إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 1 يناير 2021

نفس الشتاء - تأمين اللقاح

 الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ، وَأَشْهَدُ ألَّا إله إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَشهدُ أنَّ نبيَّنا محمَّدًا عبدُ الله وَرَسُولُهُ، صلَّى اللهُ وَبَاركَ عَليهِ وَعلَى آلِه وَأَصْحَابِهِ، وَالتَّابعينَ وَمَنْ تَبِعَهم بِإحْسَانٍ وإيمانٍ وسلَّم تَسْلِيماً مَزِيدًا.

 

أَمَّا بعدُ: فَأَوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، وَالتَّفَكُّرِ فِي تَقَلُّبِ الأَجْوَاءِ, فالتَّفَكُّرُ يزيدُ الإيمانَ، ويجعلُكَ مُذعِنَاً للواحدِ الدَّيَّانِ.

 

عَبَادَ اللهِ: في تَقلُّباتِ الأَجْوَاءِ عِبَرٌ، وَفِي شِدَّةِ البَردِ مُدَّكرٌ. يقُولُ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلا-: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار)[آل عمران: 190- 191].

 

فَسُبحانَ من خَصَّ كُلَّ مَوسِمٍ بِما يُنَاسِبُه, من الزُّروعِ والثِّمارِ ونوَّعَها لِنَتَفَكَّرَ في بَدِيعِ صُنعِ ربِّنا -جَلَّ وَعَلا-، فشِدَّةُ البَرْدِ مِن زَمْهَرِيرِ النَّار؛ ففي الصَّحيحِ عن أبي هُرَيْرَةَ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِير".

 

عبادَ اللهِ: وفي الشِّتَاءِ فَوَائِدُ وَأَحْكَامُ، فَفِي حَدِيثٍ رَواهُ الإمَامُ أحْمَدُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ قَصُرَ نَهَارُهُ فَصَامَ وَطَالَ لَيْلُهُ فَقَامَ". وكانَ ابنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: "مَرْحباً بالشِّتَاء تَنْزِلُ فيه البَرَكَةُ, وَيَطُولُ فيه الَّليلُ لِلقِيامِ وَيَقْصُر فيهِ النَّهارُ للصَّيامِ".                      

 

اللهُ أكبَرُ يا كِرامُ: هذهِ نَظْرَةُ رَسُولِنَا وَسَلَفِنا لِلشِّتاءِ، وَحَالُ بَعْضِنَا أَضْحَى الشِّتَاءُ سِمَةً لِلنَّومِ والتَّخلُّفِ عن صلاةِ الفَجْرِ مَعَ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، وَنَسُوا أنَّ رَسُولَنا اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ قَالَ: "إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا". ألَمْ يَعْلَمُوا كَذَلِكَ أنَّ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ"(رَوَاهُ الإمَامُ مُسْلِمٌ)، فَأَبْشِرُوا يا من تُجاهدونَ أنفُسَكُم لِلقيامِ وتَمشونَ في الظُّلَمِ والبَردِ للصَّلواتِ فَلَكمُ النُّورُ التَّامُ يومَ القيامَةِ.

 

أيُّها المُؤمِنُونَ: وَمِنْ غَنَائِمِ الشِّتَاءِ أنَّهُ فُرصةٌ للإكثارِ من الصِّيامِ؛ فَقَد سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الغَنِيمةُ البَارِدَةُ". وَقَالَ: "وَمَنْ صَامَ يَومَاً فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا"(رَواهُ البُخَارِيُّ).

 

وَمِنْ أَحْكَامِ الشِّتَاءِ أَنْ نَتَذَكَّرَ فَضِيلَةَ وَأَهمِّيَةَ إسبَاغِ الوُضُوءِ خَاصَّةً مَعَ كَثْرَةِ المَلابسِ عَلى اليَدَينِ وَالذِّرَاعَينِ, وَأَنْ نُخْرِجَ كَامِلِ فُرُوضِ الوُضُوءِ وَنَغْسِلَها كَمَا أَمَرَنَا نَبِيُّنَا -صلى الله عليه وسلم- فَقَد رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّؤونَ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ فَقَالَ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

 

الخطبةُ الثَّانيةُ:            

 

الحَمْدُ للهِ وَعَدَ الْمُنفقينَ مَغفرَةً وفَضَلاً، أَشهد ألَّا إله إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وَأَشهدُ أنَّ نبيَّنَا محمداً عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أكملُ الخلقِ جُوداً وبِرّاً, الَّلهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وَبَارِكْ عَليهِ، وَعلى آلِه وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإحْسَانٍ وإيمانٍ إلى يوم الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالى- وَأَطِيعُوهُ: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون)[البقرة: 272]. شَدَّةُ البَرْدِ تُذَكِّرُكَ بِإخْوانٍ لَكَ في الإسْلامِ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ، فَهُمْ بِأشَدِّ مَا يَكُونُونَ إليكَ فَأنْفِقْ يَا عَبْدَاللهِ يُنْفِقِ اللهُ عَليكَ وَيَخْلِفُ لَكَ خَيْراً مِمَّا أنْفَقْتَ: "فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ".

