إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 20 ديسمبر 2019

الرضا

( الرضا ) 
الخطبة الأولى : أما بعد:
 عباد الله: هكذا هي حياة الإنسان لا تدوم على حال، ولا يستقر لها قرار، وكلما تطلع المرء إلى أمر طلب غيره، وكلما كان على حال تاقت نفسه إلى حال أخرى، وكلما اشتهى شيئاً وحصل عليه سعى إلى غيره، وكلما وصل إلى منصب أو مكانة طمع في غيرها.
 عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول "لو كان لابن آدم واديانِ من مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على مَن تابمتفق عليه.
 وقد نتج عن هذه الحال الكثير من أمراض النفس البشرية؛ كالهموم والأحزان والقلق والاضطرابات وعدم الاستقرار والمشاكل والصراعات، والحروب بين الناس، وظلم الإنسان لأخيه الإنسان وتعديه على نفسه وماله وعرضه.
 وقد جاء الإسلام بعلاج لهذه النفسيات وهذه الآثار والنتائج، وذلك بتوحيد الله بأسمائه وصفاته، وتحقيق عبودية الرضا بما قسم الله للعباد من أرزاق وأقدار وأحوال وابتلاءات.
 قال تعالى ( أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [الزخرف:32].
 وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الغنى الحقيقي والسعادة والراحة يكمن في الرضا فقال "ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس" (الترمذي 
 وقال -عليه الصلاة والسلام "ليس الغنى كثرة العرض المال، ولكن الغنى غنى النفسمسلم.
 إن الرضا يعني سكون القلب إلى اختيار الرب -سبحانه- وهو قبول حكم الله في السراء والضراء، والعلم أن ما قسمه الله هو الخير كله، لذا قال الحسين بن علي -رضي الله عنهما"من اتكل على حسن اختيار الله -تعالى-، لم يتمن غير ما اختار الله له".
 وليس الرضا هو الاستسلام لواقع يمكن تغييره بالسعي، والأخذ بالأسباب؛ كالتداوي من مرض، أو السعي وراء الرزق، أو دفع ضرر ما؛ لأن الاستسلام هو الانهزام وعدم بذل الجهد والأخذ بالأسباب لتحقيق الهدف.. إنما الرضا باستفراغك الوسع، وبذل الجهد والأسباب في تحقيق الهدف، لكن لم توفق إليه، فترضى بما قسم الله لك من غير جزع، أو ضجر، أو سخط؛ كالذي تزوج ولم يرزق الولد رغم سعيه للعلاج، والذي أصيب بمرض لم يستطع دفعه بالدواء، والذي ابتلاه الله بالفقر وضيق ذات اليد، فاجتهد في تحصيل الغنى فلم يوفق.
 هنا يأتي التحلي بصفة الرضا بما كتبه الله وقدره، فتحيل القلب إلى سرور دائم، وتشعر النفس بنعيم مقيم.. قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يعزِّي رجلاً مات ولده "إن صبرت جرى عليك القدر، وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأثوم".
 وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "قد أفلح من أسلم ورُزق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه " رواه مسلم.
 أيها المؤمنون عباد الله: إن السعيد الحق هو من رضي بما قسَم الله له، وصبَر لمواقع القضاء خيره وشره، وأحسَّ وذاق طعم الإيمان؛ كما قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم"ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رضي بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاًمسلم:1/46.
 ولذلك تعرضت أمة الإسلام أفراداً وشعوبا وجماعات للضعف والهوان والشتات، وتعرضت للنكبات والنكسات على فترات من الزمان حين استبدلت الرضا بربها ونبيها ودينها بالرضا بالدنيا وشهواتها، بل وسعت إلى طلب رضا أعدائها، وتنصلت عن قيمها ومبادئها، فزادت تعاستها وزاد شقائها، وعندما تعود إلى طريقها المستقيم تعود لها خيريتها ومكانتها، فالخير كله في الرضا.. قال -صلى الله عليه وسلم "مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي: رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُرْضِيَهُمسلم:1/46
 ولقد كتب الفاروق إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- يقول له: " أما بعد: فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر".
