إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 10 يوليو 2020

الصيف

بسم الله الرحمن الرحيم
الجمعة 19/11/1441ه
الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ، عاقَبَ بين الليالي والأيام، ونَوَّعَ بين الشُّهورِ والفُصولِ والأعوام، أحمدُه -تبارك وتعالى- على نعمائِه، وأشكرُه على مَنِّه وفضلِه وعطائِه, وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ وسلَّم عليه وعلى آله وصحبِه أجمعينَ.
أما بعد: فاتقوا اللهَ تعالى، فمَن اتقى اللهَ وَقاه، وأرشدَهُ إلى خيرِ أمورِ دينهِ ودُنياهُ.
أيها المؤمنون: إِنَّ فصلَ الصَّيفِ الذي يشتدُّ فيه الحرُّ من آياتِ اللهِ البالغةِ، وله في كلِّ شيءٍ حكمةٌ وإنْ خَفِيتْ عنا.
ولكلِّ فصلٍ من فصولِ السَّنةِ أثرٌ على الأرضِوالإنسانِ والحيَوانِ والنَّباتِ, ولو استمرتْ الحياةُ شتاءً بارداً أو صيفاً حارًّا, لتعطلَّتْ معايشُالناسِ, وهلَكَ الحَرْثُ والنَّسْلُ.
عباد الله: والمؤمنُ الذي تعلَّقَ قلبُه باللهِ هو الذي إذا لَفَحَهُ حرُّ الدنيا تذكَّرَ الآخرةَ, وشتَّانَما بين حَرٍّ الدنيا وحَرٍّ الآخرةِ.
جاءَ في الصحيحينِ مِن حديثِ أبي هريرةَ t عن النبيِّ e أنه قالَ: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُو أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ».
وقد وردَ وَصْفُ الحرِّ في الآخرةِ في مشهدَيْنِ:
المشهدُ الأولُ: يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمينَ, وتَدْنُو الشمسُ مِن الخَلْقِ حتى تكون منهم كمقدارِ مِيلٍ, ويذهبُ العرقُ بالناسِ!
ولا عجب! فشمسُ اليومِ على بُعْدِها الشديدِ لا يقدِرُ أحدُنا على المكثِ تحتها من حرارتِها, فكيفَ إذا أُدْنِيَتْ!
ويكونُ الناسُ على قَدْرِ أعمالِهم فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ -أي نِصْفَ جَسَدِهِ-، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا!
وفي ذاتِ الوقتِ أناسٌ مُسْتَظلِّونَ بظلِّ العرشِآمنينَ من الحرِّ, وهم الأصنافُ السبعةُ الذين يُظِلُّهمُ اللهُ في ظِلِّه، يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ، جعلنا اللهُوإياكم منهم.
وأما المشهدُ الثاني: ففي نارِ السَّمُومِ, حين يكونُ أهلُ النارِ فيها, فلباسُهُمْ مِن قَطِرَانٍ, وشرابُهم الحميمُ الذي يُقَطِّعُ الأمعاءَ مِن حرارتِه, وأما ظِلُّهم فَمِنْ يَحْمُومٍ -وهو الدُّخَانُ-, هذا ظِلُّهم فكيفَ بِحَرِّهم! عياذاً باللهِ من حالِهم!
أيها المؤمنون: لئن كنا اليومَ إذا اشتدَّ بنا الحرُّ نجدُ ما نتَّقِي به, فكيف سنتَّقِي حرَّالآخرةِ, وسَمُومَ النارِ؟
أمَا إنَّ للصدقةِ شأنٌ في الوقايةِ مِن حرِّالنارِ, وإنه لَبابُ خيرٍ يُغفَل عنه, فصدقةُ ماءٍ باردٍ, ومكيِّفٍ لأسرةٍ متعفِّفةٍ، وخيرُ الصدقةِ ما وافقَ حاجةً.
وللصومِ شأنٌ في الوقايةِ مِن حرِّ النارِففي صحيحِ مسلمٍ أنَّ النبيَّ e قالَ: «مَنْ صَامَ يَوْما ًفِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِسَبْعِينَ خَرِيفاً».
الخطبة الثانية
عباد الله: معَ شِدَّةِ الحرِّ يقعُ بعضُ الناسِ في محذورَيْنِ:
المحذورُ الأولُ: ذمُّ الحرِّ وسَبُّ الأجواءِ, وهذا إن كانَ على سبيلِ التسخُّطِ فهو مِن سِبِّ الدَّهْرِالمنهيِّ عنه.
المحذورُ الثاني: التكاسلُ عن الطاعاتِ وحضورِ الجماعاتِ؛ بحجَّة الحرِّ, وذلكَ حرمانٌ عظيمٌ؛ فقد غزى النبيُّ e غزوةَ تبوكٍ في حرٍّ شديدٍ, واستقبلَ سَفَراً بعيداً ومَفَازاً، واستقبلَ عَدُوًّا كثيراً، فهبَّ المؤمنونَ, وتقاعسَ المنافقونَ, وقالَ بعضُهم لبعضٍ: لا تَنْفِرُوا في الحرِّ!فأنزلَ اللهُ تعالى على نبيهِ: (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّحَرًّا).
وبعدُ أيها المؤمنونَ: الموفَّقُ من جعلَ مِن تعاقُبِ الأيامِ واعظاً لنفسِه ومذكِّراً لها، واجتهدَ في طاعةِ ربِّه، وقدَّمَ ما يُنْجِيه من النارِ, وسعى ليكونَ ممن يستظلُّونَ يومَ الحرِّ الشديدِ بظلِّالعرشِ العظيمِ.
تَعَوَّذُوا باللهِ مِن النَّارِ، تَعَوَّذُوا باللهِ مِن النَّارِ، وأعِدُّوا لذلكَ اليومِ الرَّهيبِ عُدَّتَهُ (وإنْ منكم إلاَّ واردُها كان على ربِّك حَتمًا مَقضيًّا * ثم نُنَجِّي الذين اتَّقَوا ونَذَرُ الظالمين فيها جثيًّا).
1

