتْ لمستقبلها الأخروي، وقدمت لنفسها قبل حلول رمسها. أستغفر الله لي ولكم.

1

الأحد، 14 يونيو 2015

فضل العشر الأواخر وليلة القدر

فضل العشر الأواخر وليلة القدر
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ، ما لا يجتهد في غيرها مسلم(1175) عن عائشة ومن ذلك انه كان يعتكف فيها ويتحرى ليلة القدر خلالها البخاري (1913) ومسلم(1169) وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره " البخاري (1920) ومسلم (1174) زاد مسلم وجَدَّ وشد مئزره .
وقولها " وشد مئزره " كناية عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد فيها زيادة على المعتاد ، ومعناه التشمير في العبادات .
وقيل هو كناية عن اعتزال النساء وترك الجماع . 
وقولهم " أحيا الليل " أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها . وقد جاء في حديث عائشة الآخر رضي الله عنها : " لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القران كله في ليلة ولا قام ليلة حتى الصباح ولا صام شهرا كاملا قط غير رمضان" سنن النسائي (1641) فيحمل قولها " أحيا الليل " على أنه يقوم أغلب الليل . أو يكون المعنى أنه يقوم الليل كله لكن يتخلل ذلك العشاء والسحور وغيرهما فيكون المراد أنه يحيي معظم الليل .
وقولها : " وأيقظ أهله " أي : أيقظ أزواجه للقيام ومن المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في سائر السنة ، ولكن كان يوقظهم لقيام بعض الليل ، ففي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال : " سبحان الله ماذا أُنزل الليلة من الفتن ! ماذا أُنزل من الخزائن ! من يوقظ صواحب الحجرات ؟ يا رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة " البخاري (1074) وفيه كذلك أنه كان عليه السلام يوقظ عائشة رضي الله عنها إذا أراد أن يوتر البخاري (952) .  لكن إيقاظه صلى الله عليه وسلم لأهله في العشر الأواخر من رمضان كان أبرز منه في سائر السنة .
وفعله صلى الله عليه وسلم هذا يدل على اهتمامه بطاعة ربه ، ومبادرته الأوقات ، واغتنامه الأزمنة الفاضلة .
فينبغي على المسلم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه هو الأسوة والقدوة ، والجِدّ والاجتهاد في عبادة الله ، وألا يضيّع ساعات هذه الأيام والليالي ، فإن المرء لا يدري لعله لا يدركها مرة أخرى باختطاف هادم اللذات ومفرق الجماعات والموت الذي هو نازل بكل امرئ إذا جاء أجله ، وانتهى عمره ، فحينئذ يندم حيث لا ينفع الندم .
ومن فضائل هذه العشر وخصائصها ومزاياها أن فيها ليلة القدر ، قال الله تعالى : ( حم . والكتاب المبين . إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين . فيها يفرق كل أمر حكيم . أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين . رحمة من ربك إنه هو السميع العليم ) سورة الدخان الآيات 1-6
أنزل الله القران الكريم في تلك الليلة التي وصفها رب العالمين بأنها مباركة وقد صح عن جماعة من السلف منهم ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغيرهم أن الليلة التي أنزل فيها القران هي ليلة القدر.
وقوله " فيها يفرق كل أمر حكيم " أي تقدّر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام ، فيكتب فيها الأحياء والأموات والناجون والهالكون والسعداء والأشقياء والعزيز والذليل والجدب والقحط وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة .
والمقصود بكتابة مقادير الخلائق في ليلة القدر  -والله أعلم - أنها تنقل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ ، قال ابن عباس " أن الرجل يُرى يفرش الفرش ويزرع الزرع وأنه لفي الأموات " أي انه كتب في ليلة القدر انه من الأموات . وقيل أن المعنى أن المقادير تبين في هذه الليلة للملائكة .
ومعنى ( القدر ) التعظيم ، أي أنها ليلة ذات قدر ، لهذه الخصائص التي اختصت بها ، أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر . وقيل : القدر التضييق ، ومعنى التضييق فيها : إخفاؤها عن العلم بتعيينها ، وقال الخليل بن أحمد : إنما سميت ليلة القدر ، لأن الأرض تضيق بالملائكة لكثرتهم فيها تلك الليلة ، من ( القدر ) وهو التضييق ، قال تعالى : ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) سورة الفجر /16 ، أي ضيق عليه رزقه .