 إن السخط والجزع وعدم الرضا على قضاء الله وقدره، وبما قسمه للعباد لا يزيد المرء إلا شقاء وتعاسةً وبُعداً عن الله، ويحرم صاحبه من راحة البال وطمأنينة النفس، قال النبي -صلى الله عليه وسلم "إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخطالبخاري
 والرضا هو السياج الذي يحمي المسلم من تقلبات الزمن، وهو البستان الوارف الظلال الذي يأوي إليه المؤمن من هجير الحياة، والإنسان بدون الرضا يقع فريسة لليأس، وتتناوشهالهموم والغموم من كل حدب وصوب.
 ولن يجد ملاذاً ولا راحة من الطمع والجشع والحسد وأمراض القلوب وسخط علام الغيوب إلا بالرضا بما قسم الله..
 لقد ضرب لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النموذج والمثل الأعلى في الرضا بما قسم الله تعالى؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود، قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ في جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ، فَقُلْتُيَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم "مَا لي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا، كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَاأحمد 1/391، ح3709).
 قال أبو حاتم: "مِن أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطرًا: القناعة، وليس شيء أروح للبدن من الرضا بالقضاء، والثقة بالقسم، ولو لم يكن في القناعة خصلة تُحمد إلا الراحة، وعدم الدخول في مواضع السوء لطلب الفضل، لكان الواجب على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من الأحوال" (روضة العقلاء؛ لابن حبان، ص:149). 
صغيرٌ يطلبُ الكِبرا *** وشيخٌ ود لو صَغُرا
وخالٍ يشتهي عملا ً*** وذو عملٍ به ضَجِرا
ورب المال في تعب *** وفي تعب من افتقرا
وذو الأولاد مهمومٌ *** وطالبهم قلبه قد انفطرا
ومن فقد الجمال شكا *** وقد يشكو الذي بُهِرا
شُكاةٌ ما لها حَكَمٌ *** سوى الخصمين إن حضرا
الخطبة الثانية :
عباد الله: يحكى أن أرملة فقيرة عاشت مع طفلها الصغير في حجرة صغيرة فوق سطح أحد المنازل حياةً متواضعة في ظروف صعبة، إلا أن هذه الأسرة الصغيرة ليس أمامها إلا أن ترضى بقدرها، لكن أكثر ما كان يُزعِج الأم هو المطر في فصل الشتاء.. لكون الغرفة تحيطها أربعة جدران، ولها باب خشبي غير أنه ليس لها سقف.
مر على الطفل أربع سنوات منذ ولادته لم تتعرض المدينة خلالها إلا لزخات متقطعة من المطر، وذات يوم تراكمت الغيوم وامتلأت السماء بالسحب الكثيفة الواعدة بمطر غزير ومع ساعات الليل الأولى هطل المطر بغزارة على المدينة فاختبأ الجميع في منازلهم.
 أما الأرملة والطفل فكان عليهما مواجهة قدرهما.. نظر الطفل إلى أمه نظرة حائرة واندسّ في حضنها، ولكن جسد الأم والابن وثيابهما ابتلا بماء السماء المنهمر.. أسرعت الأم إلى باب الغرفة فخلعته ووضعته مائلاً على أحد الجدران، وخبّأت طفلها خلف الباب؛ لتحجب عنه سيل المطر المنهمر..
 فنظر الطفل إلى أمه في سعادة بريئة، وقد علت وجهه ابتسامة الرضا وقال لأمه: ترى ماذا يفعل الفقراء الذين ليس عندهم باب حين ينزل عليهم المطر؟ لقد أحس الصغير في هذه اللحظة أنه ينتمي إلى طبقة الأثرياء.. ففي بيتهم باب..
 فكيف لو رضيت بما قسم الله لك؟ ونظرت إلى نعم الله عليك بالرضا والشكر.. عندها تنـزاح عنك الكثير من هموم الحياة؛ فما أجمل الرضا… إنه مصدر السعادة وهدوء البال.. يقول ابن القيّم -رحمه الله "الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، وقرة عيون المشتاقين، ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ الله صدره غنىً وأمناً، وفرَّغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظُّه من الرضا، امتلأ قلبه بضدِ ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه".
