إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 8 يوليو 2021

فضل عشر من ذي الحجة

 ( فضل عشر من ذي الحجة ) 

أما بعد: فاتقوا الله ربكم، ولنغتنم ما بقي من أعمارنا، ونعتبر بما ضاع من أوقاتنا، ونتعض بمن مضوا قبلنا؛ فإننا سائرون على دربهم، صائرون إلى مصيرهم، ولا مفر من الله تعالى إلا إليه، ولا نجاة إلا بصدق التوجه إليه سبحانه، وتعلق القلوب به عز وجل، وإخلاص العمل له وحده دون سواه (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ) [البيِّنة:5].

أيها الناس: اختص الله تعالى بعض الأزمنة بعبادات فُضِلت بها على غيرها من الزمان، كما اختص ثلث الليل الآخر دون سائر الليل والنهار بتجليه سبحانه للمستغفرين من عباده و والسائلين والداعين، واختص يوم الجمعة بهذه الصلاة العظيمة، وبساعة الإجابة فيها، واختص رمضان بوجوب صيامه، ومشروعية الجماعة في قيامه.

واختُصت عشرُ ذي الحجة باجتماع أمهات العبادات فيها، فكان العمل الصالح فيها أفضلَ منه في غيرها؛ فالصلاة والدعاء والصدقة والجهاد وقراءة القرآن وذكر الله تعالى وبر الوالدين وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من القربات هي في عشر ذي الحجة أفضل منها في غيرها؛ لحديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ الله عز وجل ولا أَعْظَمَ أَجْرًا من خَيْرٍ يعمله في عَشْرِ الْأَضْحَى، قِيلَ: ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله؟ قالولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله عز وجل إلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فلم يَرْجِعْ من ذلك بِشَيْءٍرواه البخاري والدارمي واللفظ له.

إن هذه العشر المباركات التي نبتدئها بعد أيام هي أفضل أيام السنة، والعمل الصالح فيها أيَّاً كان نوعه أفضل منه في غيرها، وهي تقع في آخر شهر من السنة، فكأنها تعويض للمفرطين في عامهم؛ ليتداركوا أنفسهم، ويعوضوا فيها ما فاتهم، ويدركوا بها منزلة من سبقهم، ومن فضل الله تعالى أنها كانت في آخر العام؛ فإن العبد يتذكر بنهاية سنته نهاية عمره، ويندم على ما فرط في أيامه الخالية، ويعقد العزم على استثمار ما بقي من حياته؛ فإذا هو يستقبل هذه العشر المباركة؛ ليفي بوعده لربه، ويصدق مع نفسه.

إن الله تعالى حين جعل هذه العشر المباركات أفضل أيام السنة فإنه سبحانه اختصها بخصائص ليست في غيرها، وجعلها زمناً لعبادات لا تكون في سواها؛ فهي زمن أداء ركن الإسلام الخامس، فأولُ أيام الحج فيها وهو يوم التروية، وفيها ركنُه الأعظمُ وهو الوقوفُ بعرفة، ويُتَوَّجُ خاتمتُها وهو يوم النحر بأكثر أعمال الحج وهي الرمي والنحر والحلق والحل من الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة.

إنها اختُصت بهذه الأيام الثلاثة العظيمة، وفيها مناسك الحج وشعائره الكبيرة، ففي اليوم الثامن يبدأ الحجاج مناسكهم، وفي اليوم التاسع يقفون بعرفة، وهو من أعظم الأيام وأفضلها، ويعتق الله تعالى فيه من النار ما لا يعتق في غيره من سائر الأيام؛ كما في حديث عَائِشَة رضي الله عنها أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من يَوْمٍ أَكْثَرَ من أَنْ يُعْتِقَ الله فيه عَبْدًا من النَّارِ من يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فيقول: ما أَرَادَ هَؤُلَاءِ"رواه مسلم.

وهو اليوم الذي نزلت فيه آية الإخبار بكمال الدين، وتمام النعمة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة، عن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي الله عنه "أَنَّ رَجُلًا من الْيَهُودِ قال له: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ في كِتَابِكُمْ تقرؤونها لو عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذلك الْيَوْمَ عِيدًا، قالأَيُّ آيَةٍ؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا، قال عُمَرُقد عَرَفْنَا ذلك الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الذي نَزَلَتْ فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يوم جُمُعَةٍ"رواه الشيخان.