الخميس، 2 يوليو 2020

ولا تيأسوا من روح الله

ولا تيأسوا من روح الله                 
الخطبة الأولى: 
أيُّها المؤمنون:
حين تطول مدة الوباء، ويمتد زمن البلاء يزداد في بعض النفوس القلق، وتكثر الشكاية، ويضعف التوكل، وتقل السكينة، ولربما في هذه الأجواء يملي الشيطان ويوسوس، فيدب للبعض داء اليأس، ذلكم الداء الذي يبعث على الحزن والأسى، ويورث القلق والهمّ والغمّ، 

اليأس الذي يسَـدّ أبواب التفاؤل والأمل، ويغيب معه الرجاء، وانتظار الفرج، 

اليأس الذي يقعد عن الحركة والعمل،ويفوّت مصالحَ الدين والدنيا، 

اليأس تلك البلية الكبرى، التي تبتلى بها بعض النفوس البشرية، حين ترد عليها المكاره والمصائب والشرور، كما أخبرنا بذلك ربنا في قوله:﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرّ كانَ يَؤُوسا﴾.

أيها الإخوة المؤمنون:
اليأس سيئة من مساوئ الأخلاق، ذمّه الله تعالى ونهى عنه، على لسان نبيه يعقوب حين قال لبنيه: ‏{ولَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّه}،أي لا تفقدوا أملكم في رحمة الله، وفرجه وتنفيسه، فإنه هو الذي يفرج عنكم الغمّ الذي أنتم فيه، 

{ولَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّه}،قول كريم، من رب كريم، ووعد عظيم يبعث على انشراح الصدور، وقوة العزائم، وانتظار الفرج والأمل، 

{ولَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّه}،فالله لا يزال موجوداً، ولا يزال له رحمة، بل رَحمته وَسِعَتْ كل شيء، وعمّت كل حي، وفضلُ الله عظيم، وكرَمُه جزيل، وعَطاؤه عَميم، ولا كرب علينا وهو ربنا وحسبنا ونعم الوكيل، ولئن عجزت الأسباب عن تفريج الكربة ودفع ما نزل من وباء فإن مسبب الأسباب ومعطيها لا يعجز، وهو يعطي ويفرج ويرزق من حيث لا يحتسب العباد.
ربي معي فمن الذي أخشى إذاً       ما دام ربي يحسن التدبيرا
وهو الذي قد قال في قرآنه          وكفى بربك هادياً ونصيراً

‏{ولَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّه}،بل افزعوا إليه وانتظروا فرجه، فروح الله يستجلب بالتضرع إليه، وحسن الظن به، فهو اللطيف الكريم المنان، وقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى صلاته ومولاه، 

وقد قيل: إذا سجدت فأطل السجود، فإن البلاء لا يستقر على ظهر ساجد.
‏{ولَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّه}،مهما طال زمن الوباء،فالله هو الذي يستجيب الدعاء، ويكشف السوء والضراء.
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.

الخطبة الثانية: 
أيها الإخوة المؤمنون: حذار حذار من اليأس من روح الله، فإن ذلك كبيرة عظيمة، وصفة ذميمة، بل هي صفة الكافرين، كما قال سبحانه: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}، فالكافر جاهل بالله، مكذب بصفاته، الكافر يعتقد أن الله لا يعلم، وأن الله لا يرحم، وأن الله لا يقدر على تفريج الكربات، الكافر يقف عند الأسباب، وينكر مسبب الأسباب، أما المؤمن فيعتقد أن الله إذا شاء تفريج كربة هيأ لها أسبابها، فهو يأخذ بالسبب، ويعتمد على الله في تيسيره.

ولرُبّ نازلة يَضيق بها الفتى ذرْعا ...وعند الله منها المَخرَجُ 
ضاقتْ فلما استحكمَتْ حلقاتها... فُرِجَتْ وكان يظنها لا تفرَجُ
نعم أيها الإخوة:سبب اليأس الجهل بالله تعالى، وعدم معرفة صفاته وكماله، وإلا كيف ييأس مؤمن، عارف بالله،عالم بواسع رحمته، وكرَم عطائه وإحسانه،وعظيم حِلمه ولطفه بعباده، كيف ييأس مؤمن يُحسن الظن بربه، وهو يقول كما في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي".
وقد يكون سبب اليأس الإفراط في الخوف، الخوف من المرض، أو الخوف من الموت، 
وقد ذكر بعض السلف علاجاً سهلاً لمن يخاف من الموت، حين قال: "كل شيء تكره الموت من أجله فاتركه، لا يضرك بعد ذلك متى تموت"، نعم قد يكون سبب اليأس التعلق الشديد بالدنيا، فهو يحزن على ما فاته منها، ويتأسف،كما قال الله تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَسَّهُ الشَّرّ فَيَئُوسٌ قنُوطٌ﴾.
وقد يكون سبب اليأس كثرة متابعة الأخبار السيئة والمحزنة، وكثرة مصاحبة اليائسين والاستماع إليهم، مما يبعث على الأسى والحزن، والخوف والوسوسة في كل شيء، ألم يقرأ هؤلاء قول ربهم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد