إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 11 مارس 2021

شهر شعبان

 ( شهر شعبان ) 

الخطبة الأولى 

أما بعد:

إن المؤمن ليتقلب في هذا الزمان، ويمد الله له في الأجل، وكل يوم يبقاه في هذه الدنيا هو غنيمة له ليتزود منه لأخرته، ويحرث فيه ما استطاع ويبذر فيه من الأعمال ما استطاعته نفسه وتحملته. 

وها قد مضى أيها الأحبة شهر رجب، ونحن على وشك دخول شعبان والناس عنه غافلة. ولنا مع هذا الشهر المبارك وقفات ننظر فيها حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال سلف الأمة، الذين أمرنا بالاقتداء بهم، مع ذكر بعض فضائله وأحكامه. 

 

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: ( لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال ( ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم )) [رواه النسائي]. 

 

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله يصوم ولا يفطر حتى نقول: ما في نفس رسول الله أن يفطر العام، ثم يفطر فلا يصوم حتى نقول: ما في نفسه أن يصوم العام، وكان أحب الصوم إليه في شعبان، [رواه الإمام أحمد]. 

 

ومن شدة محافظته صلى الله عليه وسلم على الصوم في شعبان أن أزواجه رضي الله عنهن، كن يقلن أنه يصوم شعبان كله، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شهر غير رمضان، فهذه عائشة رضي الله عنها وعن أبيها تقول: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان. [رواه البخاري ومسلم]. 

 

وفي رواية عن النسائي والترمذي قالت: ( ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر أكثر صياما منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله ) 

 

وهذه أم سلمة رضي الله عنها تقول: (( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان )). ولشدة معاهدته صلى الله عليه وسلم للصيام في شعبان، قال بعض أهل العلم: إن صيام شعبان أفضل من سائر الشهور، وإن كان قد ورد النص أن شهر الله المحرم هو أفضل الصيام بعد رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل )) [رواه مسلم].

 

ومن الحكم في الإكثار من صيام شعبان: ما تضمنه حديث أسامة بن زيد المتقدم ذكره وفيه قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فبين له صلى الله عليه وسلم سبب ذلك فقال له: ((ذاك شهر يغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان)) وماذا أيضا؟ قال: ((وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)). 

 

إن هذا الحديث تضمن معنيين مهمين: 

أحدهما: أنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان. 

 

وثانيهما: أن الأعمال ترفع وتعرض على رب العالمين، فأما كون شعبان تغفل الناس فيه عنه، فإن ذلك بسبب أنه بين شهرين عظيمين، وهما الشهر الحرام رجب، وشهر الصيام رمضان، فاشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولا عنه، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيام شعبان لأن رجب شهر محرم، وهذا ليس بصحيح، فإن صيام شعبان أفضل من صيام رجب للأحاديث المتقدمة. 

 

وفي قوله: ((يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان)) ولذلك قال أهل العلم: وهذه لفتة فتنبه لها يا عبد الله قالوا: هذا فيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله عز وجل، ولذا كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشائين بالصلاة ويقولون: هي ساعة غفلة، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم فضل القيام في وسط الليل لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر كما قال: ((إن افضل الصلاة بعد المفروضة الصلاة في جوف الليل)) 

 

والأجور المترتبة على الاشتغال بالطاعات وقت غفلة الناس كثيرة ومتنوعة، فتعرضوا لنفحات الله، أيها الأحبة، وتلمسوا مرضاته. 

ثم اعلم يا عبد الله أن إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فيه فوائد: 

 

إن فعلك لهذه الطاعة يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل لاسيما الصيام، فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء، وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان، فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما في سوقه، ويظن أهل سوقه أنه أكلها في بيته. 

 

الفائدة الثانية في إحياء وقت غفلة الناس بالطاعات أنه أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس إن كان على السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((الأجر على قدر النصب)). 
 