ولما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وكان قد كُفَّ بصره، فجاءه الناس يهرعون إليه، كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه فعرفني، وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم.. فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فردَّ الله عليك بصرك. فتبسم، وقال: يا بُني قضاء الله -سبحانه- عندي أحسن من بصري. (مدارج السالكين: 2/227).
 عباد الله: إن أعظم أبواب الخير والراحة والنعيم أن يرضى عنك ربك في الدنيا والآخرة، ولن يصل المرء إلى هذه المكانة إلا بعقيدة صحيحة وعبادة سليمة وعمل صالح، والطمع فيما عند الله من أجر وثواب.تريد الرضى من الله وأنت ساخط عليه وعلى أقدراه ؟!!
 فليتك تحلو والحياة مريرة *** وليتك ترضى والإنام غضاب ... الخ
 عنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ، فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالُوا: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رضْوَانِي، فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا".
 رضوا بالله ربا ورضوا بأقداره .. فأحل الله عليهم الرضى والرضوان وأرضاهم في الدنيا والاخرة ، في نعيم خالد ورضاُ لا سخط بعده أبدا

الخميس، 12 ديسمبر 2019

عندما يسقط جدار الحياء

( عندما يسقط جدار الحياء ) 
أما بعد : عباد الله: الحياء خلقٌ من أخلاق العظماء، وهو خُلق الإسلام الأول، قال -صلى الله عليه وسلم "إنَّ لكل دين خُلقًا، وخُلق الإسلام الحياء". 
والحياء خُلق يبعث على ترك القبيح، وعدم التقصير في حق الله، ومراقبته، وهو أن تخجل النفس من فعل كل ما يعيبها وينقص من قدرها ، وهو من الأخلاق الرفيعة التي أمر بهاالإسلام، وأقرها، ورغَّب فيها، وقد جاء في الصحيحين قال -صلى الله عليه وسلم "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"، وهو خُلق توارثته النبوات، وأمر به الأنبياء، ووصى به العظماء؛ قال -صلى الله عليه وسلم "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت". البخاري (3/1284(
وقد جاء سَعِيد بن يَزِيدَ الأَزْدِيّ ذات يوم فقَالَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْصِنِي، قَالَ"أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ". صححه الألباني في الصحيحة (741)
ويقول -عز وجل- عن موسى -عليه السلام-، وقد هرب من فرعون وجنوده وذهب إلى أرض مدين التي لا يعرف فيها أحدًا، وليس له فيها قرابة ولا قبيلة ولا صاحبوَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) [القصص: 24:23].
ولما علم شعيب ذلك الرجل الصالح أرسل ابنته إلى موسى -عليه السلام-؛ لمكافأته على صنيعه، فـ"من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، وانظروا كيف جاءت هذه الفتاة التي تربت في بيت النبوة، وكيف خاطبت موسى -عليه السلام- قال تعالىفَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [القصص:25].
قال الفاروق عمر -رضي الله عنه "من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه". ولما احتضر الأسود بن يزيد بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟! قال "ما لي لا أجزع؟! ومن أحق بذلك مني؟! والله لو أُتيت بالمغفرة من الله -عز وجل- لأهمني الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه، ولا يزال مستحييًا منه"!! 
إذا ما خـلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحيِ من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني
والحياء مقرونٌ بالإيمان وملازمٌ للمؤمن كظله، ولذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشد الخلق حياءً من ربه ومن الناس، فقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها"، وهذا تشبيه لمراقبته -صلى الله عليه وسلم- لربه وخوفه منه وشعوره بالتقصير في حقه، وكان مع الناس لا يأتي إلا بكل خير في قوله وفعله، في نطقه وسكوته، وفي فرحه وحزنه.
