إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 12 نوفمبر 2021

تذكر الموت

 ( تذكر الموت ) 

أيها الأحبة: لقد خلقنا الله وأخرجنا إلى هذه الحياة وسنعيش فيها مدة من الدهر ، وهو تعالى يُنْهِى هذه الحياة دون علم منا بوقت ذلك ، قال الله تعالى: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ* مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ* ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ* ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ.)  [عبس:17 – 22] 

إن انتهاء الحياة أمرٌ محتومٌ لا جدالَ فيه، ونهايتُها تكون بأحد أمرين، الأول: هلاك جميع الأحياء إلا من شاء سبحانه، يقول جل ذكره: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص:88] ويقول: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:27]. 

وهلاكهم يكون بالنفخ في الصور قال الله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) [الزمر:68]

تلكم النفخة الهائلة المدمرة التي إذا سمعها المرء لا يستطيعُ أن يوصي بشيء، ولا يقدر على العودة إلى أهله قال الله تعالى: (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ). [يس:50،49] 

وفي الحديث الطويل الذي يرفعه للنبي ﷺ عبد الله بن عمرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: « ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا. [أي أمال صفحة عنقه ليسمع] قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ قَالَ: فَيَصْعَقُ وَيَصْعَقُ النَّاسُ». رواه مسلم. 

وقد ذكر النَّبِيُّ ﷺ عن سُرْعَةِ هَلَاكِ العبادِ يومَ تقومُ الساعةُ فَقَالَ عَجَباً: «وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا». رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.                         

الأمر الثاني: الموت.. بأن يفارق الإنسانُ الحياة بالوقت الذي كتبه الله عليه 

ومن مات قامت قيامته، يقول سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ). [آل عمران:185] 

والموت حق على الإنس والجن، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ». رواه مسلم وروى البخاري بعضه فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما

أيها الإخوة: وللموت وقته المحدد؛ فلا يستطيع أحد أن يرده، 

وقد قدر الله آجال العباد ولن يتجاوزها أحد.. وأجرى بها القلم فهي مكتوبة عنده في اللوح المحفوظ، 

ففي الحديث يقول رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ رَبِّ: وَمَاذَا أَكْتُبُ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». رواه أبو داود والترمذي عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وصححه الألباني. 

ويكتبُ الملكُ الكريمُ عليه السلام على كل جنينٍ وهو في بطنِ أمِهِ أجلَه وينفخُ فيه الروحَ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ». رواه البخاري وغيره.

إذاً مَنْ مَاتَ، ماتَ بأجلِه الذي قدَّرَهُ اللهُ تعالى وأمضَاه قَالَ اللهُ تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا). [آل عمران:145] ويقولُ: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ). [الأعراف:34] 

ويقُولُ: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). [الجمعة:8]   

وكما أخفى عنا سبحانَه وقتَ الموتِ أخفى عنا مكانَه، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). [لقمان:34] 

وعَنْ أَبِي عَزَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَرَادَ قَبْضَ رُوحِ عَبْدٍ بِأَرْضٍ، جَعَلَ لَهُ فِيهَا أَوْ قَالَ: بِهَا حَاجَةٌ». رواه أحمد وغيره قال الأرناؤوط إسناده صحيح، رجاله ثقات. قال السندي: قوله: جعل له فيها أي: ليذهب إليها فيموت بها.  

أيها الأحبة: إذا تقرر عندنا أنَّ الإنسانَ سيعيشُ في الدنيا زمناً مقدراً ثم يترُكُها للقاءِ ربِهِ، فمن الحزمِ أنْ نداومَ على تذكرِ هذه النهايةِ الحتمية وهي الموت..

ولقد أرشدنا رسولُ الله ﷺ إلى إجراء فريدٍ متى داومنا عليه في هذه الحياة وَصَلَنَا بِمُسْتَقْبَلِنا الذي ينتظرنا إن شاء الله، 

وهذا الإجراء هو دوام تذكر هادم اللذات أو هاذم اللذات: أي الموت. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ». رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقال الألباني حسن صحيح. 

وفي روايةٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتَ؛ فإنه لم يَذْكُرْه أحدٌ في ضِيقٍ مِنَ العَيْشِ إلا وَسَّعَهُ عليه، ولا ذَكَرَهُ في سَعَةٍ إلا ضَيَّقَها عَلَيه». ذكره الألباني في الجامع الصغير وحسنه. 