فكان الإخبار عن كمال دين الإسلام، وتمام نعمة الله تعالى به علينا، ورضاه بالإسلام لنا دينا في اليوم التاسع من هذه العشر المباركة فاختصت بهذا الفضل العظيم.


وفيها ليلة جَمْعٍ حين يبيت الحجاجُ بمزدلفة، ويذكرون الله تعالى فيها بعد الفجر إلى الإسفار، قال الله تعالى في فضل هذا الذكر في ذلك المشعر المبارك (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) [البقرة:198].


واختُصت العشر بيوم النحر، وهو العيد الأكبر، وهو أفضل من عيد الفطر؛ لاختصاصه بكثير من الشعائر والعبادات، وفيه تُراق الدماء تعظيما لله تعالى، ولا تذبح الضحايا والهدايا قبله (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر:2].

فكان التَنَسُّك بالدماء لله تعالى في خاتمة هذه العشر المباركة، وكان آخر يوم منها وهو اليوم العاشر عيدا كبيرا للمسلمين، يذكرون الله تعالى فيه على ما هداهم، ويشكرونه على ما أعطاهم ( فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الحج:36-37].

وثبت فضله في حديث عبد الله بن قُرْطٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّرواه أبو داود.

ومن أراد أن يضحي فالاحوط له ان يمسك عن شعره وأظفاره من دخول العشر إلى أن يذبح أضحيته؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.


ومن خصائص هذه العشر المباركة أن الله تعالى نص في كتابه العزيز على ذكره فيها فقال سبحانه (وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) [الحج:27].

فالأيام المعلومات هي العشر في قول أكثر السلف والعلماء، ومِنْ ذكره سبحانه فيها ما شرع فيها من التكبير؛ تعظيما لله تعالى، وإعلاما بفضيلة هذه العشر، وإظهارا لشعائرها.

وروى ابن عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ الله وَلاَ أَحَبُّ إليه الْعَمَلُ فِيهِنَّ من هذه الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ والتحميد"رواه أحمد، 

قال البخاري رحمه الله تعالى: "وكان ابن عُمَرَ وأبو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إلى السُّوقِ في أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ الناس بِتَكْبِيرِهِمَاوروى الدارمي عن سَعِيد بن جُبَيْرٍ رحمه الله تعالى أنه "كان إذا دخل أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حتى ما يَكَادُ يَقْدِرُ عليه".

فحري بالمسلم أن يشكر الله تعالى على فضلها وفضل العمل الصالح فيها وهي أيام قلائل، وأن يشكره عز وجل على ما شرع فيها من أمهات العبادات والأعمال الصالحة، وأن يشكره عز وجل على بلوغها وهو في أمن وعافية، ولديه قدرة على الاجتهاد فيها بما يرضي الله تعالى، ومن دلائل الشكر فيها حبس النفس على الطاعات، ومجانبة المحرمات.

 الخطبة الثانية

 الحمد لله حمدا كثيرا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وأطيعوه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) [الحشر:18-19].


أيها المسلمون: هذه الدنيا التي نعيشها لن نخلد فيها، وهي لن تبقى إلى الأبد؛ فلها نهاية كما كان لها بداية، ونحن نعلم أنه في كل يوم يموت خلق كثير ويدفنون، ولا بد أن نكون يوما من الأيام منهم، طال ذلك أم قصر.

والدنيا بأفراحها وأتراحها، ومسراتها وأحزانها، ويسرها وعسرها ينساها الناس بمفارقتها، بل إن الواحد يصيبه عسر شديد، ومصيبة كبيرة، ثم مع مرور الأيام يزول عسرُه، وينسى مصيبتَه، ويذهب همُه وغمه، وكذلك الإنسان تصيبه سراءُ فيفرح بها فرحا شديدا ومع الأيام ينساها ويزول فرحه.

