إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 14 يونيو 2015

أثر الدعاء في رد البلاء

فضل الدعاء في رد البلاء 
الخطبة الأولى
لقد بين لنا الله عز وجل في كتابه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أموراً كثيرة تعين على دفع البلاء ورفع العقوبة، فمن المناسب أن يعلمها الناس ويعملوا بها، لا سيما في هذه الأيام، التي نسال الله سبحانه وتعالى أن يلطف فيها بنا وبالمسلمين جميعًا، وأن يدفع عنا البلاء وعن المسلمين، وأن يرفع العقوبة عن جميع عباده الموحدين.
أما هذه الأسباب التي بإذن المولى تدفع البلاء وترفع العقوبة، فهي كثيرة، ولكن يجمعها ويحيط بها تقوى الله سبحانه وتعالى، والتي هي فعل كل أمر مأمور به، وترك كل ما نهى الله عزّ وجل عنه وزجر
فهذه هي تقوى الله عز وجل، وهي كفيلة برد البلاء، ورفع العقوبة، وإيجاد المخارج من المضايق، وجلب اليسر بعد العسر، والفرج بعد الشدة، كما قال مولانا سبحانه وتعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ). [سورة الطلاق، الآية: 2]. 
ومن هذه الأمور التي تدفع البلاء، وترفع العقوبة:
 الدعاء: تلك العبادة التي غفل عنها كثير من الناس، في خضم هذه الاحداث الأليمة التي تمرّ بالأمة انصرف الناس عن الدعاء والتضرع والخضوع لله عز وجل، فترى الناس في مجالسهم غارقين في الأحاديث، وسرد الأحداث، وتتبع الأخبار/ وماذا قالت الجريدة، وماذا قال المذياع، وماذا أخبرت به الوكالة الفلانية، وماذا ظهر في التلفاز... إلى غير ذلك، وترى أحدهم مصغياً إلى الإذاعة بأذنيه، وشاخصاً إلى التلفاز بعينه طيلة ساعات ليله أو نهاره، فأين دعاء الله سبحانه وتعالى.
أيّها الأحباب:
إنّ الدعاء مقام عظيم، وشعيرة جليلة، وعبادة فاضلة، وهو من أفضل العبادات، ومن أعظم مقامات الألوهية، ومن أعظم ما يرفع البلاء والعقوبات بإذن الله سبحانه وتعالى، بل إن الله عز وجل أخبر إن الدعاء هو العبادة، لأنه ركنها الركين، وأساسها المتين، وقال سبحانه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). [سورة غافر، الآية: 60].
وقد سأل أعرابي الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟! فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ). [سورة البقرة، الآية: 186].
والدعاء - بإذن الله - كفيل برد العقوبة، ودفع البلاء إذا صدر من قلب مؤمن متقٍ خاشعٍ مخبتٍ لله عز وجل، ومن لسان متضرع، ومن كف صادق لله عز وجل. 
أخرج الإمام أحمد في تفسير هذه الآية: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ). [سورة الأنعام، الآيات: 44]. عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيت الله يُعْطِي العبدَ من الدنيا على مَعاصيه ما يُحِبُّ، فإنما هو اسْتِدْرَاج. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) . [سورة الأنعام، الآيات: 44].
وقال سبحانه وتعالى: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ). [سورة يونس، الآية: 98]. ذلك أن قوم يونس عليه السلام لما عصوا، وخرج نبيهم ذي النون مغاضباً، وترك قومه ووعدهم بالعقوبة بعد ثلاث ليالي، وقد علموا أنّه لا يكذب لأنه نبي من عند الله عزّ وجل، فخشوا العقوبة وأخذوا نساءهم وأطفالهم وأنعامهم وإبلهم وبقرهم وغنمهم، وجأروا إلى الله عز وجل ثلاثة أيام، وقيل: أربعين ليلة، ونادوا الله سبحانه وتعالى بأسمائه، واستغاثوا، وتابوا إلى الله عزّ وجل، فصرف الله سبحانه وتعالى عنهم العقوبة، وقد أوشكت أن تحل بهم.