قوله هاذم اللذات: بالذال بمعنى قاطعها، وبالدال من الهَدَم. والمراد أن الموتَ، هو هاذمُاللذات لأن مَنْ يَذْكُرُه يَزْهَدُ في اللذات. وهادم اللذات لأنه إذا جاء ما يُبْقِي مِن لذائذ الدنيا شيئاً

أحبتي: تَذَكُرُنَا للموتِ يجعلُنا نتذكرُ الآخرة وما ينتظرنا فيها من حسابٍ ، فيكون هذا دافعاً لنا لنعيد النظر فيما قدّمنا من أعمال، ونتدارك الأخطاء ونتوب توبةً نصوحاً قبل أن يباغتنا الموت فلا تنفعنا التوبة..

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ». رواه الترمذي وغيره عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وهو حديث حسن. 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ." رواه البخاري

تذكُّر الموت أيها الإخوة: مع فهم معناه هو الذي يَقْضِي على البغيِ في المجتمعِ..

تذكرُ الموتِ مع معرفةِ حقيقتِه هو الذي يُنهى الظلم والطغيان في المجتمع..

تذكر الموت مع فهم حقيقته هو الذي يجتثُ الفسادَ من جوانب المجتمع.. تذكر الموت مع فهم حقيقتِه هو الذي يقي المجتمع من الانزلاق في مهاوي الفساد ومواقع الضلال..

أسأل الله تعالى أن يوفقنا لتذكر الموت والاعتبار بذلك والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد... 

الخطبة الثانية

أَمَّا بَعْدُ أيها الإخوة: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، واحذروا سخطه ومعاصيه، إذا أحسسنا بقسوة في القلب ولهفة على الدنيا نسارع لعلاج أنفسنا بتذكر الموت بأي طريق يذكرنا... 

 أحبتي: ما نراه في المقابر أعظم وأكبر معتبر، فحامل الجنازة اليوم محمول غدًا.. ومن يرجع من المقبرة إلى بيته سيُرجعُ عنه غدًا.. ويُترك وحيدًا فريدًا مرتهنًا بعمله، فإن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.. أين الذين بلغوا المنى فما لهم في المنى منازع؟! جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا، بنوا مساكنهم فما سكنوا.. ولكننا ننسى الموت، ونسبح في بحر الحياة وكأننا مخلدون في هذه الدار، قال أويس القرني رحمه الله: توسّدوا الموت إذا نمتم، واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم

نَتَذَكَرُ الموتَ لنُحْسنَ الاستعدادَ لما بعده بالعمل والطاعة والاجتهاد في العبادة. الاستعداد للموتِ يكون بهجر المنكرات، وترك المعاصي، ورد المظالم والحقوق إلى أهلها.. الاستعداد للموت يتم بإزالة الشحناء والبغضاء والعداوة من القلوب.. الاستعداد للموت يكون ببر الوالدين وصلة الرحم.. وقد قيل: من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاث: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة. ومن نسي الموت عوجل بثلاث: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل بالعبادة

أحبتي: متى يستعدُ للموتِ من تظلله سحائب الهوى ويسير في أودية الغفلة.؟! متى يستعد للموت من لا يبالي بأمر الله في حلال أو حرام.؟! متى يستعد للموت من تهاون بالصلاة ولم يؤدها في وقتها..؟! متى يستعد للموت مَن أكل أموال الناس بالباطل وأكل الربا.؟! كيف يكون مستعدًا للموت من لوث لسانه بالغيبة ولم يستغفر منها ومن سعى بالنميمة، وامتلأ قلبه بالحقد والحسد، وضيع أوقات عمره في تتبع عورات المسلمين والوقوع في أعراضهم.؟! 

