إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 ديسمبر 2020

الإخلاص لله في العمل

 ( الاخلاص لله في العمل ) 

فاتّقوا الله -عباد الله- حقّ التقوى؛ فالعزّ في طاعة المولى، والذلّ في اتّباع الهوى.

أيّها المسلمون: القلوب لا تطمئنّ إلا بالله، وغِنى العبد بطاعةِ ربّه والإقبال عليه، ودينُ الحقّ هو تحقيقُ العبوديّة لله، وكثيرًا ما يخالط النفوسَ من الشهوات الخفيّة ما يفسِد تحقيقَ عبوديّتها لله، وإخلاصُ الأعمال لله أصل الدين، ولذلك أمر الله رسولَه بالإخلاص في قوله: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينِ) [الزمر: 2]، وأمِر النبيّ –صلى الله عليه وسلم- أن يبيِّن أنّ عبادتَه قائمة على الإخلاص فقال له: (قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينَ) [الزمر:11].

وبذلك أمِرت جميع الأمَم؛ قال -جلّ وعلا-: (وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ) [البينة:5].

وأحقّ النّاسِ بشفاعةِ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- يومَ القيامة من كان أخلصَهم لله؛ قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: مَن أسعد النّاس بشفاعتك يا رسول الله؟! قال: "مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه". رواه البخاري.

والإخلاص مانعٌ -بإذن الله- من تسلّط الشيطان على العبد، قال سبحانه عن إبليسفالمخلص محفوظ باخلاصه لانه أراد وجه الله 

به رِفعة الدرجات وطَرق أبوابِ الخيرات، يقول المصطفى –صلى الله عليه وسلم-: "إنك لن تُخلَّف فتعملَ عملاً تبتغي به وجهَ الله إلا ازدَدتَ به درجةً ورفعة". متفق عليه.

وإذا قوِي الإخلاص لله علَت منزلة العبدِ عند ربّه، يقول بكر المزني: "ما سبقَنا أبو بكر الصدّيق بكثير صلاةٍ ولا صيام، ولكنّه الإيمان وقَر في قلبه والنّصحُ لخلقه.

وهو سببٌ لتفريج الكروبِ وإجابة الدعوات ..المخلصُ لربّه مجابُ الدعوة؛ 

بتجريدِ الإخلاصِ تزول أحقادُ القلوب وضغائن الصدور، يقول النبيّ –صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثٌ لا يغلّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمر، ولزوم جماعةِ المسلمين". رواه أحمد.

في الإخلاصِ طمأنينة القلب، وشعورٌ بالسّعادة، وراحَةٌ من ذلّ الخلق، يقول الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "مَن عرف الناس استراح". أي إنهم لا ينفعونه ولا يضرّونه.

وكلّ عملٍ لم يقصَد به وجه الله طاقة مهدَرَة، وسراب يضمحِلّ، وصاحبه لا للدنيا جمَع ولا للآخرة ارتفَع، يقول النبيّ –صلى الله عليه وسلم-: "إنّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغِي به وجهه". رواه النسائي.

وإخلاص العملِ لله وخلوصُ النية له وصوابه أصلٌ في قبول الطاعات، يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لا ينفع قولٌ وعمل إلا بنيّة، ولا ينفع قولٌ وعملٌ ونيّة إلا بما وافق السنة".

والإخلاصُ أن تكونَ نيّتك لله لا تريد غيرَ الله، لا سمعةً ولا رياءً ولا رِفعة عند أحدٍ ولا تزلّفًا، ولا تترقّب من الناس مدحًا، ولا تخشى منهم قَدحًا،

والله سبحانه غنيّ حميد، لا يرضى أن يشرِك العبد معه غيرَه، فإن أبى العبد إلا ذلك ردّ الله عليه عملَه، قال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث القدسي: "قال الله -عزّ وجلّ-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركتُه وشركَه". رواه مسلم.

أيّها المسلمون: العمل الصّالح -وإن كان كثيرًا مَع فسادِ النيّة- يورِد صاحبَه المهالك، فقد أخبر الله -عزّ وجلّ- عن المنافقين أنهم يصلّون وينفقون ويقاتِلون، وأخبر النبيّ –صلى الله عليه وسلم- عنهم أنهم يتلون كتابَ الله في قوله: "ومثل المنافقِ الذي يقرأ القرآن كالرّيحانة؛ ريحها طيّب وطعمُها مرّ". متفق عليه. 

ولفَقدِ صدقِهم في إخلاصهم قال الله عنهم: (إِنَّ الْمُنَـافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء:145]، و"أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة قارئ القرآن والمجاهدُ والمتصدّق بماله"، الذين لم تكن أعمالهم خالصةً لله، وإنما فعلوا ذلك ليقال: فلانٌ قارئ، وفلان شجاع، وفلانٌ متصدِّق. رواه مسلم.

والعملُ -وإن كان يسيرًا- يتضاعف بحُسن النيّة والصدقِ والإخلاص، ويكون سببًا في دخول الجنات، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "مرّ رجل بغُصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله، لأنحِّينَّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخِل الجنة". رواه مسلم. "وامرأة بغيّ رأت كلبًا يطيف بركيّة كادَ يقتله العطش، فسقته بموقها ماءً فغفر الله لها". متفق عليه.

يقول عبد الله بن المبارك: "رُبّ عملٍ صغيرٍ تعظّمه النية، وربّ عملٍ كبيرٍ تصغّره النية". قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله: (واللَّهُ يُضَـاعِفُ لِمَن يَشَاء) [البقرة:261]: "أي: بحسب إخلاصه في عمله".

والواجبُ على العبدِ كثرة الصالحات مع إخلاصِ النيات، فكن سبّاقًا لكلّ عملٍ صالح، ولا تحقرنَّ أيَّ عملٍ تخلِص نيتَك فيه، فلا تعلم أيَّ عملٍ يكون سببًا لدخولك الجنات، ولا تستخفَّنَّ بأيّ معصية؛ فقد تكون سببًا في دخولك النار، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "دخلتِ امرأة النارَ في هرّةٍ حبستها، لا هيَ أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاشِ الأرض". متفق عليه.

والله -جلّ وعلا- متّصِف بالحمد والكرم، وإذا أحسنَ العبد القصدَ ولم تتهيّأ له أسباب العمل فإنّه يؤجَر على تلك النية، وإن لم يعمل، كرَمًا من الله وفضلاً، يقول -عليه الصلاة والسلام-: "مَن سأل الله الشهادةَ بصدقٍ بلّغه الله منازلَ الشهداء، وإن مات على فراشه". رواه مسلم..

والمسلم يجعل نيّتَه صادقةً في كلّ خير، يقول عمر -رضي الله عنه-: "أفضلُ الأعمال صدقُ النيّة فيما عند الله، فإن صدَّق العمل النيةَ فذاك، وإن حِيل بين العمل والنية فلك ما نويتَ، ومن سرّه أن يكمُل له عملُه فليحسِن النية، فإنّ الله يأجر العبدَ إذا حسُنت نيته حتى بإطعامِ زوجته".

الخطبة الثانية : 

أيّها المسلمون: إذا قوِي الإخلاصُ وعظُمت النيّة وأخفِي العمل الصالح مما يشرَع فيه الإخفاء قرُب العبد من ربّه وأظلّه تحتَ ظلّ عرشه، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم-: "سبعةٌ يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه -وذكر منها-: رجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شماله ما تنفِق يمينه". رواه مسلم.

وكلّما أخفِي العمل كان أقربَ إلى الإخلاص، قال -جلّ وعلا-: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَـاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) [البقرة:271]. يقول بِشر بن الحارث: "لا تعمَل لتُذكَر، اكتُم الحسنةَ كما تكتم السيئة".

وفُضِّلت نافِلة الليل على نافلة النّهار، واستغفارُ السّحر على غيره؛ لأنّ ذلك أبلغ في الإسرار وأقربُ إلى الإخلاص.