 

عبادَ اللهِ: وَمِنْ حِكَمِ الشِّتَاءِ أَنْ نَتَذَكَّر يُسرَ الشَّريعةِ بِالمَسْحِ عَلى الخُفينِ، وأَنْ نَعْمَلَ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا -صلى الله عليه وسلم-, فعَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ -رضي اللهُ عنهما- قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ, فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا"(رَواهُ البُخَارِيُّ).

 

قَالَ الشَّيخُ ابنُ العُثَيمِينَ -رَحْمَةُ اللهِ عَليهِ-: وَالْمَسْحُ على الخُفَينِ إذا كانَ الإنْسَانُ قَد لَبِسَهُمَا على طَهَارَةٍ أَفْضَلُ مِن خَلْعِهِمَا وَغَسْلِ الرِّجْلِ؛ أَخْذاً مِن هذا الحَدِيثِ.

 

قَالَ العُلَمَاءُ: وَمِنْ أَحْكَامِ المَسْحِ على الخُفينِ, أنْ يَتِمَّ لُبسُهمَا على طَهَارَةٍ. وألَّا يكونَا نَجِسَيْنِ, وَأَنْ يَكونَ المَسحُ في الحَدَثِ الأَصْغَرِ، أمَّا الحَدثُ الأكبرُ فَيَجِبُ نَزْعُهُما وَغَسْلُهُما. وَأَنْ يكونَ المَسحُ في الوقتِ المُحَدَّدِ شَرْعاً وهو يومٌ وليلةٌ للمُقِيمِ وثلاثَةُ أيَّامٍ بليالِيهِنَّ للمُسافِرِ.

 

ولا عِبْرَةَ بِعَدَدِ الصَّلَوَاتِ، بَلْ العِبْرَةُ بِالزَّمَنِ، وَهُوَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً لِلمُقِيمِ، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَاعَةً لِلمُسَافِرِ. لَكِنْ مَتى تَبتَدِئُ هَذهِ المُدَّةُ؟ الجَوابُ: تَبْتَدِئُ مِن أَوَّلِ مَرَّةِ مَسَحَ فِيها، وَلَيسَ مِنْ لُبْسِ الخُفِّ وَلا مِن الحَدَثِ بَعْدَ الُّلبْسِ؛ بَلْ مِن أَوَّلِ مَرَّةِ مَسَحَ فِيها.

 

وصفةُ المسحِ أنْ يَبُلَّ أصَابِعَ يَديهِ بالمَاءِ وَيَضَعُهُما مُفَرَّجَتَي الأصَابِعِ على مُقَدِّمَةِ رِجلَيهِ ثُمَّ يُمرِّهُمَا إلى بِدايَةِ سَاقَيهِ، اليُمنى على اليمنى، واليُسرى على اليُسرى، وإنْ صلَّى بِمسحٍ زَائِدٍ على المُدَّةِ أعادَ صَلاتَهُ بِوضُوءِ جَديدِ يَغسلُ فيه القَدَمَينِ. وَعَلينَا أَنْ نَهتَمَّ بِنَظافَةِ الجَورَبَينِ حتى لا يكونَا مصدراً لِلرَّوائِحِ الكريهةِ وأذى المُصلِّينَ.