والحاصل أنّ الدعاء بإذن الله نافع في رفع البلاء ودفع العقوبة إذا ما صدر من قلب مؤمن صادق لله عز وجل. ولقد كان نبيكم عليه الصلاة والسلام أفزعُ الناس إلى الدعاء، وخصوصاً إذا ألمت مصيبة أو نزلت نازلة، حتى أنه إذا رأى تغيّراً في أفق الجو لجأ إلى الله عز وجل بالدعاء، وجأر إلى الله سبحانه وتعالى بالتضرّع: (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). [سورة الأعراف، الآية: 55].
واسمعوا واقرأوا قصته صلى الله عليه وسلم عند غزوة الأحزاب، وفي بدر لما خرج لملاقاة المشركين، فقد بات ليلته والناس نائمون، بات ليلته كلها وهو يدعو الله عزّ وجل، وقد وعده الله عزّ وجل أن ينصره،  ومع ذلك بات يدعو الله طيلة تلك الليلة، يدعو الله بقلب خاشع، وبكف ضارع يجأر إلى الله عز وجل، ويبكي ويتضرع، ويمرّغ وجهه بين يدي رب العالمين في ظلمات الليالي صلوات الله عليه، ففي الحديث "لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ). [سورة الأنفال، الآية: 9]."
 والقصص مشهورة ومعروفة، فحينما يلجأ العبد إلى ربّه وقت الشدة، يكشف الله عزّ وجل عنه ما يجد: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ). [سورة النمل، الآية: 62].
أن المسلم في مثل هذه الأحوال، وفي مثل هذه الظروف عليه أن يلجا إلى الله بالدعاء والتضرع، فإن الله عز وجل يحب الملحّين من عباده في الدعاء. وفي الحديث: "إن الله يحب الملحّين في الدعاء" وفي الآخر: "من لم يسأل الله يغضب عليه".
وما أحسن ما قال الشاعر
لا تسألن بُني ابن ادم حاجة ** وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله ** وبُنيّ آدم حين يُسأل يغضب
إنّ هناك شروطاً وآداب للدعاء، إذا رعاها العبد استجاب الله له، وإنما يحجب الله عز وجل دعوات كثير من الناس لأنهم فرطوا في هذه الآداب والشروط أو أكثرها.
فمن هذه الشروط التي ينبغي على العبد مراعاتها: أن يدعو بدعوة بر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اخبر أنّ الله سبحانه وتعالى لا يستجيب إلا دعوة البر، وأمّا دعوة الإثم وقطيعة الرحم فلا مكان لها في الإجابة.
وأمر آخر، وهو: أن يدعو الله عزّ وجل، فلا يدعو غيره، لأنّ الدعاء عبادة لا تكون إلا لله، وصرفها لغير الله - كائناً من كان – إنّما هو شرك بالله العظيم: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ). [سورة الأحقاف الآية: 5].
والشرط الثالث لضمان الإجابة: أن يتخلّص العبد من الذنوب والمعاصي والسيئات، وان يتوب إلى الله توبة صادقة، فلا يليق أن يدعو الله عز وجل وكله سيئات ذنوب ومعاصي وآفات كبيرات وصغيرات، بل عليه قبل ذلك أن يتخلّص من كل ذنب، وان يقبل إلى الله بقلب طاهر أبيض قبل أن يمدّ يده إلى الله عزّ وجل.
جاء في بعض الآثار: "أن قوما من بني إسرائيل أصابتهم عقوبة، فخرجوا يدعون الله عز وجل، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن قل لهم إنكم خرجتم إلى الصعدات بأجساد نجسة، ورفعتم أكفاً طالما سفكتم بها الدماء، وملأتم بيوتكم وبطونكم من الحرام، ألان بعد ما اشتد عليكم غضبي لم تزدادوا مني إلا بعداً".