وإذا أخلصتَ في العمل ثمّ أثنى عليك الخلقُ وأنت غيرُ متطلِّع إلى مدحِهم فليس هذا من الرياء، إنما الرياءُ أن تزيّن عملَك من أجلهم، سُئل النبيّ صلى الله عليه وسلم- عن الرّجل يعمَل العمل من الخير يحمدُه الناس عليه، فقال: "تِلك عاجِل بشرى المؤمِن". رواه مسلم.

ومن كان يعمل صالحًا، ثمّ اطّلع الخلق على عملِه، فأحجم عن الاستمرار في تلك الطاعة ظنًّا منه أنّ فعلَه بحضرتهم رياءٌ، فذلك من حبائل الشيطان، فامضِ على فعلِك، يقول الفضيل بن عياض: "تركُ العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شِرك، والإخلاص أن يعافيَك الله منهما".

وبعضُ النّاس يظنّ أنّ الإخلاصَ مقصور على الصّلاة والصّدقة والحجّ دون غيرها من الأوامر، ومِن رحمة الله ورأفته بعبادِه أنّ الإخلاص يُستصحَب في جميع العبادات والمعاملات، ليُثابَ العبد على جميع حركاتِه وسكناته، فزيارة الجارِ وصلةُ الرحم وبرّ الوالدين هي مع الإخلاص عبادَة، وفي جانب المعاملات من الصّدق في البيع والشراء وحسنِ عشرة الزوجَة والاحتساب في إحسان تربية الأبناء، كلّ ذلك مع الإخلاص يُجازَى عليه بالإحسان، يقول النبيّ –صلى الله عليه وسلم-: "ولستَ تنفِق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أجِرت عليها، حتى اللقمة تضعُها في في امرأتِك". متفق عليه.

أيّها المسلمون: الإخلاص عزيز، والنّاس يتفاضلون فيه تفاضلاً كبيرًا، ولتحصينه من آفةِ الرّياء والعُجب بالعمل الجأ إلى الله دومًا بالدّعاء أن تكونَ من عباده المخلَصين، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلّبها كيف يشاء، وكان أكثر دعاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "اللهمّ اجعل عملي كلَّه صالحًا، واجعله لوجهِك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا".

وأكثِر مِن مطالعة أخبار أهلِ الصدق والإخلاص، واقرَأ سيَر الصالحين الأسلاف، واحتَقِر كلّ عملٍ صالح تقدّمه، وكن خائفًا مِن عدم قبوله أو حبوطِه، فليس الشأن الإتيانَ بالطاعات فحسب، إنما الشأن في حفظها ممّا يبطِلها.

ومِن حفظِ العمل عدمُ العجب وعدم الفخر به، فازهَد في المدح والثناءِ، فليس أحدٌ ينفَع مدحُه ويضرُّ ذمّه إلا الله، والموفَّق من لا يتأثّر بثناء الناس، وإذا سمِع ثناءً لم يزِده ذلك إلا تواضعًا وخشية من الله، وأيقِن أنّ مدحَ الناس لك فتنة، فادعُ ربَّك أن ينجّيَك من تلك الفتنة، واستشعِر عظمةَ الله وضعفَ المخلوقين وعجزَهم وفقرهم، واستصحِب دومًا أنّ الناس لا يملِكون جنّة ولا نارًا ، وأنزِل الناسَ منزلة أصحابِ القبور في عدمِ جلبِ النفع لك ودفع الضرّ عنك، والنفوسُ تصلح بتذكّر مصيرها، ومن أيقنَ أنّه يوسَّد في اللّحد فريدًا أدرَك أنّه لن ينفعَه سوى إخلاصِه مع ربّه، وكان من دعاء السّلف: "اللهمّ إنّا نسألك العملَ الصالح وحفظَه".

المرائي مضطربُ القلب، مزَعزَع الفكر، لا يُخلِص في عبوديّته ومعاملته، يعمَل لحظّ نفسه تارةً، ولطلب الدنيا تارةً، ولطلب الرفعة والمنزلةِ عند الخلق تارة. المرائي يفضحه الله ويهتِك سترَه ويظهر خباياه، ضاعت آماله وخابَ سعيه، وعومِل بنقيض قصده، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "من يُسمّع يسمِّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به". رواه مسلم.