 

أيُّها المؤمنُ: من فوائدِ الشِّتَاءِ أنَّهُ يُذكِّركَ بِحجمِ النِّعمةِ التي مَنَّ الله علينا بها, من لِباسٍ كَافٍ, ومَسكَنٍ آمِنٍ ودَافِئٍ, فَفِي بُيُوتِنا بِحَمْدِ اللهِ -تَعالى- كُلَّ ما يَقِي من شِدَّة البَردِ، فلْنُحِبَّ لإخوانِنا ما نُحبُّه لأنفُسِنا، فَإخوانٌ لنا جائِعُونَ ومن البردِ يَشتَكونَ، وإلى المولى يَجأرونَ، والأموالُ عِنْدَنَا مُتَيَسِّرَةٌ, والثِّيابُ مُكَدَّسةٌ, فَأنفِقُوا على إخوانِكم واكسُوهُم وواسُوهُم وأَدفِئُوهم: (وَمَا أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)[سبأ: 39]. وَصَدَقَ المَولى: (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)[النحل:34]. وَقَدْ سَخَّرَ اللهُ لَنا جَمْعِيَّاتٍ خَيْرِيَّةٍ تَجْمَعُ الفَائِضَ مِن الِّلبَاسِ وَتَنْفِقُهُ على المُحْتَاجِينَ فجَزَاهُمُ اللهُ خَيراً.

 

أَيُّهَا الكِرَامُ: لَقدْ حَرصَتْ حُكُومَتُنَا على تَأمينِ الَّلقَاحِ ضِدَّ كُورُونَا, وَأكَّدُوا عَلى أَمَانِهِ بِإذْنِ اللهِ -تَعَالى-, بَل وَبَادَروا بِأخْذِ التَّطْعِيمَاتِ, فَلا تَلْتَفِتُوا لِكُلِّ مُتَحَدِّثٍ إنَّمَا ثِقُوا بِوَزَارَةِ الصِّحَّةِ, والهَيئَةِ العَامَّةِ لِلغِذَاءِ والدَّواء. نَسْألُ اللهَ أَنْ يَكْشِفَ الغُمَّةَ عَنَّا وَعنِ المُسْلِمِينَ,

 

الَّلهُمَّ وفِّقنا جَميعاً لِما تُحبُّ وترضى, وزيِّنا بزينة الإيمان والتقوى, واجعلنا هداة مهتدين, واغفرْ لنا ولوالدينا والمُسلمينَ أجمعينَ. اللهم وفِّق ولاةَ أمورنا لما تحبُّ وترضى وأصلح لهم البِطانةَ وأعنهم على أداء الأمانةِ.

 

اللهم وفِّق وسدِّد الآمرينَ بالمعروف والناهينَ عن المنكر وقوِّى عزائِمَهم وأهدهم سبل السلام. اللهم أصلح شبابَ المسلمين واحفظهم من كلِّ سوءٍ ومكروهٍ. اللهم احفظ نسائنا من كلِّ سوءٍ وارزقهنَّ الحشمة والحياءِ.

 

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. اللهم اجعلنا مقيمي الصلاة ومن ذرياتنا ربنا وتقبل دعاء (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[الحشر:10].

 

عباد الله: اذكروا الله العظيمَ يذكركم، واشكروه على عمومِ نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

الجمعة، 25 ديسمبر 2020

أثار الذنوب والمعاصي

  أثار الذنوب والمعاصي                          

 

الخطبة الأولى :

أما بعد :

عباد الله إن الذنوب والمعاصي تضر القلب والبدن وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي ؟ ، فالذنوب والمعاصي ما حلت في ديار إلا أهلكتها ولا في قلوب إلا أعمتها ولا في أجساد إلا عذبتها ولا في أمة إلا أذلتها ولا في نفوس إلا أفسدتها. 

فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم إلى دار الأحزان والمصائب ؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء ؟ وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال ؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى كأنهم أعجاز نخل خاوية ؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم ؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم فجعل عاليها سافلها ؟وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظل فما صار فوق رؤوسهم ؟ أمطر عليهم نارا تلظى ؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله ؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرا ؟ كل ذلك بسبب ذنوبهم وعصيانهم ربهم قال صلى الله علية وسلم : ( إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) رواه ابن حبان.

قال تعالى :( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) سورة الشورى آية (30)

قال تعالى : (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) سورة الأنفال آية (63)

 إذا كنت في نعمة فارعها      فإن الذنوب تزيل النعم

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة )

وقال بشر الحافي : لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل

ومن أثار الذنوب والمعاصي حرمان العلم فإن العلم نور يقذه الله في القلوب .

 

قال الشافعي رحمه الله :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي        فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال أعلم بأن العلم نور              ونور الله لا يعطاه عاصي  

     

ومن شؤم المعصية أنه بلغ البر والبحر قال تعالى : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) سورة الروم آية (41)

 

ومن شؤم المعاصي أنها تمنع القطر من السماء وتسلط السلطان قال صلى الله عليه وسلم : ( لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤن وجور السلطان ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ) صحيح ابن ماجه .

وقال مجاهد في قوله تعالى : (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) البقرة آية ( 159)

قال : دواب الأرض تلعنهم ، يقولون : يمنع عنا القطر بخطاياهم .