وهكذا ما يلحق أهل الإيمان والتقوى من مشقة حبس النفس على الطاعات، وكفها عن الشهوات؛ فإنهم ينسون ذلك بمجرد انتهاء وقته، وذهاب مشقته؛ فالصائم الذي جاع وعطش ينسى معاناته مع الجوع والعطش بمجرد فطره، والحاج الذي لحقه من المشقة والزحام وطول الانتظار ما لحقه ينسى ذلك بمجرد إتمام حجه، وانقضاء نسكه.


وأهل الشهوات المحرمة ينسون لذة شهواتهم ومتعتها بمجرد مفارقتها، وتبقى السيئات في صحائفهم، والأوزار تثقلهم، والهموم والأحزان تملأ قلوبهم، وهذا من عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة.

ونجد هذا المعنى واضحا كل الوضوح في حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا من أَهْلِ النَّارِ يوم الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يا بن آدَمَ، هل رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هل مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فيقول: لَا والله يا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الناس بُؤْسًا في الدُّنْيَا من أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الْجَنَّةِ فَيُقَالُ له: يا بن آدَمَ، هل رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هل مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيقول: لَا والله يا رَبِّ ما مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ ولا رأيت شِدَّةً قَطُّ"رواه مسلم.

فحري بالمسلم أن يعتبر بذلك، وأن يعمر وقته بطاعة الله عز وجل؛ لعلمه أن ما يلحقه من مشقة العبادة يزول ويبقى له أجرها، يتنعم به خالدا مخلدا في دار النعيم، وأن يجانب المحرمات ليقينه أن لذتها تزول بزوالها، ويبقى وزرها عليه، وأن يستفيد من الأزمان الفاضلة، والأوقات المباركة التي اختصها الله تعالى بشعائره العظيمة، فيعظمها كما عظمها الرب تبارك وتعالى، ويخصها بكثرة النوافل والقربات، وإن الخسران كل الخسران أن يصرفها العبد في اللهو والغفلة، والتمتع بما حرم الله تعالى عليه، ولربما كانت هذه العشر آخر موسم مبارك يدركه العبد في حياته، فلعل الموت يبغته في أي لحظة (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ) [آل عمران:30].

2

 

الخميس، 1 يوليو 2021

( جيش العسرة وساعة الابتلاء )

 ( جيش العسرة وساعة الابتلاء )

الخطبة الأولى :

وها هو أبو خيثمة وكانت له زوجتان، جاءهما يوما فوجد كل واحدة منهما قد رشت عريشها بالماء، وبردت له الماء ووضعت له الطعام.

فلما رأى ذلك بكى وقال: أواهُ أواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر والريح، وأبو خيثمة في الظل والماء البارد، والله ما هذا بالنصف.

ورأى أنها فرصة لو فاتته لعد من المنافقين، قال: والله لا أذوق شيئا حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. فهيئ زاده وهيئ راحلته وانطلق وحيدا في صحاري يبيد فيه البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد.

ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فأدركه قرب تبوك، وراءه الناس

فقالوا: ركب مقبل يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة، كن أبا خيثمة، قال الصحابة هو أبو خيثمة. فدعا له صلى الله عليه وسلم ففاز بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وياله من فوز.

أيها المسلمون: في شهر رجبَ من السنة التاسعةِ للهجرة، دعا داعي النفيرِ للخروج جهاداً في سبيل الله. في غزوةٍ هي آخرُ الغزواتِ التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه.

غزوةٌ عسيرةٌ شاقةٌ مُكلِفَةٌ مُؤَرِقة.. طريقها بعيدٌ، وَعَدُوُّها عنيدٌ، في صميمِ صيفٍ قائظٍ، ولهيبٍ سمومٍ حارٍّ. على حينِ قِلَّةٍ في العتادِ، وضعفٍ في المؤونةِ، ونَقْصٍ في الراحلةِ والزاد.

 دعا داعي النفير للخروج في سبيل الله. حين طابت الثمارُ في المدينةِ، وطاب الرُّكونُ إلى الظلِ. في امتحانٍ عسيرٍ للنفوس، وابتلاءٍ شديدٍ للإيمان.   