1

 

المخدرات

 

خطبة ( المخدرات )

 

 
الحمد لله الذي أحل الطيبات ، وحرم الخبائث ، القائل في محكم كتابه العزيز { يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } ، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة ، والنعمة المسداة ، محمد بن عبد الله ، الذي ما من خير إلا دعا أمته إليه ، وما من شر إلا حذرها منه ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ..).
رجل كبير، قارب الخمسين سنة، أدمن المخدرات وفصل من عمله بسبب الإدمان، تحطمت حياته، ومرضت نفسه، ووقع الطلاق بينه وبين زوجته، مع وجود سبعة من الأبناء والبنات .. وفي لحظة شيطانية، يدخل الرجل على مطلقته وبناته، وهو في حالة هيجان، فيقتل الزوجة بالمسدس، ثم يلحق بها بناتِها، بل بناتِه هو الثلاث، الواحدة تلو الأخرى، الأولى في الثالثة عشرة من عمرها، والثانية في الخامسة عشرة، والثالثة في الثامنة عشرة، وتصاب الرابعة ذات الأربع والعشرين بشظايا من العيار الناري في صدرها لترقد في العناية المركزة.
وقعت الفاجعة، وفجع الجيران بما وقع للاسرة المنكوبة، لاسيما وقد شهدوا بصلاح هذه الأسرة وحسن أخلاق أبنائها وبناتها .

وقد تم نشر هذه الحادثه عبر الصحافة في هذه البلاد ... وما خفي من جرائم المخدرات أعظم واكبر ولا حول ولا قوة الا بالله ..

.عباد الله .. كفى بهذه الحادثة واعظاً للنفوس، كفى بهذه الفاجعة شاهداً على قبح المسكرات والمخدرات، وأنها تقتل كل المعاني الجميلة في حياتنا .
المسكرات أوالمخدرات .. كلمة قليلة الحروف ، قاتلة المعاني .. وسلاح خطير، بيد فاقدي الضمير .. تفتك بالعقول والأجساد والأموال، وتدمر الأسر و المجتمعات .
وإذا كانت النصوص من الكتاب والسنة قد تظافرت على تحريم الخمر استعمالاً وبيعاً وشراءً وغير ذلك، فقد أجمع العلماء على إلحاق المخدرات بالخمر في التحريم .
قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون).
وإذا كان العاقل يدرك تماماً أضرار هذه الآفة، فلا بأس أن نذكر ببعضها:
فمنها: الأضرار الدينية: فهي تصد عن ذكر الله وعبادته، وتضعف الإيمان، وتقتل الحياء من الله، وصاحبها ملعون مطرود عن رحمة الله . 
هذا في الدنيا، أما في الآخرة فإن متعاطيها متوعد بالعقوبات الشديدة .
روى مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسكر حرام ، إن على الله عز وجل عهداً لِمن يشرب المسكر أن يَسقيه من طينة الخبال . قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال : عرق أهل النار أو عصارة أهل النار".

ومنها: الأضرار الصحية، الخطيرة على أجهزة الجسم المختلفة كالجهاز العصبي والدوري والهضمي والتناسلي والجلد والعظام و الأسنان 

ومنها: الأضرار الاجتماعية من انهيار الأسرة ، وانحراف أفرادها، وكثرة حالات الطلاق، وقوع العداوة والبغضاء، وانطفاء نار الغيرة على العرض في قلب المدمن : بل إنه قد يلجأ والعياذ بالله إلى المتاجرة بعرضه للحصول على المخدر.
ومنها: الأضرار الأمنية من وقوع الجرائم و انتشارها ، ووقوع الحوادث المرورية .
ومنها: الأضرار الاقتصادية سواء على دخل المتعاطي وحالة أسرته المادية ، أو على اقتصاد الدول في مكافحة المخدرات ، ومستشفيات الإدمان، و السجون.