والسبب في أن الطاعات في وقت غفلة الناس شاقة وشديدة على النفوس، هو أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم، كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين لهم، فسهلت الطاعات، وتأمل كيف أن كثيراً من الناس يشق عليهم الصيام في غير رمضان: فإذا جاء رمضان سهل عليهم الصيام ولم يجدوا مشقة في صيامه، وذلك لأن الناس من حولهم يؤدون هذه العبارة الجليلة، والناس كأسراب القطا يتبع بعضهم بعضا، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( الناس أشبه بأهل زمانهم منهم بآبائهم. )

 

وأما إذا أكثرت غفلة الناس تأسى بهم عموم الناس فيشق على نفوس المتيقظين والطالبين لمهر الجنة تشق عليهم طاعاتهم ، لقلة من يقتدون بهم في هذه الأوقات المغفول عنها، ولهذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم في حال الغرباء في آخر الزمان: ((للعامل منهم أجر خمسين منكم – أي من الصحابة – إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون)) [وفي مسلم] ((فطوبى للغرباء)) 

ولهذا جاء في صحيح مسلم أيضا من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((العبادة في الهرج كالهجرة إلي)) وعند الإمام أحمد بلفظ: ((العبادة في الفتنة كالهجرة إلي)) وسبب ذلك أن الناس في وقت الفتن تستولي عليهم الغفلة، ويتبعون أهوائهم ولا يرجعون إلى دين، وينشغلون عن عبادة ربهم بهذه المحدثات والمضلات من الفتن ..

ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القران، ليحصل التأهب لتلقي رمضان وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، 

ولذلك فإن السلف كان يجدّون في شعبان، ويتهيأون فيه لرمضان قال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء. 

 

وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القران،

قال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع، 

 

 

الخطبة الثانية 

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)) [رواه الطبراني وابن حبان وهو حديث صحيح]. 

ولنا مع هذا الحديث الذي يتعلق بالنصف من شعبان أربع وقفات مهمة: 

 

الأولى: أن الله يغفر فيها لكل عباده إلا المشرك فتفقد نفسك يا عبد الله، وفتش باطنها، فلعلك أن تكون مبتلى بشيء من هذه الشركيات المنتشرة في الأمة، ولا تظنن بنفسك خيرا بل فاتهمها في جانب الله وفي تقصيرها، ولا تقل أني بريء من الشركيات، ولا يمكن أن أقع فيها، ويكفى أنني أعيش في بلد التوحيد، فإن هذا غرور وجهل منك، إذا كان أبو الأنبياء وإمام الحنفاء خليل الرحمن يخشى على نفسه الشرك، بل يخشى على نفسه وعلى بنيه عبادة الأصنام، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ( واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام) وقد بين إبراهيم ما يوجب الخوف من ذلك فقال: ( رب انهن أضللن كثيراً من الناس. ) 

 

قال إبراهيم التيمي: من يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به، 

 

الوقفة الثانية: خطورة الشحناء والبغضاء بين الناس، وأن الله لا يغفر للمتشاحنين، والشحناء هي: حقد المسلم على أخيه المسلم بغضا له لهوى في نفسه، لا لغرض شرعي وسبب ديني، فهذه تمنع المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، 

 

كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: انظروا هذين حتى يصطلحا ))، 

 

الوقفة الثالثة: إحياء بعض الناس لليلة النصف من شعبان، وبعضهم يصليها في جماعة ويحتفلون بأشياء وربما زينوا بيوتهم، وكل هذا من البدع المحدثة التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحبه ولا تابعوهم، وهم الحجة لمن أراد سواء السبيل 

 

وما ثبت في هذه الليلة من فضل هو ما قدمناه من أنك يجب عليك أن تحقق التوحيد الواجب، وتنأى بنفسك عن الشرك، وأن تصفح وتعفوا عمن بينك وبينه عداوة وشحناء ، أما إحداث البدع في هذه الليلة فإن أهلها هم أولى الناس بالبعد عن رحمة الله، وأن ينظروا هم حتى يتوبوا من بدعتهم.

 

 

 

الخميس، 4 مارس 2021

مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَرَاحٌ منه

 مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَرَاحٌ منه : 

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102], أما بعد:

أيها المسلمون: يَعِيْشُ المرءُ في دنياه مغتبطاً.. يرجو البقاءَ ويخشى ساعةَ الأجلِ. يكرهُ الموتَ، يُحاذِرُ أسباب الرحيلِ.  وهل للفتى مما قضى اللهُ مهربُ..