غزوةٌ يُقْطعُ المسيرُ إليها ذهاباً وإياباً شهراً كاملاً من المدينةِ حتى تَبوك،  ليواجهَ المسلمون هناكَ جيشاً عظيماً من جيوشِ الرومِ وحُلفائِهِم الذينَ أجمعوا على غزو المدينةِ لاستئصالِ الكيانِ الإسلامي فيها كما زعموا.

فجاءَ التوجيهُ النبويُّ المؤيدُ بالتنزيل.. أن ينفِرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إليهم ويَغْزُوَهُم في دارِهم،  لكسرِ شوكتِهم، ولقمعِ هيبتِهم، ولتأمينِ أرضِ المسلمين من خرابهم وفسادِهم. 

فنادى منادي النفيرِ في المسلمين.. في هذه الغزوةِ الشَّاقةِ المُكْلِفَة المُضنيةِ، فَلَم يتركْ عُذراً لمُقتَدِر {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

ثم يأتي التوبيخُ القرآنيُ، بل التهديدُ الربانيُ.. لكل مُتوانٍ عن الاستجابةِ لهذا النفيرِ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ  أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

فاجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثون ألفاً مِن أصحابِه، خرجوا جميعاً معه في سبيل الله.. فلما دنوا مِن أرضِ تبوك، وَعَلِمَ الرومُ بمقدمِهم، قذف اللهُ في قلوهم الرُّعْبَ فانهزموا قبل أن يواجهوا رسولَ لله صلى الله عليه وسلم ومن معه، وتفرقوا في كُل صَوْب.

فبقي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في تَبُوك عشرين يوماً، مُثْبِتاً قُوَّتَه، ناشراً رسالتَه، مُؤَمِّناً أرضَ المسلمين من فَسادِ الكافرين.

 ثُم قَفَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عائداً إلى المدينةِ منتصراً مؤزراً. له في قلوب أعدائهِ هيبةٌ، وله في قلوبِ المؤمنين تأييداً ومناصرةً واقتداء.

عباد الله: تلكم هي غزوةُ تبوك، وذلكم هو جيشُ العُسرة. جاءَ بيانُ كثيرٍ من فصولِ هذه الغزوةِ وأحداثِها مُفصلاً في سورةِ براءة.

غزوةٌ.. أظهَرَ الله فيها صِدقَ أهلِ الإيمانِ، وكَشَفَ فيها كذب أهلِ النفاق. غزوةٌ مَحَّصَتِ الصفَّ الإسلامي فَنَفَت عنهُ كُلَّ منافقٍ وَدَعيٍّ ودَخِيْل.

سورةُ براءة.. سورةُ الفاضحة، فَضَحَت المنافقين فلم تترُك لمنافقٍ حيلةً إلا كشفتها، ولا كِذْبَةً إلا بينتها، ولا خَدِيْعَةً إلا أظهرتها.  

سورةٌ أظهَرَت وجَلَّتْ جُلَّ صفات المنافقين. كشفت أخلاقَهم، وفَسَّرَت مقاصِدَهم، وأظهرت ضمائرَهم.  {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ  قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} 

ومَن تأملَ ذِكْرَ المنافقين في القرآن.. لَمْ يجد آيةً واحدةً تَكشِفُ عن أسمائهم، وإنما كَشَفَ القرآن أوصافَهم، وأظهرَ أفعالَهم، وبَيَّنَ مقاصِدَهم. ليبقى المؤمنونَ على امتداد الأزمان من خطرِهم على حذر.

 وأظهر القرآنُ.. أن المنافقين مهما ادَّعوا من صلاحِ المقصدِ، ونُبْلِ الهَدَف.. فإنهم كاذبون مُخادعون {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}

* تلكم هي غزوةُ تبوك.. دعا فيها داعي النفيرِ في سبيل الله، فأعرضَ أهلُ النفاقِ عن الاستجابةِ لله ولرسوله، بل سعوا في بَثِّ الوهَنِ وتخذيلِ الناسِ عن النفير مع رسول الله {وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ} قال الله لهم {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه}

وأما المستضعفون الذين عذرهم الله، فقد آلمهم أن يخرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مجاهداً في سبيل الله وهم قعودٌ،{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ}