عباد الله .. وإذا كانت هذه أضرار المخدرات فإننا نتساءل، كيف يجرؤ العاقل أن يتعاطى هذه السموم؟ وما أسباب هذه الظاهرة؟ :
- من أهم الأسباب: ضعف الإيمان : ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة المتفق عليه:(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) .
إن أقواماً ضَعُف إيمانُهم .. ونَسُوا ربَّهم .. وهجروا مساجدَهم ، هم أقربُ الناس إلى طريق المخدرات .
- ومن الأسباب المهمة : ضعف التربية الأسرية : بإهمال الوالدين تربيةَ أولادهم . أو القسوة والكبت والحرمان، أو التفرقةِ وعدمِ العدل بين الأولاد .
وقل مثل ذلك في الدلالُ المفرط، وضعفُ جانب المنع والوقاية في الأسرة.
ومن مظاهر ضعف التربية : القدوة السيئة .. وذلك بأن يقع أحدُ الوالدين في تعاطي المخدرات .
أحد المدمنين في مستشفى الأمل ..يقول عن سبب إدمانه : دخلت يوماً على والدي وهو يستخدم الهيروين .. طلبت منه أن يعطيَني مما معه .. فأعطاني وقال: اذهب واستخدمه في الغرفة الأخرى.
من مظاهر ضعف التربية: التفكك الأسري وكثرة الخلافات بين الزوجين، وقل مثل ذلك في طول غياب الوالدين عن المنزل، فالوالد مشغول بعمله أوتجارته أو جلساته وسهراته.. والوالدة مشغولة بعملها أو زياراتها لصديقاتها .
احد نزلاء دار الملاحظة شاب عمره سبعة عشر عاماً، كان يقول: بعد طلاق أمي من أبي عشت أنا وإخواني مع أبي .. وكان يغيب عنا طويلاً .. فانحرف سلوكي، وتركت المدرسة ، ثم وقعت في المخدرات .
- ومن الأسباب: رفقة السوء .. مفاتيح الشرور .. وأعوان الشياطين .. الذين ربما يلتقي بهم الشاب في المدرسة أو الحي، أو النوادي و الحدائق والأماكن العامة .
قبض على أحد الشباب في قضية استعمال مخدرات .. وسئل عن سبب تعاطيه المخدرات . فقال : إن السبب هو أحد رفاقي المنحرفين في الحارة، عندما ركبت معه السيارة ناولنيَ الحبة، فقلت له : إن المخدرات ضارة . فرد علي وقال : لا تخف، أنـا أتعاطى الحبوب منذ سنوات ولم يصبني شيء .. يقول : فأكلت الحبة وأتبعتها بأخرى حتى وقعت في الإدمان .
- ومن الأسباب: وسائل الإعلام، ولا سيما ما يعرض في بعض القنوات الفاسدة من مشاهد شرب الخمور وتعاطي المخدرات، مما يغري الشباب بل والفتيات بشربها .. وفي بحث أجري على بعض المدمنات في مستشفى الأمل بالرياض، ذكرت غير واحدة منهن أنها كانت تتأثر عندما تشاهد الرجال والنساء في الأفلام الأمريكية والغربية يشربون الخمر في جلسات وسهرات مغرية، مما دفعها للتجربة .
- ومن الأسباب : السفر إلى الخارج ، ففي دراسة على متعاطي المخدرات في السعودية والبحرين والكويت تبين أن52% من متعاطي المخدرات في هذه البلاد سبق لهم السفر إلى الخارج، إنهم يسافرون عبر بوابات المطار .. ويعودون عبر بوابات الوهم والإدمان .
نسأل الله تعالى أن يقينا وأسرنا من هذا البلاء الخطير، والشر المستطير، إنه على كل شيء قدير .

الخطبة الثانية
عباد الله .. ويبقى السؤال الهام، ما هو العلاج ؟
هل يكفي وجود مستشفى الأمل لعلاج المدمنين وتنتهي القضية؟
الجواب ، لا ، المستشفى لا يكفي لأمرين .
أولاً ) أن المستشفى إمكانياته محدودة، رغم الجهود المشكورة التي يبذلها العاملون في المستشفى،...
ثانياً) أن بناء المستشفيات ، لا يمثل سوى 25% من حل المشكلة كما يشير إليه كبار الباحثين وأطباء علاج الإدمان في العالم، ويبقى ثلاثة أرباع الحل بيد المريض، والأسرة، والمدرسة والمسجد والجهات الأمنية والمجتمع كله.
ولعلي أذكر بإيجاز بعض النقاط في الوقاية والعلاج .
1) لا بد من الاهتمام بالعلاج الإيماني : فإن الإيمان هو الحل لكثير من مشاكل الشباب والأمة .
الإيمان الذي جعل الصحابة مدمني الخمر في الجاهلية يريقونها حتى جرت بها شوارع المدينة .. وهم يقولون انتهينا انتهينا .
2) رسالة إلى الآباء والمربين بضرورة الاهتمام بالتربية وإصلاح النشء،وكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته.
وكم والله أحزن وأتألم، عندما يشكو لي بعض الشباب انحراف آباءهم،!! .
فإلى هؤلاء الشباب أقول: إن فساد الأب أو المربي لا يبرر فساد المتربي ، فاصبر لربك، واثبت على دينك .
3) الرفقة الرفقة.. تذكروا .. أن طبقة الأقران .. أهم مصادر التلقي والاقتداء عند الإنسان . فقل لي من تصاحب .. أقل لك من أنت .. وأصدق من هذا قوله عليه الصلاة والسلام " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " أخرجه الترمذي و حسنه الألباني .
4) ومن العلاج كذلك: احتواء أوقات الشباب .. وملئها بالنشاطات المفيدة والنافعة، والاستفادة من حلقات تحفيظ القرآن .. والمراكز الصيفية .. والمخيمات الشبابية وغيرها . 
وفي الختام، هذه سبع خطوات سريعة لعلها تكون طوق نجاة لمن وقع فعلاً في الإدمان:
1. لا بد من معرفة السبب والدافع لتعاطي المخدرات ، وعلاج هذا السبب: من مشاكل نفسية، أوعائلية، أو رفقة سيئة، أو فراغ، ... الخ .
2. يمكن الاستعانة بمستشفى الأمل، سواء بالتنويم في المستشفى ، أو عن طريق العيادات الخارجية .
3. يحتاج المدمن إلى جرعة إيمانية قوية ، وإنعاش للقلب، وملازمة أهل الخير ومجالسهم .
4. توكل على الله واستعن بالله، وأكثر من الدعاء والالتجاء إلى الله .
5. استعن بعائلتك وأصدقائك، واطلب منهم الدعم والتشجيع .
6. إذا فشلت في الإقلاع فلا تيأس، البعض ينجح بعد المحاولة الرابعة أو ربما أقل أو أكثر .
7. الصبر، ضع في حسابك أنك ربما ستتعرض لأعراض انسحابية بسبب فقد الجسم للمادة، فعليك بالصبر، وكلها أيام ويتعود جسمك بإذن الله .
8. ليس بالضرورة أن يكون العلاج برضى المريض ، بل يمكن أن يجبر عليه لمصلحته، وهذا الأمر فيه نظام علاجي سري مطبق الآن، يمكن أن تستفيد منه الأسر بالتنسيق مع إدارات مكافحة المخدرات.
9. وأخيراً ، أقول لكل مدمن بادر قبل فوات الأوان، هل تنتظر يا أخي أن ينزل بك ملك الموت وأنت سكران، أو تفارق الدنيا وبيدك سجارةالحشيش فتلقى الله بها .. هل تنتظر وأنت تبيع عقلك أن تنسلخ من إيمانك، أو تقتل نفسك أو أحبابك .
هل تأملت الحادثة التي ذكرتها في أول الخطبة، رجل يقتل بناته الثلاث وأمهم في لحظة واحدة، بأي ذنب قتلوا؟ .. ماذا لو كنت أنت القاتل؟ إنها خطوات أولها حبة أو شربة أو سجارة ، وآخرها مآسي وفواجع في الدنيا والآخرة .. كيف لا تحركك هذه الحادثة وتفجر في قلبك بركاناً من الغضب والبغض، للمسكرات والمخدرات، ولكل من يتعاطاها ويروجها، فتبادر للتوبة منها .
ألا فلنتق الله جميعاً ، ولنبادر بالتوبة، وليقدم كل منا ما بوسعه أمام هذا الخطر العظيم الذي يهدد بيوتنا وأسرنا، نسأل الله السلامة والعافية .
اللهم صل على محمد ...