أؤمِّلُ أن أحيا وفي كل ساعةٍ  **  تَمُرُّ بي الموتى تُهَزُّ نُعوشُها

وهل أنا إلا مثلُهمْ غيرَ أن لي  **  بقايا ليالٍ في الزمان أعيشُها

لِكُلِّ حَيٍّ أَجَل، ولِكُلِّ أجلٍ كتاب.. {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}

إذا نزلَ بالإنسانِ الموتُ.. وحَانَتْ سَاعَةُ الرَّحِيْل،  فإنه أحدُ رَاحِلَينِ.. راحِلٌ راح فاستراح، أو راحِلٌ راحَ فأراح.   

راحِلٌ راح فاستراح..  مؤمنٌ كانَ يُكابِدُ نَصَبَ الحياةِ، ويقاسي صِعابها، قائمٌ بأمرِ الله واقفٌ عند حدوده، صابرٌ على طاعةِ الله، صابرٌ عن معصيةِ الله، صابرٌ على ما يؤلِمُ مِن أقدارِ الله.   * راحِلٌ راح فاستراح..  مؤمنٌ كانت تتقاذفُهُ أمواجُ الفِتَنِ وهو مستمسكٌ بحبل الله، وتعصفُ به رياحُ الشهواتِ وهو عائذٌ بجلالِ الله، وتلوحُ أمامَهُ بوارِقُ الهوى وهو يُغضي عنها حُباً وخشيةً ورجاءً لله.  

راحِلٌ راح فاستراح..  مؤمنٌ نالَه مِن الناسِ ظُلْمٌ وجورٌ وأذى،  فَصبرَ واحتَسب، وصفَحَ وعفا، راجياً مِن ربِه حُسنَ الجزاء.

مؤمنٌ أمضى حياتَه مُسارعاً في الخيرات، مُسابقاً في الطاعات، منافساً في الصالحات.  نَزَلَ به الموتُ فراحَ مِنَ الدنيا واستراح. وأدركَ ما كان في الآخرةِ يُوعَد..

راح إلى مقامٍ كريمٍ، في نعيمٍ مُقيمٍ عند ربٍّ رحيم {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ}  {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌالَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}

عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُرَّ عليه بجِنَازَةٍ، فَقالَ: (مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَرَاحٌ منه) قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما المُسْتَرِيحُ والمُسْتَرَاحُ منه؟ قالَ: (العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيَا وأَذَاهَا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ منه العِبَادُ والبِلَادُ، والشَّجَرُ والدَّوَابُّ) رواه البخاري ومسلم

ذاكَ مؤمنٌ راحَ فاستراح.. وذاك فاجرٌ راح فَأَرَاح (يَسْتَرِيحُ منه العِبَادُ والبِلَادُ، والشَّجَرُ والدَّوَابُّ)

مُستراحٌ منه.. لم يَكُن في قلبه لربه تعظيماً، مُعْرْضٌ مُسْتَكْبِر. فاجرٌ مُتجَبِّر. يَسْرِيْ فجورُه في الأرضِ كَسَرَيَانِ الأوبئةِ في المجتمعات، ويَنْتَشِرُ شَرُّه، ويتعدى ضررُه في الناسِ وفي البهائم وفي الجمادات.

مُستراحٌ منه.. غليظُ القلبِ غشومٌ ظلوم، لا يرعى حقاً، ولا يحفظُ عهداً، ولا يَفِيْ بوعد.  

* مُستراحٌ منه.. مَن لا يُؤْمَنُ جانِبُه، ولا يُطْمَأنُّ لِقُربِه، سَلِيْطُ اللسان، سريع البُهتان، سيءُ الظن، قبيحُ المَعْشَر، إذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.  * مُستراحٌ منه..  مَنْ لا يأمنُ جارُهُ بوائِقَه. 

* مُستراحٌ منه..  مَنْ أَكَلَ أموالَ الناسِ ظلماً.. فَغَشَّ أو سرق، أو غَصَبَ أو ارْتَشَى، أو مَطَلَ أو جَحَدْ.

مُستراحٌ منه.. مَنْ ظَلَمَ زَوْجَاً، أو استقوى على ضعيف، أو سَلَبَ حقاً أو أكل مال يتيم.  

مُستراحٌ منه..  مَنْ يَسْعى بالنميمةِ، ومَن يَشْهَدُ الزور، ومَن يُشِيْعُ المنكرَ، ومَن يَنْشُرُ الضلال. ومَن يُفسِدُ في البلادِ ومَن يظلِم العباد.