 فكتبَ الله لهم ــ بِصدقِ نِيَّتِهِم ــ أجرَ العاملين، وأثبت لهم ثوابَ المجاهدين  عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (إِنَّ أَقْوَامَاً خَلْفَنَا بالمدِينةِ مَا سَلَكْنَا شِعْباً وَلاَ وَادِياً إِلاَّ وَهُمْ مَعَنَا، حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ) رواه البخاري. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

أيها المسلمون: إنها غزوةُ تبوك.. سماها الله في القرآنِ (ساعةَ العُسرةِ) في عُسرةٍ متناهيةٍ لا نظير لها.  قامَ فيها المؤمنونَ لِرَبِهم خيرَ قيام. فأنفقوا من أموالِهم، أنفَقَ فيها عثمانُ رضي الله عنه مالاً كثيراً ــ وكان من أثرياء المهاجرين ــ فجاءته البُشرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما ضَرَّ عثمانُ ما عمل بعدَ اليومِ، ما ضرَّ عثمانُ ما عملَ بعد اليوم)  وأنفقَ فيها الفقراءُ ما يقدرون عليه مِنْ مُدٍّ وصاعٍ وشيءٍ يسير.  

والمنافقون قابضون أيديَهم لا يُنفقون.. وهم مِن المؤمنينَ في سخريةٍ ولمزٍ وتشكيك {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}..كما هو حال منافقي كل زمان ومكان في الهمز واللمز والسخرية والتخذيل والطعن في ظهور المسلمين ... وان تسموا باسماءهم وتكلموا لغتهم ..

الخطبة الثانية :

* ساعةُ العُسرةِ.. أنزلَ اللهُ فيها على الأمةِ ابتلاءً شديداً.. فأظهرَ فيها نفاقَ أقوامٍ كانوا بجلباب الإيمانِ يستترون. ولولا العُسرةُ والشِّدةُ والابتلاءُ لما ظَهرَ نفاقُهمْ، ولما استبانَ خَبَثُهُم. 

وفي كُل مواقف الشدةِ التي يُنزلها الله بالمؤمنين عبر القرون.. تتكشَّفُ سوءاتٌ وتتهاوى راياتٌ وتُفضَحُ خفايا.

* ساعةُ العُسرة.. تخلى فيها المؤمنونَ عن كثيرٍ من حظوظِ نفوسِهم لله. فآثروا اللهَ ورسولَه على كُلِّ ما سواهما. 

ولكلِّ مؤمنٍ ساعةُ عُسرةٍ يبتليه الله بها، شهوةٌ تستعرُ في النفسِ، أو هوىً يعصِفُ بالقلبِ، أو غضَبٌ يَثُورُ في الفؤاد. فَمَن قادَ نَفْسَهُ في ساعةِ عُسرَته بزمامِ الإيمانِ نجا. ومَنْ تَرَدَّتْ نَفْسُه في ساعةِ عُسْرَتِه هَلَك. {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}

* ساعةُ العُسرة.. كانت دعوةٌ للنفيرِ إلى مواجهةِ عدوٍ شديدٍ في بلادٍ بعيدٍ، في شدةِ حَرٍّ وظمأٍ وحاجةٍ ومسغبة.  ففازَ في تلكَ العُسرةِ رجالٌ مؤمنون استجابوا سِراعاً لله ولرسولِه.

وكَمْ مِنْ ساعةِ ابتلاءٍ وعُسرةٍ تَمُرُّ بالمؤمنِ.. لا تُقارِبُ في قسوتها تلك الساعةِ،  يستبينُ له فيها حُكمُ اللهِ ورسولِه، في أمرٍ أوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْه، أو أمرٍ حَرَّمَهُ الله عليه، فيعيشُ صِرَاعاً طَوِيْلاً في القبولِ والانقياد.

فَمَن كانَ لأمرِ اللهِ أسرعَ استجابةٍ كان بمغفرة الله له وتوبته عليه أحرى وأقرب {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}

اللهم ثبت قلوبنا.. وأخلص أعمالنا وأصلح أحوالنا.. واهدنا صراطك المستقيم​