فقبل أن يجأر العبد إلى الله بالدعاء فعليه أن يتفقّد نفسه، وأن يتوب من كل ذنب صغيراً كان أم كبيراً.
الأمر الرابع: أن يحرص العبد على أن يطيب مطعمه، فلا يأكل إلا طيباً، فان أكل الحرام والمشتبه من أعظم ما يمنع ويحجب الدعاء، والعياذ بالله.
وهذه من آفات الناس اليوم... ؟!.
ولما جاءه سعد بن أبي وقاص، وقال: "يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني مجاب الدعوة. قال: يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة".
فأطاب سعد مطعمه، فكان بعد ذلك لا يدعو دعوة إلا استجاب الله عز وجل عنه
وجاء في الحديث الآخر الذي أخرجه مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ). [سورة المؤمنون، الآية: 51] وَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ). [سورة البقرة، الآية: 172].
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ. وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ".
وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث قصة سعد: "والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوماً، وأيّما عبد نبت لحمه من السحت، والربا فالنار أولى به".
ومن الشروط أن تكون الأمة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، تأخذ على يد السفيه وتأطره على الحق أطراً، وتردعه ردعاً، وتقصره قصراً.

فإن الأمة إذا تركت هذا الأمر عاقبها الله بعقوبة أعظمها أن يسد الله عزّ وجل بابه عنهم، وان يمنع قبول دعوتهم، كما جاء في الحديث الصحيح: "لتأمرن بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم".
ومن آداب الدعاء - أيها الأحباب - أن يدعو المؤمن بقلب صادق خاشع حاضر، وان لا يدعوا بقلب ساهٍ لاهٍ، وان يدعو وهو موقن بالإجابة، كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ادعوا الله وانتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل لاه".
ومن آدابه: أن يصدق العبد اللجأ والاضطرار إليه سبحانه، لأنّ  الله عز وجل يستجيب دعوة المضطر ولو كان كافراً كما قال العلماء، وهو فهم منتزع من قوله عز وجل: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ). [سورة النمل، الآية: 62].
وقال عز وجل عن المشركين: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ). [سورة العنكبوت، الآية: 65]. وغير ذلك من الآيات، وهي كثيرة معروفة.
والدعاء أمر يعترف به الكفار الملاحدة، فقد عرفوا جدواه، واعترفوا بجدواه وأثره قبل المسلمين، 
فينبغي على العبد أن يصدق اللجأ والطلب إلى الله عز وجل، حتى يستجيب الله عز وجل له.
ومن آداب الدعاء: ألا يستعجل العبد الإجابة أو يقول دعوت ودعوت فلم أره يستجب لي. قال الرسول صلى الله عليه وسام في الحديث المتفق عليه: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، قالوا: يا رسول الله، وكيف يعجل؟! قال: يقول: دعوت، ودعوت، فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك، ويدع المسالة".
ومن الآداب - أيها الأحباب - أنّ يستفتح العبد الدعاء بالثناء على الله عزّ وجل، ويختمه بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهكذا علّمنا الله عز وجل في صورة الفاتحة، فأوّلها ثناء على الله تعالى، وآخرها دعاء لله عز وجل، وغير ذلك.
وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي قوله صلى الله عليه وسلم: "يا حي يا قيوم بك استغيث".
وجاء رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى وانصرف ولم يصل عليه صلى الله عليه وسلم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "عجل هذا، ثم دعاه، فقال له: يا هذا، إذا دعوت فأثني على الله في أوله وصلي على رسول الله في آخره".
وأخبر الرسول صلى الله صلى الله عليه أنّ الدعاء يكون معلقاً بين السماوات والأرض حتى يصلي صاحبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحاصل - أيها الأحباب – أنّ العبد ينبغي أن يفزع إلى الله في الدعاء، لا سيما في هذه الأوقات العصيبة، أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
ومن آداب الدعاء - أيها الأحباب - أن يتحين العبد أوقات الإجابة، ومن أوقات الإجابة: بين الأذان والإقامة، وبعد الصلوات المكتوبات، وفي الثلث الأخير من الليل، في وقت التنزّل الإلهي، وقوله لعباده: "من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له، من يسألني فأعطيه" وذلك حتى يطلع الفجر.