عباد الله: لقد حرص الإسلام على إشاعة خُلق الحياء في المجتمع؛ لصيانة الحقوق، وحفظ الأموال والأعراض، وللقيام بالواجبات، وأداء الأمانات، ونشر الفضائل، ومحاربة المنكرات، ولزيادة روابط الحب والتراحم والإخاء في المجتمع المسلم، فقد اتفقت الشرائع الربانية والعقول السليمة والتجربة العملية على أن الحياء جدار وسياج يمنع الإنسان من ارتكاب القبائح والمنكرات، روى مسلم عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم "الحياء كله خير"، وفي رواية "الحياء لا يأتي إلا بخير".
فالمسلم الحيي يعلم أن له ربًّا يراه في كل حال، فهو مستحٍ منه، فلا يراه في معصيته سبحانه ولا مقصرًا في واجباته، قال تعالى ) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) [الشعراء: 218-219]
وإذا كان الأمر كذلك وجب على كل مسلم أن يتخلق بهذا الخُلق في سائر حياته، فالحياء في النعمة شكر لله عليها،
ويكون الحياء في المحنة تسليمًا وصبرًا، وفي القضاء إنصافًا وعدلاً، ومع الوالدين والأرحام صلة وبرًّا، كان زين العابدين علي بن الحسين -رضي الله عنه- من أبر الناس بأمه، وكان يخاف أن يأكل معها في إناء واحد، فلما سألوهقال: إني أستحي أن أمد يدي إلى لقمة قد سبق نظرها إليها.
وفي معاملة الضعفاء والأرامل والأيتام يكون الحياء عطفًا ورحمة ورفقًا، ويكون الحياء في الوظيفة وتقلد المناصب وتحمل المسؤوليات أمانة ورعاية، وخوفًا وخشية من التقصير والتفريط.
عن عطاء بن أبي رباح قال: حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز الخليفة الخامس أنها دخلت عليه، فإذا هو في مصلاه يده على خده سائلة دموعه، فقلت يا أمير المؤمنين: ألشيء حدث؟! قال: يا فاطمة: إني تقلدت أمر أمة محمد عليه الصلاة والسلام على غير رغبة مني، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد عليه الصلاة والسلام ، فخشيت أن لا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.
ويكون الحياء في الرجال ورعًا وجمالاً وزينة، وفي النساء عفة وطاعة وطهارة، هذه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت "كنتُ أدخل بيتي الذي دُفن فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي فأضع ثوبيفأقول : إنما هو زوجي وأبي. فلما دُفن عمر معهم، فواللهما دخلت إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي حياءً من عمر -رضي الله عنه-". أحمد (6/202)، ورجاله رجال الصحيح، وانظر: مجمع الزوائد (8/26).
ولما مرضت فاطمة -رضي الله عنها- مرض الموت الذي تُوفيت فيه، دخلت عليها أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- تعودها وتزورها، فقالت فاطمة لأسماء : والله إني لأستحي أن أخرج غدًا -أي إذا مت- على الرجال من خلال هذا النعش. وكانت النعوش آنذاك عبارة عن خشبة مصفحة يُوضع عليها الميت ثم يُطرح على الجثة ثوب، ولكنه كان يصف حجم الجسم. فقالت لها أسماء : أو لا نصنع لك شيئًا رأيته في الحبشة؟! فصنعت لها النعش المغطى من جوانبه بما يشبه الصندوق، ودعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت على النعش ثوبًا فضفاضًا واسعًا، فكان لا يصف شيئًا. فلما رأته فاطمة فالت لأسماء "سترك الله كما سترتني".
لقد كانت من شدة حيائها -رضي الله عنها- تحمل همّ حالها بعد موتها أن يراها الرجال، فماذا نقول لنساء المسلمين اليوم؟! أين الحياء من الله؟! وأين التربية على قيم الإسلام وأخلاقه؟! وأين الاستعداد ليومٍ ( تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج:2].
إذا لم تخـشَ عاقبة الليالي *** ولم تستحِ فاصنع ما تشاء 
فلا والله ما في العيش خير *** ولا الدنيا إذا ذهب الحياء 
يعيش المرء ما استحيا بخير *** ويبقى العود ما بقي اللحاء.