وقيل : القدر بمعنى القدَر - بفتح الدال  - وذلك أنه يُقدّر فيها أحكام السنة كما قال تعالى : ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) . ولأن المقادير تقدر وتكتب فيها .
فسماها الله تعالى ليلة القدر وذلك لعظم قدرها وجلالة مكانتها عند الله ولكثرة مغفرة الذنوب وستر العيوب فيها فهي ليلة المغفرة كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) البخاري ( 1910 ) ، ومسلم ( 760 ) .
وقد خص الله تعالى هذه الليلة بخصائص : 
1- منها أنه نزل فيها القرآن ، كما تقدّم ، قال ابن عباس وغيره : أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . تفسير ابن كثير 4/529 . 
2-  وصْفها بأنها خير من ألف شهر في قوله : ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) سورة القدر الآية/3 
3- ووصفها بأنها مباركة في قوله : ( إنا أنزلنه في ليلة مباركة ) سورة الدخان الآية 3 .
4- أنها تنزل فيها الملائكة ، والروح ، " أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها ، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة ، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ، ويحيطون بحِلَق الذِّكْر ، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيماً له " أنظر تفسير ابن كثير 4/531  والروح هو جبريل عليه السلام وقد خصَّه بالذكر لشرفه .
5- ووصفها بأنها سلام ، أي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يعمل فيها أذى كما قاله مجاهد أنظر تفسير ابن كثير 4/531 ، وتكثر فيها السلامة من العقاب والعذاب بما يقوم العبد من طاعة الله عز وجل .
6- ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) الدخان /4 ، أي يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق ، وما يكون فيها إلى آخرها ، كل أمر محكم لا يبدل ولا يغير انظر تفسير ابن كثير 4/137،138 وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وكتابته له ، ولكن يُظهر للملائكة ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو وظيفتهم " شرح صحيح مسلم للنووي 8/57 .
7- أن الله تعالى يغفر لمن قامها إيماناً واحتساباً ما تقدم من ذنبه ، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه . وقوله : ( إيماناً واحتساباً ) أي تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه وطلباً للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه . فتح الباري 4/251 . 
وقد أنزل الله تعالى في شأنها سورة تتلى إلى يوم القيامة ، وذكر فيها شرف هذه الليلة وعظَّم قدرها ، وهي قوله تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر . وما أدراك ما ليلة القدر . ليلة القدر خير من ألف شهر . تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر . سلام هي حتى مطلع الفجر ) سورة القدر . 
فقوله تعالى : ( وما أدراك ما ليلة القدر ) تنويهاً بشأنها ، وإظهاراً لعظمتها . ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) أي : أي إحْياؤها بالعبادة فيها خير من عبادة ثلاث وثمانين سنة ، وهذا فضل عظيم لا يقدره قدره إلا رب العالمين تبارك وتعالى ، وفي هذا ترغيب للمسلم وحث له على قيامها وابتغاء وجه الله بذلك ، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتمس هذه الليلة ويتحراها مسابقة منه إلى الخير ، وهو القدوة للأمة ، فقد تحرّى ليلة القدر . 
ويستحب تحريها في رمضان ، وفي العشر الأواخر منه خاصة جاء في صحيح مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ ( والقبة : الخيمة وكلّ بنيان مدوّر ) عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ قَالَ فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ وَإِنِّي أُرْيْتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّبْحِ فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فَأَبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ . صحيح مسلم 1167
وليلة القدر في العشر الأواخر كما في حديث أبي سعيد السابق وكما في حديث عائشة وحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ) حديث عائشة عند البخاري 4/259 ، وحديث ابن عمر عند مسلم 2/823 ، وهذا لفظ حديث عائشة . 
وفي أوتار العشر آكد ، لحديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر ) رواه البخاري 4/259 .