ومن أوقات الإجابة - أيها الأحباب - ومن الأوقات التي يرجى أن يستجاب فيها الدعاء أن يدعو العبد وهو ساجد، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء". أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه.
وعلى العبد أن يكون دائما وأبداً حريصاً على الدعاء، فان الدعاء - بإذن الله - يرفع البلاء ويدفع العقوبة، كما جاء في الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولا يرد القضاء الا الدعاء".
وكما اخرج الحاكم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغني حذر من قدر، وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وان الدعاء ليصعد في السماء فيلقى البلاء فيعتلجان بين السماء الأرض إلى قيام الساعة".
وكما قال صلى الله عليه وسلم الدعاء: "سلاح المؤمن".

ومن الأمور الكفيلة بدفع البلاء ورد العقوبة: كثرة الاستغفار، وذلك بأن يكثر العبد الاستغفار والذكر والرجوع والإنابة لله عزّ وجل. 
ولقد ذكر الله عز وجل في كتابه أن هذا مانع من العقوبة، ورافع لها، ودافع للبلاء - بإذن الله - قال سبحانه وتعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). [سورة الأنفال، الآية: 33].
وأخرج الإمام الترمذي وغيره من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لِأُمَّتِي: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). [سورة الأنفال، الآية: 33]. فَإِذَا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمْ الِاسْتِغْفَارَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
وقال عزّ وجل: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ). [سورة هود، الآية: 3]. وهذا على لسان نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
والحاصل أن الاستغفار - بإذن الله - دواء نافع وناجع لدفع البلاء ورفع العقوبة، كما قال الأبوان لما ابتُلي آدم وزوجه عليهما السلام: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). [سورة الأعراف، الآية: 23]. 
وقال الله عز وجل على لسان موسى وقومه لما أصابهم البلاء: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ). [سورة الأعراف، الآية: 155].
وقال الله عز وجل على لسان موسى لما أذنب واستغفر ربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). [سورة القصص، الآية: 16].
وعلى لسان أيّوب عليه السلام: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ). [سورة الأنبياء، الآيات 83- 84].
وقد مكث أيوب في البلاء أكثر من سبع سنين، وقد فقد بيته وأهله وزوجه وأولاده، وأصابه بلاء عظيم، ومرض شديد، فدعا الله عز وجل بهذه الدعوة: (ربِ إني مسني الضر، وأنت ارحم الراحمين، يا عالماً بحالي، علمك بحالي يغني عن سؤالي). فاستجاب الله عز وجل له.
وكذلك ذو النون عليه السلام: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ). [سورة الأنبياء، الآيات 87- 88].
لجوّا بالاستغفار والتضرع إلى الله عز وجل والتوبة من كل الذنوب كبيرها وصغيرها، لجوا فإننا على ذنوب عظيمة، ولا يكفي الدعاء وحده ما لم يستغفر العبد ربه ويتوب إليه:
ومن الأمور التي هي - بإذن الله - كفيلة بدفع البلاء ورفع العقوبة: المسارعة إلى القربات والى الخيرات والحرص على الطاعات، لا سيما الصلوات المكتوبات والزكوات المفروضات، والمستحبات وغيرها من أفعال العبادة؛ ككثرة الذكر، وقراءة القرءان وغيرها.

2

الصلاة

أما بعد: 
أيها المسلمون: 
سأقرأ عليكم جملة من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فأرعني سمعك يا عبد الله: وكلها أحاديث عن الصلاة. يقول عليه الصلاة والسلام: ((آتاني جبريل من عند الله تبارك وتعالى، فقال يا محمد إن الله عز وجل يقول: إني قد فرضت على أمتك خمس صلوات فمن وافى بهن، على وضوئهن، ومواقيتهن، وركوعهن، وسجودهن، كان له عندي بهن عهد أن أدخله بهن الجنة، ومن لقيني قد انتقص من ذلك شيئا، فليس له عندي عهد، إن شئت عذبته، وإن شئت رحمته)). 