 

ومن عقوبات المعاصي أنها  تورث الذل وتفسد العقل وتورث الهم وأعظم من ذلك كله تأثيرها على القلب .

كما جاء في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : [ إن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكته سوداء ،فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه ،وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي ذكر الله في القران ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) ] رواه الترمذي.

 رأيت الذنوب تميت القلوب                    وقد يورث الذل إدمانها

  وترك الذنوب حياة القلوب                    وخير لنفسك عصيانها

وأفضل من هذا قول الله تعالى : (أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) 

 

وقال ابن عباس رضي الله عنهما ( إن للسيئة سوادا في الوجه، وظلمة في القبر، ووهنا في البدن، ونقصا ًفي الرزق، وبغضة في قلوب الخلق ).

اتقوا الله عباد الله ولا تقترفوا الذنوب ولا تتساهلوا بها قالت عائشة رضي الله عنها: (أقلوا الذنوب فإنكم لن تلقوا الله عز وجل بشيء أفضل من قلة الذنوب )

 خل الذنوب صغيرها            وكبيرها فهو التقى 

 واصنع كماش فوق أرض       الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة                 إن الجبال من الحصى

واعلموا أن الذنب دين في ذمة فاعله لابد من أدائه .

قال أبو الدر داء : البر لا يبلى و الأثم لا ينسى .

وقال الفضيل بن عياض : ما عملت ذنبا إلا وجدته في خلق زوجتي ودابتي 

ومن أضرار الذنوب أنها تثخن صاحبها عن العبادة .

قال الحسن : إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل .

وقال أبو سلمان الداراني : (لا تفوت أحد صلاة الجماعة إلا بذنب )

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ،

أقول قولي هذا ، وأستغفر الله الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

 

الخطبة الثانية :

أما بعد: عباد الله فكما أن الذنوب والمعاصي تمحق بركة العمر والرزق والعلم فكذلك التقوى والاستقامة تجلب البركة والخير على البلاد والعباد.

قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)سورة الأعراف 

وقال تعالى : (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا) سورة الجن آية (16).

قال الحسن: لو استقاموا على طاعة الله وما أمروا به لكثر الله لهم الأموال حتى يغتنوا بها.

قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبد يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الطهور ثم يقوم ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر الله له )صحيح الجامع.

ومن مكفرات الذنوب كثرة الخطى إلى المساجد فقد قال صلى الله عليه وسلم: ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ) ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ( إسباغ الوضوء على المكارة وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط )صحيح ابن حبان.

 قال صلى الله عليه وسلم: (من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر )رواه البخاري. 

ومن مكفرات الذنوب إتباع السيئة الحسنة قال تعالى: ( إن الحسنات يذهبن السيئات ). وقال صلى الله عليه وسلم: ( وأتبع السيئة الحسنة تمحوها ) رواه البيهقي.

فيجب علينا معاشر المسلمين الإكثار من الأعمال الصالحة والمداومة عليها كي نزيد رصيدنا من الأعمال الصالحة وتنغمس ذنوبنا في بحر حسناتنا

تبقى مسألتان : 

الاولى : أنه قد تنزل المصيبة والابتلاء بالعبد وهو مؤمن قائم بأمر الله عزوجل ، فهي لتكفير السيئات ورفع الدرجات 

كما حصل مع الانبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وكما حصل مع اولياء الله الصالحين 

الثانية : أنك قد ترى الكافر والفاجر على كفرهم وفجورهم ينعمون في الحياة الدنيا وتوسع لهم الارزاق والاموال والمراكب الفارهة

وفي كل يوم فجور ومعاصي وكفر وانحلال ، فأعلم أنه ليزدادوا إثما فوق اثمهم وخطايا فوق خطاياهم وأوزاراُ فوق اوزارهم

كما قال تعالى : (وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓاْ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) 

وفي قوله عزوجل  :  ( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ 

مثلا ً: لو كان معه الف ريال فعصى الله الف معصية ، فأعطاه الله 10الالاف ريال ، فتجده يعصي الله 10 الالاف معصية ، هل ما اعطاه الله من المال نقمة أم نعمة  ؟ لاشك أنه نقمة من حيث لا يشعر

لو عاش سنة فعصى الله الف معصية ومد الله له في عمره عشر سنوات فعصى الله عشرة الاف معصية ، العمر هنا أصبح مصيبة عليه ونقمة لا نعمه .. وفيه عبرة للمعتبرين