وفي الأوتار منها بالذات ، أي ليالي : إحدى وعشرين ، وثلاث وعشرين ، وخمس وعشرين ، وسبع وعشرين ، وتسع وعشرين . فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( التمسوها في العشر الأواخر ، في الوتر ) رواه البخاري ( 1912 ) وانظر ( 1913 ) ورواه مسلم ( 1167 ) وانظر ( 1165 ) 
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى ، في سابعة تبقى ، في خامسة تبقى ) رواه البخاري ( 1917 - 1918 ) . فهي في الأوتار أحرى وأرجى إذن .
وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا ليلة القدر فتلاحى ( أي تخاصم وتنازع ) رجلان من المسلمين ، فقال : ( خرجت لأخبركم بليلة القدر ، فتلاحى فلان وفلان فرُفعت ، وعسى أن يكون خيراً لكم ، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ) البخاري ( 1919 ) . أي في الأوتار .
وليلة القدر في السبع الأواخر أرجى ، ولذلك جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنه أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام ، في السبع الأواخر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر ، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر ) رواه البخاري ( 1911 ) ومسلم ( 1165 ) . ولمسلم : ( التمسوها في العشر الأواخر ، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يُغلبن على السبع البواقي .
وهي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون ، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر عند أحمد ومن حديث معاوية عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ) مسند أحمد وسنن أبي داود ( 1386 ) .  وكونها ليلة سبع وعشرين هو مذهب أكثر الصحابة وجمهور العلماء ، حتى أبيّ بن كعب رضي الله عنه كان يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين ، قال زر ابن حبيش : فقلت : بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر ؟ قال : بالعلامة ، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها . رواه مسلم 2/268 
لكن كونها ليلة سبع وعشرين أمر غالب والله أعلم وليس دائماً ، فقد تكون أحياناً ليلة إحدى وعشرين ، كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدّم ، وقد تكون ليلة ثلاث وعشرين كما جاء في رواية عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه كما تقدّم ، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى ، في سابعة تبقى ، في خامسة تبقى ) رواه البخاري 4/260) . 
ورجّح بعض العلماء أنها تتنقل وليست في ليلة معينة كل عام ، قال النووي رحمه الله : ( وهذا هو الظاهر المختار لتعارض الأحاديث الصحيحة في ذلك ، ولا طريق إلى الجمع بين الأحاديث إلا بانتقالها ) المجموع 6/450 .
وإنما أخفى الله تعالى هذه الليلة ليجتهد العباد في طلبها ، ويجدّوا في العبادة ، كما أخفى ساعة الجمعة وغيرها .
فينبغي للمؤمن أن يجتهد في أيام وليالي هذه العشر طلباً لليلة القدر ، اقتداء بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وأن يجتهد في الدعاء والتضرع إلى الله .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله أرأيت أن وافقت ليلة القدر ما أقول ؟ قال : قولي : ( اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني ) رواه الإمام أحمد ، والترمذي (3513) ، وابن ماجة (3850) وسنده صحيح .
ثالثاً : اختصاص الاعتكاف فيها بزيادة الفضل على غيرها من أيام السنة ، والاعتكاف لزوم المسجد لطاعة الله تعالى ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف هذه العشر كما جاء في حديث أبى سعيد السابق أنه اعتكف العشر الأول ثم الوسط ، ثم أخبرهم انه كان يلتمس ليلة القدر ، وانه أريها في العشر الأواخر ، وقال : ( من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر ) وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ، ثم اعتكف أزواجه من بعده متفق عليه ولهما مثله عن ابن عمر .
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة .
وقال الأئمة الأربعة وغيرهم رحمهم الله يدخل قبل غروب الشمس ، وأولوا الحديث على أن المراد أنه دخل المعتكف وانقطع وخلى بنفسه بعد صلاة الصبح ، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف ، انظر شرح مسلم للنووي 8/68،69 ، وفتح الباري 4/277 . ويسن للمعتكف الاشتغال بالطاعات ، ويحرم عليه الجماع ومقدماته لقوله تعالى :  ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) سورة البقرة /177 .
ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها .
- الخطبة الثانية : 
العلامات التي تعرف بها ليلة القدر : 
العلامة الأولى : ثبت في صحيح مسلم من حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من علاماتها أن الشمس تطلع صبيحتها لا شُعاع لها . مسلم ( 762 ) 
العلامة الثانية : ثبت من حديث ابن عباس عند ابن خزيمة ، ورواه الطيالسي في مسنده ، وسنده صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة القدر ليلة طلقة ، لا حارة ولا باردة ، تُصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة ) صحيح ابن خزيمة ( 2912 ) ومسند الطيالسي .
العلامة الثالثة : روى الطبراني بسند حسن من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة القدر ليلة بلجة " أي مضيئة " ، لا حارة ولا باردة ، لا يرمى فيها بنجم " أي لا ترسل فيها الشهب " ) رواه الطبراني في الكبير انظر مجمع الزوائد 3/179 ، مسند أحمد .
فهذه ثلاثة أحاديث صحيحة في بيان العلامات الدالة على ليلة القدر .
ولا يلزم أن يعلم من أدرك وقامها ليلة القدر أنه أصابها ، وإنما العبرة بالاجتهاد والإخلاص ، سواء علم بها أم لم يعلم ، وقد يكون بعض الذين لم يعلموا بها أفضل عند الله تعالى وأعظم درجة ومنزلة ممن عرفوا تلك الليلة وذلك لاجتهادهم . نسأل الله أن يتقبّل منا الصيام والقيام وأن يُعيننا فيه على ذكره وشُكْره وحُسْن عبادته . 
إخوة الإسلام فهاهى أيام رمضان تسارع مؤذنة بالانصراف والرحيل،
وهاهي أيام العشر تحل لتكون الفرصة الأخيرة لمن فرط في أول الشهر، أو لتكون التاج الخاتم لمن أصلح ووفى فيما مضى، إخوة الإيمان العشر الأخيرة من شهر رمضان سوق عظيم يتنافس فيه العاكفون، وموسم يضيق فيه المفرطون، وامتحان تبتلى فيها الهمم، ويتميز أهل الآخرة من أهل الدنيا.. طالما تحدث الخطباء، وأطنب الوعاظ، وأفاض الناصحون بذكر فضائل هذه الليالي.. ويستجيب لهذا النداء الحاني، والموعظة المشفقة قلوب خالط الإيمان بشاشتها، وآذان أصغت للمنادي واستقر في روعهما انه لا يريد إلا الخير ليس إلا.. فسلكت هذه الفئة المستجيبة طريق المؤمنين، وانضمت إلى قافلة الركع الساجدين، واختلطت دموع أصحابها بدعائهم في جنح الظلام، وربك يسمع ويجيب، ويجزي العاملين المخلصين، وما ربك بظلام للعبيد.
أما الفئة الأخرى فتسمع النداء وكأنه لا يعنيها، وتسمع المؤمنين يتضرعون لخالقهم، وكأنه ليس لهم حاجة إلا ملء البطون والتفكير في الفروج.. وياليت شعري والمأساة أعظم أن هؤلاء نائمون قائمون.. فهم في عداد النائمين إذ لم يشهدوا مع المسلمين صلواتهم ودعاءهم وهم في عداد القائمين المضيعين لأوقاتهم بالقيل والقال والسهر الذي لاطائل من ورائه ، ولا نفع يرجى من خلاله، إلا من رحم الله.
فهل يتأمل الشاردون في غبنهم، وهل يعيد المفرطون الحساب مع أنفسهم ومع خالقهم، ونحن بعد في مستهل هذه العشرة التي ضمنها الله تعالى ليلة : العبادة فيها خير من العبادة في ما يزيد على ثلاثة وثمانين عاما، وربك تعالى يقول : ((لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)) (القدر:3) .
وكم هي نعمة أن يتخفف المرء في هذا الشهر من الذنوب والأوزار التي لو كان لها جرم لما أطاق الإنسان حملها لثقلها، ولو كان للذنوب رائحة لزكمت الأنوف لشدة نتنها((ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)) .
هكذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، والذي يحتسبون على الله قيام ليالي العشر لابد وأن يدركوا هذه الليلة، فهي في العشر الأواخر
وفي الليل سواء كان في رمضان أو غيره- ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله
شيئا من أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، ذلكم هو وقت النزول الإلهي، ومنه الثلث الأخير من الليل، يقول المولى جل جلاله في هذه الساعة : هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟.. فأين أنت يا عبد الله عن هذا المورد العظيم، وإذا غلبتك نفسك في سائر العام أفلا تغلبها على الأقل في هذه الليالي والأيام .
اخوة الإيمان : إذا كان قيام الليل أعظم ما يرجى وأزكى ما يقدم في هذه العشر منحة قربات حري بالمؤمن أن يتقدم بها لمولاه في هذه الليالي والأيام الفاصلة.. فذكر الله على كل حال سياج من الشيطان ودرع واق للإنسان، ويكفي أن يعلم أن مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره كمثل الحي والميت.. ويرحم الله أمواتا رغبوا لأنفسهم الموت وهم بعد أحياء، ويرحم الله أمواتا إذا ذكرهم الناس ذكروا الله وإن كانوا أجداثا في قبورهم
فليس من مات فاستراح      بميت إنما الميت ميت الأحياء.
فلا تمت نفسك أخي المسلم بالغفلة عن ذكر الله وأنت بعد على قيد الحياة.
وبادر باغتنام هذه العشر لمزيد ذكر الله والأنس به ((أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)) (الرعد : 28) .
ومن رحمة الله أن فضل الذكر عظيم وهو لا يكلف المرء عناء، وبإمكان المرء أن الله قائما أو قاعدا أو على جنبه. فلا يستحوذن عليكم الشيطان .
عباد الله حذار أن ينسيكم الشيطان ذكر الله والباري يقول في محكم التنزيل : ((اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ)) (المجادلة : 19) .
أيها المسلمون وثمة عبادة يحسن التذكير بها في كل حال، وهذه الليالي والأيام بالذات ميدان للاجتهاد فيها ألا وهي الدعاء.
إخوة الإيمان والدعاء هو سهام الليل يطلقها القانتون، وهي حبل ممدود بين السماء والأرض يقدره حق قدره عباد الله المخلصون هو الربح ظاهرا بلا ثمن، وهو المغنم في الدنيا والآخرة بلا عناء، هو التجارة الرابحة يملكها الفقراء كما يملكها الأغنياء على حد سواء، يتفاوت الناس في هذه العبادة بين مقل ومستكثر،بين حاضر القلب،وشارد الذهن، بين خاشع متأمل لما يقول وبين قاس القلب لا يتأثر ولايلين وهو طريق للفلاح في الآخرة،وهو سبب من أسباب السعادة في الدنيا بإذن الله ذلكم هو الدعاء، بل هو العبادة، كما قال عليه الصلاة والسلام : ((الدعاء هو العبادة)).
قال الله تعالى:(( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ )) (غافر :60).
فالآية في بدئها تسمية الدعاء، وفي نهايتها أطلق عليه العبادة، مما يؤكد لك أهمية الدعاء، وكونه هو العبادة.
وإذا كان الله يصف الراغبين عن الدعاء بالاستكبار كما في الآية السابقة، فاعلم أخي المسلم- إن ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه بسند حسن
أترغب أن توصف بالعجز والكسل، وهل علمت أن المقصر في الدعاء من أعجز الناس بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((أعجز الناس من عجز عن الدعاء وأبخل الناس من بخل بالسلام ))
لقد أمر الله المسلمين بالدعاء ووعدهم بالاستجابة، وهل بعد ذلك من كرم، فال أكرم الأكرمين: (( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )) .
وهل علمت أن صاحب الدعاء كاسب على كل حال إذا لم يدع بأثم أو قطيعة رحم، وتأمل جيدا هذا الحديث النبوي الشريف الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ((ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا أتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذا نكثر ( يعني من الدعاء ) قال ( صلى الله عليه وسلم ) : الله أكثر ))
وحاصل ذلك أن الداعي لا يعدم أحد ثلاثة أمور، إما أن يستجاب دعوته عاجلا، أو تدخر له في القيامة، أو يدفع عنه من السوء مثلها.
وهذا أو ذاك لاشك فضل عظيم ومنة من الله يمتن بها على عباده الداعين .




1