ويقول : ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)). 
ويقول : ((اعلم أنك لا تسجد لله سجدة، ألا رفع الله لك بها درجة، وحط عنك بها خطيئة)). 
ويقول : ((إن العبد إذا قام يصلي أتى بذنوبه كلها، فوضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه)). 
ويقول : ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أتمها، كتبت له تامة، وان لم يكن أتمها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته))، ثم الزكاة كذلك ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك. 
ويقول : ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبكم الله من ذمته بشيء، فان من يطلبه من ذمته بشيء، يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم)). 
ويقول : ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن امر بالصلاة فتقام، ثم امر رجلا فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)). 
ويقول : ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل وحده خمسا وعشرين درجة)). 
ويقول : ((ما من ثلاثة من قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية )). 
ويقول : ((من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر)). 
ويقول : ((ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)). 
ويقول : ((بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)). 
أيها المسلمون: 
هذه الأحاديث وغيرها كثير، من المخاطب بها؟ لمن قيلت هذه النصوص؟ هل قيلت للجن؟ أين نحن من هذه الآثار النبوية، وما حظ كل واحد منا، يقول عبد الله بن مسعود كما في صحيح مسلم: ولقد كان يؤتى بالرجل يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف. 
لما حضرت سعيد بن المسيب الوفاة، وكان رحمه الله عالم التابعين وإمامهم، بكت ابنته عليه، فقال لها: لا تبكي عليّ يا بنية، والله ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في المسجد. من أربعين سنة لا يؤذن المؤذن وهذا الرجل في المسجد ينتظر الصلاة، ليصلى مع المسلمين، وكان الأعمش يقول: والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الجماعة خمسين سنة. هؤلاء هم الذين عرفوا قيمة الصلاة أما في أوقاتنا: 
فجلجلة الأذان بكل حيِّ
منائر كم علت في كل ساحٍ

ولكن أين صوت من بلالٍ
ومسجدكم من العباد خاليٍ
ما معنى الإيمان الذي يدعيه رجال ثم هم لا يحضرون الصلاة في الجماعة، ما معنى الإيمان وما قيمة الصلاة في حياتهم، يقول ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. 
أين الأجيال، أين شباب الأمة، أين الرجال، والمساجد خاوية تشكو إلى الله تعالى. إذا كان هذا حالنا في الصلاة وهي عمود الإسلام، فكيف بباقي شرائع الدين كيف ترتقي أمة لا تحسن المعاملة مع الله، كيف تفلح أمة لا تقدس شعائر الله، كيف تكون صادقة في الحرب، أو في التعليم أو في التصنيع أو في الحضارة، أو في الإدارة وهي لا تحسن الاتصال بربها في صلاة فرضها الله عليها. 