فما أجمل أن يكون لنا من الحياء سياج يحفظ علينا نور الإيمان، ويلبسنا ثوب التقى والطهر والعفاف، ونكون به بين الناس مبعث نور، ومصدر برّ ومنار هدًى، تتميز بهشخصيتنا، وتظهر من خلاله ملامح عزتنا وكرامتنا. اللهم زينا بالتقى واحفظنا من الردى، واغفر لنا في الآخرة والأولى.
 الخطبة الثانية:
عباد الله: يحدثنا ابن القيم -رحمه الله- عن عقوبة الذنوب والمعاصي فيقول: "ومن عقوباتها -أي الذنوب والمعاصي- ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه".
فإذا سقط جدار الحياء رأيت صورًا متعددة لفساد الأخلاق والقيم في حياة بعض المسلمين اليوم؛ من المجاهرة بالمعاصي، فتجد الذي يتحدث عن بطولاته في التسكع في الشوارع، ومضايقة نساء المسلمين، والذي يفتخر بذكائه في جمع الأموال من السرقة والاختلاس والرشاوي، ولا يحافظ على المال العام أو الأمانات التي تحت يديه لا يهمه الأمر ولا يبالي بالطريقة التي يكسب فيها؛ لأنه فقد الحياء، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام". البخاري 1954.
وتلك المرأة التي تخرج متبرجة قد تركت أمر الله في حجابها وراء ظهرها، أو ذلك التاجر الذي يبيع المحرمات، بل ويعلن عنها، وربما رأيت ذلك الكاتب والصحفي والمذيع يفتري الكذب، ويزوّر الوقائع، ويقلب الحقائق، وغير ذلك من السلوكيات، فينبغي على هؤلاء الحذر مما ثبت عن أبي هريرة قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملاً بالليل ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه". متفق عليه.
وقد جاء في الأثر "أن الله تعالى إذا أبغض عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا بغيضًا مبغضًا".
وكان الفاروق عمر -رضي الله عنه- يقول: "من استحيا استخفى، ومن استخفى اتقى، ومن اتقى وُقي".
 عندما سقط جدار الحياء الذي يمنع صاحبه من فعل القبيح من قلوب بعض الناس وجدنا الابن يتجرأ على أبيه وأمه، ليس بالسب وحده بل بالضرب والقتل، أي تعاسة وصل إليها هذا الإنسان؟! وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
أيها المؤمنون، عباد الله: إن من ثمار خلق الحياء أنه يمنع صاحبه من فعل المنكرات، وارتكاب الموبقات، وبه تُنال الدرجات، وهو عنوان على صدق الإيمان وقوة الأخلاق، وبهتتنزل الرحمات، ومن ثماره أنه يؤلف بين القلوب، وبه تُصان الحقوق وتُحفظ الدماء، وتؤدى الأمانات، وذلك لقيام كل فرد من أفراد المجتمع تجاه إخوانه وجيرانه وواجباته بما يملي عليه دينه وأخلاقه وحياءه من الله  فهو لا يراقب الناس بل يراقب الله .
الحَيَاء يدفع المسلم إلى أن يقول كلمة الحقَّ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال تعالى ( وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) [الأحزاب:53]، لأن فريضة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر سمة مِن سمات هذه الأمَّة، قال -عزَّ وجلَّكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران:110].
ولنعلم أن الله -سبحانه وتعالى- حيي كريم، فعن سلمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا". أخرجه الأربعة إلا النسائي، وصححه الحاكم.
فلنتخلق بخُلق الحياء، ولنُزَكِّ به نفوسنا، ونربِّ عليه أبناءنا، وننشره في بيوتنا ومجتمعاتنا؛ وذلك بمراقبة الله، وأداء الفرائض، والخوف من سوء الخاتمة، والشوق إلى ما عند الله من نعيم، والاقتداء بالأنبياء والعظماء، وعلينا مطالعة سِيَرهم وأخبارهم.
فنسأل الله أن يرزقنا هذا الخُلق، وأن يجود علينا بفضله وكرمه، وأن يؤلف بين قلوبنا على طاعته.