أيها الأحبة: لنحذر جميعا من أن نكون ممن يرجو الآخرة بغير عمل.. ويؤخر التوبة لطول الأمل.. وقد علمنا أن الموت يأتي بغتة. وعلينا أن نكثر من زيارة القبور فإنها تذكر الآخرة، وأن نعتبر بمن صار تحت التراب وانقطع عن أهله والأحباب، جاءه الموت في وقت لم يحتسبه وهولٍ لم يرتقبه

تؤمل في الدنيا طويلا ولا تــدري
 
إذا جــــن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة
 
وكم من مريض عاش حينا من دهر

الجمعة، 29 أكتوبر 2021

البكاء من خشية الله

( البكاء من خشية الله )

أما بعد أيها المسلمون:
فلا أكمل ولا أعظم، ولا أجمل ولا أكرم، مما امتدحه الله عز وجل في كتابه العزيز 
مدح الله من عباده أناس هم صفوة الخلق، فأصطفاهم بأحسن الصفات ونعتهم بأطيب النعوت.
هذه سورة مريم ابتدأها الله بالثناء على العبد الصالح، الرسول الكريم زكريا عليه الصلاة والسلام، ثم ثنّى بالثناء على ابنه العبد الصالح والرسول الكريم يحيى، ثم مدح مريم وابنها عيسى عليهم الصلاة والصلاة، ثم ذكر الخليل إبراهيم، ثم الكليم موسى، ثم الذبيح إسماعيل، ثم ذكر الصديق العلي إدريس ثم قال (أولئك الذين أنعم الله عليهم من ذرية أدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً).
نعم .. إنه ديدن أهل الدين وأهل الصلاح من النبيين والصديقين والصالحين، إنه تعظيمُ الله وتوقيرُه والبكاءُ عند ذكره شوقاً وحباً وخوفاً وطمعاً (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً * ويقولون سبحن ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً).
عباد الله:
البكاء من خشية الله وصف شريف، وخصلة حميدة، به وصف الله أنبياءه، والذين أوتوا العلم من عباده، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "رجلاً ذكر الله خالياً ففاضت عيناه"
كلما قوي الإيمان عظمت الخشية وازداد التوقير لله العلي الكبير، وأول الناس في ذلك وأولاهم به محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
هو أتقى الناس لله، وأخشى الناس لله، وأكثر الناس بكاءً من خشية الله.
ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: اقرأ علي القرآن فقال: أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال نعم: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ من سورة النساء حتى بلغ قول الله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك فإذا عيناه تذرفان.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى سُمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وهو صوت القدر إذا اشتد غليانه.
وقد كانت تلك الحال حال تلاميذه رضي الله عنه وأرضاهم، ففي البخاري عن عائشة أن أبا بكر رضي الله عنه (ابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ينظرون إليه ويعجبون! قالت عائشة: وكان أبو بكر رجلا بكَّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن).
وقال عبدالله بن شداد: كنت أسمع نشيج عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإني لفي آخر
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من القلب الذي لا يخشع، يقول ( اللهم إني أعوذبك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها). رواهمسلم
.
والله تبارك وتعالى يحب البكاء مِن خشيته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين، قطرةٍ من دموعٍ في خشية الله، وقطرةِ دم تُهراقُ في سبيل الله... »، الحديث؛ رواه التِّرمذي، وصَحَّحه الألباني.
 

ــ والبكاء من خشية الله جُنَّةٌ من النار، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يَلِج النارَ رَجُلٌ بَكَى مِن خشية الله، حتى يعود اللَّبن في الضرع»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «عينانِ لا تَمَسُّهُما النارُ: عينٌ بكتْ مِن خشية الله، وعينٌ باتَتْ تحرُس في سبيل الله»؛ رواهما التِّرمذي، وصَححهما الألباني.

وقال رحمه الله في موضع آخر: إن في القلب قسوةً لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى ، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى، 
وذكر حماد بن زيد عن المعلى بن زياد أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أذِبه بالذكر، وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار فما أُذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عز وجل
.
اللهم اهد قلوبنا وأصلح أحوالنا واجعلنا هداةً مهتدين.
فإن أفضل الدموع دموع الخلوات، قال صلى الله عليه وسلم وهو يَعُدّ السبعة الذين يظلهم الله: ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.
فإذا خلوتَ بكتاب ربك، أو خلوتَ بمناجاته في ظلمة الليل، أو في الضحى والناس في غفلة ، فحرّك قلبك بذكر الله وبالثناء عليه وبدعائه، فإن القلب رافد العين، 
قال الحسن البصري: إن كان الرجل ليجلس المجلس من مجالس الذكر فتأتيه العبرة فيردُّها، فإن خشي أن تسبقه قام من مجلسه
.
وقال محمد بن واسع: إن كان الرجل ليقوم الليل عشرين سنة ويبكي من خشية الله ما تعلم امرأته عن ذلك.
وكان أحد أئمة الحديث يحدّث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم فإذا غلبه البكاء مسح أنفه بطرف عمامته وقال: ما أشدَّ الزكام .. ما أشدَّ الزكام.
وهذا لا يعني ذم الباكين من الأئمة والمأمومين، فقد بكى أمامَ الناس خيرُ الناس، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، لكنَّ المقصودَ الحثُ على تحري الإخلاص وإخفاء العمل الصالح وأثره، والله لا يضيع أجر المحسنين
اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وتقبل منا أعمالنا، واغفر لنا ذنوبنا، واجعلنا هداةً مهتدين
الخطبة الثانية : أيُّها المسلمون:
إلى الله المشتكى من حالنا، جفت عيوننا من دموع الخشية، وأصبحنا نصلي فلا نخشع، ونتلوا القرآن فلا نتأثر ولا نبكي، ونسمع المواعظ فلا نرق قلوبنا ولا نبكي، ونزور المقابر فلا نبكي، وندفن الموتى فلا نبكي.
 

ولو سألَ الواحدُ منَّا نفسَه: متى آخرُ مرةٍ دَمَعَتْ عيناه منَ خشية الله؟ لكان الجواب كاشفا عن إصابتنا بداء القسوة والغفلة.
وما ذاك عباد الله إلا بسبب:
ــ رُّكوننا إلى الدُّنيا، وغُرُورنا بزينتها وملذاتها، وكثْرة اشتغالنا بِفُضُولها.
ــ وبسبب غفلتنا عن ذكر الله وعن الدار الآخرة، فَقَلَّ ذِكْرُنا لمصيرنا وآخرتنا.
 
ــ وبسبب كَثْرة معاصينا وتَرَاكُم الذنوب على قلوبنا، يقول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العبد إذا أذنبَ ذنبًا نُكِتَتْ في قلبه نُكتةٌ سوداء، فإنْ تابِ ونزعَ واستغفرَ صقل قلبه، وإن عاد زادتْ حتى تعلوَ قلبَه، فذلك الرَّان الذي ذَكَرَ الله في القرآن:﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾»؛ رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجَهْ، وحَسَّنَهُ الألباني.
 
ــ فيا عباد الله: لماذا تستمر قسوة قلوبنا؟ ألا يعظنا قول ربنا:﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ألا يعظنا قولُه تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ... ﴾
 

ــ ما ابتلى الله عبدًا بعقوبة أعظم من قسوة القلب وقحوط العين.
قال ابن القيم رحمه الله: (ومتى أقحطت العين من البكاء من خشية الله تعالى، فاعلم أن قَحْطَهَا إنما هو من قسوة القلب، وأبعد القلوب من الله: القلب القاسي) آهـ
 
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من القلب الذي لا يخشع كما في صحيح مسلم
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «يَا عُقْبَةُ، أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» الترمذي وحسنه وصححه يحيى بن معين والألباني.
وفي حديث ثوبان: «طُوبَى لِمَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ، وَوَسِعَهُ بَيْتُهُ، وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ»
 
وللسلف الصالح أحوال وأحوال مع الخشوع والبكاء، اقرؤوها في كتب الزهد والرقائق، فقد كانوا يخشعون ويبكون في الصلوات، ويبكون عند تلاوة الآيات، ويرِقُّون عند المواعظ، ويبكون خوفا من السابقة، وخوفا من سوء الخاتمة، ويبكون عند تذكر الآخرة، ويبكون شوقاً للقاء الله ولنعيم جناته، وخوفاً من النار والوقوف بين يديه.
فيا عباد الله: البكاء من خشية الله، عبودية محبوبة لله، قام مقامها السلف الصالحون، السابقون الأولون .
فاللَهُمَّ ارْزُقْنَا مَا رَزَقتَ عِبَادَكَ الصَّالِحِين مِنْ لِينِ القُلُوبِ وَالْخُشُوعِ وَالْبُكَاءِ وَالْخَشْيَةِ.