كم تأخذ صلاة الجماعة من أوقاتنا، في مقابل ما نضيعه في الأكل والشرب والنوم، والمرح، إنها دقائق معدودة، لكن بها يرتفع المؤمنون ويسقط الفجرة والمنافقون، بها يعرف أولياء الرحمن من أولياء الشيطان، بها يتميز المؤمن من المنافق يقول عليه الصلاة والسلام،  كما في الصحيحين: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله أني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله))، والحديث واضح وصريح كما سمعتم أمر من الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام بأن يقاتل هذا الإنسان، حتى يسجد لله فيوم يتهاون الإنسان بالصلاة، أويترك الصلاة أو يتنكر للصلاة، يصبح هذا الإنسان لا قداسة له، ولا حرمة له، ولا مكانة ولا وزن، ، قال الله تعالى: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً 
أيها المسلمون: إنه لا عذر لأحد في ترك الصلاة مع الجماعة، كان سعيد بن المسيب إمام التابعين في عصره، كان يأتي في ظلام الليل إلى مسجد النبي فقال له بعض إخوانه: خذ سراجا لينير لك الطريق في ظلام الليل، فقال يكفيني نور الله: ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور 
وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: ((بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)) وهل في القيامة ظلمة، وهل في القيامة ليل؟ نعم والله إنه ليل وأي ليل، وإنها لظلمة وأي ظلمة، يجعلها الله لأعداء المساجد، ولتاركي المساجد والواضعي العثرات في طريق أهل المساجد، ظلمة يجعلها الله لأولئك الذين انحرفوا عن بيوت الله ، تظلم عليهم طرقاتهم وسبلهم يقولون للمؤمنين يوم القيامة: انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً كان الصحابة رضي الله عنهم، حتى وهم في المعارك إذا تلاقت الصفوف والتحمت الأبدان وأشرعت الرماح، وتكسرت السيوف، وتنـزلت الرؤوس من على الأكتاف في هذه الحال لم يكونوا يدعون صلاة الجماعة، تصلي طائفة وتقف الأخرى في وجه العدو. 
نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم
جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا
  
والحرب تسقى الأرض دما أحمرا
في مسمع الروح الأمين فكبرا
إنها الصلاة، إنها حياة القلوب، إنها الميثاق إنها العهد بين الإنسان وبين ربه، ويوم يتركها المرء أو يتهاون بها، يدركه الخذلان وتناله اللعنة، وينقطع عنه مدد السماء. 
أيها المسلمون: 
إن من أسباب السعادة، وحفظ الله لنا، ودوام رغد العيش الذي نعيشه، أن نحافظ على عهد الله في الصلاة، وأن نتواصى بها، وأن نأمر بها أبناءنا وأن نعمر مساجدنا، بحضورنا، فهل من مجيب؟ وهل من مسارع إلى الصلاة حيث ينادى بهن وهل من حريص على تلكم الشعيرة العظيمة إنها الحياة، ولا حياة بغير صلاة، إنها رغد العيش، ولا رغد في العيش بغير صلاة، إنه دوام الأمن والاستقرار، ولا أمن ولا استقرار بغير صلاة. إنه التوفيق من رب العالمين في كل شيء، ولا توفيق ولا تسديد بغير صلاة. 
فالله الله أيها المسلمون في الصلاة، من حافظ عليها، حفظه الله، ومن ضيعها ضيعه الله ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) 
فالصلاة الصلاة عباد الله، في أول وقتها بخشوعها، بخضوعها، بأركانها، بواجباتها، بسننها، وفي جماعتها، علّ الله أن يحفظنا ويرعانا إذا نحن حافظنا عليها وعظمناها 
أقول ما تسمعون، واستغفر الله . . . 



  
 


الخطبة الثانية
أما بعد: أيها المسلمون: 
ومما يتعلق بالصلاة، موضوع مهم جدا، وهذا الموضوع ليس لتاركي الصلاة، ولا للمتهاونين والمتخلفين عن صلاة الجماعة، ولكنه لأولئك المحافظين على الصلوات الخمس في جماعة، أخص بالذكر الشباب ، وهذه القضية هي، حضور الشخص متأخرا عن الصلاة، وقد فاته بعضها، فبعد أن يسلم الإمام تجد عدد غير قليل من المسلمين يقومون لإتمام ما فاتهم، 
اعلموا أيها المصلون أن واجب صلاة الجماعة يبدأ بتكبيرة الإمام تكبيرة الاحرام. فمنذ ينقطع صوت الإمام بقول الله اكبر، يبدأ وجوب المتابعة له قال بعض أهل العلم بأنه من تلك اللحظة يبدأ احتساب الأجر والأخذ في إدراك الجماعة إدراكا كاملا، ويبدأ أيضا احتساب الإثم في حق القادر  المتخلف  عمدا  عن  جزء منها، وهذه مسألة قلَّ ما يتفطن لها حتى بعض طلبة العلم. قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد)) المقصود في قوله لا تختلفوا عليه والله اعلم، أي لا تختلفوا عليه في القيام والقعود والمتابعة، ومن ذلك ضرورة التكبير ومباشرته بعده. 