مُستراحٌ منه.. مَنْ أذى المسلمينَ في شأنِ دينهم أو ديناهم، أو اجترأ على مصالِحِهم أو استخفَّ بحقوقهم.  * مُستراحٌ منه.. مَنْ يسعى في غَضَبِ الله، ويجترئ على محارم الله.

وكَم راحلٍ أشرقَ برحيلِه وجهُ مظلوم، واستبشر بهلاكِهِ قلبُ مقهورٍ، ويلٌ له ثم ويل ٌله.. راحَ وارتحل.. فلا ناحَت عليه مِن المكارِمِ نائحة. وتلك عاقبةُ الخاسرين {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}

ولا يستوي من راح مرتاح راضياً ..  ومَن أشرقت دنيا بيومِ رحِيلِه

قيل لأعرابي قد اشتدَّ فرحُه -: إنك ستموت، قال: أين يُذهَب بي بعد الموت؟ قالواإلى الله، قال: وَيْحَكُم، كيف أخاف الذهاب إلى من ليس الخير إلا من عنده؟!

 ولَمَّا نزل جبريل عليه السلام على النبي عليه الصلاة والسلام في الساعات الأخيرة من عمره، ثم جعل يُخيِّره بين البقاء أو الارتحال؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى)).

تعاهد سبيلك في الحياة، وصحح مسارك قبل الفوات، أقم وجهك للدين حنيفاً، تقرب إلى الله بالصالحات،  تودد إلى الخَلْقِ بِحُسنِ الخُلُق، وكُفَّ أذاكَ وعاشِر لَبِقْ، وقابل أخاكَ بوجهٍ طَلِق.   تخفف من الوِزرِ.. لا تَظْلِمْ ولا تَجْهَل ولا تؤذِ عبداً.. فإن حقوقَ العبادِ تستوفى بكيل العَدلِ بالقسطاسِ المستقيم  {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم..

الخطبة الثانية : 
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله الصادُقُ الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله واعملوا صالحاً يؤتِكُم الله أجراً كريماً {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ* خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

أيها المسلمون:

تَسِيْرُ حَثِيْثاً خَلْفَ خِلٍ مُشَيِّعاً  ** وأنت غداً في الراحلين تُشَيَّعُ

إنَّ ارتحالَ الإنسانِ مِنْ هَذِه الدنيا.. ليس نهايةُ المطافِ، وليس خِتَامُ الأمرِ، وإنما هو انتقالٌ مِن دارِ العملِ إلى دار الجزاء، ومِن دار الفناء إلى دار الإقامة، وقد خابَ مَن حملَ ظلماً {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

إنَّ الراحلين ولم تفتُرْ قوافِلُهُم ** لَيُنْقَلُوْنَ سِراعاً دونما مهلِ

سِرَاعاً.. فما عاد يُجدي بقاءٌ لِمَيِّتٍ.. 

فإن كان للحسنى فَظُلْمٌ يؤخَرُ، 

وإنْ كانَ موعوداً بسوءِ صَنِيْعِه.. 

فشرٌ عن الأعناقِ يُلقى ويُنزَعُ،  

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : (أَسْرِعُوا بالجِنَازَةِ، فإنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إليه، وإنْ يَكُ سِوَى ذلكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عن رِقَابِكُمْ) متفق عليه

عباد الله: إنَّ العبدَ المؤمنَ.. حينما يستقيمُ على أمرِ الله، ويقفُ عند حدوده، فإنه إذا نزل بهالموتُ تنزِلُ إليه البُشرى مِن رَبِه.. لِيَسْتَقْبِلَ الآخرةَ آمناً مُطْمَئناً، هانئاً مُسْتَبْشِراً.   مِصْدَاقُ ذلك، في قول الله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ  وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}  

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ» فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أكَراهِيَةُ المَوتِ، فَكُلُّنَا نَكْرَهُ المَوتَ؟ قال: «لَيْسَ كَذَلِكَ، ولكِنَّ المُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وإنَّ الكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذابِ اللهِ وَسَخَطهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وكَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ» رواه مسلم

وختاماً ..في الحديث : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَتْ فُلاَنَةُ وَاسْتَرَاحَتْفَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَال « إِنَّمَا يَسْتَرِيحُ مَنْ غُفِرَ لَهُ ».

اللهم أحسن ختامنا، وأطِبْ مُنقَلَبَنا..