وإن من ظواهر التقصير في أداء هذا الواجب ما يرى من تخلف كثير من المصلين عن الحضور إلى مكان الجماعة لحين ما بعد الإقامة، فكثيرا ما ترى الإمام يبدأ بعدد قليل ولا يكاد يكبر تكبيرة الركوع حتى يتضاعف العدد من أناس تمروا بمجيئهم بالإقامة ولا شك في أن فعل هذا عمداً تقصير يفوت أجرا ويرتب وزرا، يفوت أجر الجزء الذي تركه عمداً في الأول، ويرتب وزر تفويته عمداً، 
وبجانب ما في هذا التقصير وهذا العمل من تفويت أجر، وربما ترتب عليه وزر، فهو يؤثر كثيرا وكثيرا على ما يطلب في الصلاة من خشوع وتذلل وتأمل وتدبر، لقد شرع قبلها ما يهيئ لذلك، لا ما يطارده أو يضعفه، شرع قبلها الوضوء، وشرع قبلها أدعية الخروج من المنزل، وشرع قبلها أدعية دخول المسجد، وشرع قبلها صلوات النافلة، وشرع أن يأتيها المسلم بسكينة ووقار لا بغلبة وجلبة يضايقه فيها النفس، وهذا غالب شان المتأخر عنها يحاول أن يدرك هذه الأمور، أيها المصلون، شرعت بين يدي الصلاة وفي الصلاة، وخاصة صلاة الجماعة ذات الفضل العظيم، ليتهيأ المسلم في صلاته لمناجاته لربع، والوقوف بين يديه كأنه يراه، جواب هذا السؤال عندكم، رجل تأخر دون عذر شرعي حتى أقيمت الصلاة، فجاء يركض، بنفس قد ضايقها وشغلها عن مهمتها،  وفوت كثيرا مما يشرع الاتيان به قبل ذلك هل هذا الرجل سينصرف بأجر صلاة الجماعة مثل ذلك الذي أدرك تكبيرة الاحرام مع الإمام. 
نسأل الله جل وتعالى أن لا يعاقبنا بسوء أعمالنا وما يستشهد به البعض من قوله : ((من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة)) فهذا في حق من لم له عذر شرعي، أما من لا عذر له فله أجر ما أدرك وعليه وزر ما فوت. 
فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا رحمكم الله على هذه الصلوات حيث ينادى بهن، عمروا المساجد، تسابقوا إلى الصفوف الأول واعلموا أنه لن يصلح أخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها. 
أيها المسلمون، اختم لكم هذه الخطبة بان أقرأ عليكم ثلاثة أحاديث من أحاديث الرسول وجعلتها في آخر الخطبة لكي تكون آخر ما يعلق في أذهانكم واسمعوها وتدبروها. 
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال. قال رسول الله : ((تحترقون تحترقون، فاذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا)). 
وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن لله ملكا ينادى عند كل صلاة، يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها)). 
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله، عن رسول  الله انه قال: ((يبعث مناد عند حضرة كل صلاة، فيقول يا بني آدم قوموا فأطفئوا عنكم ما أوقدتم على أنفسكم فيقومون، فتسقط خطاياهم من أعينهم، ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، ثم توقدون فيما بين ذلك فإذا كان عند الصلاة الأولى نادى: يا بني آدم قوموا فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم، فيقومون فيتطهرون ويصلون الظهر، فيغفر لهم ما بينهما، فإذا حضرت العصر فمثل ذلك فإذ حضرت المغرب فمثل ذلك، فإذ حضرت العتمة فمثل ذلك، فينامون وقد غفر لهم، فمدلج في خير ومدلج في شر)). 
اللهم انا نسالك رحمة تهدي بها قلوبنا . . . 

1