إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 19 أكتوبر 2017

الغيرة على المحارم والأعراض

الغيرة على المحارم والأعراض

الخطبة الأولى
أما بعد فياعباد الله : في منتصف شهر شوال من الثانية للهجرة ، وبينما امرأة مسلمة ، تبيع جلباً لها بسوق بني قينقاع ( إحدى قبائل اليهود ) إذ ثارت ثائرة الحقد والضغينة في نفوس شرذمة من اليهود بالسوق ، فلما جلست إلى صائغ بالسوق جعل اليهود يراودونها على كشف وجهها ، فأبت الحرة وامتنعت ، فعمد أشقى أولئك القوم إلى طرف ثوبها ، فعقده إلى ظهرها ، وهي لم تشعر فلما قامت انكشفت سوأتها ، فضحكوا منها ، فصاحت بالمسلمين ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه ، فتطاير الخبر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فهب بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فحاصروا أهل الغدر والخيانة ، حتى نزلوا على حكم المسلمين ، فأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام وهلك أكثرهم فيها .

عباد الله : لقد انتصر محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه لتلك المرأة من اجل خلق عظيم ، وخصلة كريمة ،خصلة وصفة زالت وللأسف حقيقتها من بعض النفوس ، وتنكرت لها قلوبهم ، فلم يعدلها أثر بالكلية ، وإن وجد لها أثر عند البعض فهو أثر ضعيف لا قيمة له ، ولا يجاوز الفؤاد .

أيها المسلمون : تلكم الصفة هي خلق الغيرة على المحارم .

الغيرة صيانة للأعراض ، وحفظ للمحرمات . 

الغيرة خصلة عظيمة ، وغريزة شريفة ، إنها مظهر من مظاهر الرجولة الحقة ، وهي وسيلة من وسائل نشر الفضيلة في المجتمعات المسلمة وغير المسلمة .

عباد الله : لئن أتت الجاهلية الحديثة ــ قبحها الله ــ بهدم صارخ للقيم ، وعداء سافر للفضائل ، ودعوة محمومة لنسيان الغيرة وجعلها من سقط المتاع ، فإن الجاهلية القديمة بالرغم مما فيها من كفر وضلال ، كانت في هذه الصفة أسعد حظاً ، وإلى الحق أكثر قرباً ، حيث جعلت للعرض مكانة عالية ، ومنزلة سامية يرخص في سبيلها كل غال ونفيس .

كان من عادة العرب إذا وردوا الماء أن يتقدم الرجال والرعاة ثم النساء ، فيغسلن أنفسهن وثيابهن ويتطهرن ، آمنات ممن يؤذيهن ، فمن تأخر عن الماء حتى تصدر النساء فهو الغاية في الذل والمهانة .

كانوا على شركهم وكفرهم يشيدون بعفة النساء ووفائهن . ولقد كان كشف الستر بجارح النظرات ، وهتك الأعراض بخائنة الأعين ، وفضح الأسرار باستراق السمع يترفع عنه كل عفيف وما أجمل قول احدهم :

وأغض طرفي ان بدت لي جارتي .... حتى يواري جارتي مثواها

نحر أحد الجاهليين راحلة امرأته حين استغنت عنها ، غيرة وانفه أن يركب احد مكان امرأته.

إنهم لا يقبلون في مس العرض والقرب منه صرفا ولا عدلا ، ولقد رأى أحدهم رجلا ينظر إلى امرأته ، ويبدوا انه لمس منها خيانة فطلقها وأخرجها من بيته ، غيره وحماية لعرضه ، فلما عوتب في ذلك قال قولته المشهورة :

واترك حبها من غير بغض * وذاك لكثرة الشركاء فيه

إذا وقع الذباب على طعام * رفعت يدى ونفسي تشتهيه 

وتجتنب الأسود ورود ماء * إذا كان الكلاب ولغن فيه

أيها المسلمون : جاء الإسلام فحمد لأهل الجاهلية هذا الخلق الرفيع، هذبه وجعله شعبة من شعب الإيمان ، وخصلة من خصال الشرف والمروءة ، 
جعل الإسلام الغيرة من سمات المؤمنين فقال صلى الله عليه وسلم :" المؤمن يغار والله أشد غيره " متفق عليه . وكيف لا تكون الغيرة سمة للمؤمن ، والمولى سبحانه متصف بها ويحبها من عبادة " إن الله يغار ، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله " رواه الشيخان .

يقول ابن القيم رحمه الله :" إذا ترحلت الغيرة من القلب ، ترحلت منه المحبة ، بل ترحل منه الدين كله " ا هـ .

عباد الله : لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس غيرة على الأعراض ، فاضحت مواقفهم مضرب المثل ، لأنهم فهموا الغيرة فهماً واضحاً ، فحموها مما يكدرها ويضعفها أو يزيلها ، 
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال يوماً لأصحابه إن دخل أحدكم على أهله ، ووجد ما يريبه أشهد أربعا ، فقام سعد بن معاذ متأثراً فقال : يا رسول الله : أأدخل على أهلي فأجد ما يريبني انتظر حتى أشهد أربعا ؟ لا والذي بعثك بالحق ! إن رأيت ما يريبني في أهلي لأطيحن بالرأس عن الجسد ، ولأضربن بالسيف غير مصفح ، وليفعل الله بي بعد ذلك ما يشاء ؟ وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟ قالوا : يا رسول الله لا تلمه ، فإنه رجل غيور ، والله ما تزوج فينا قط إلا عذراء ، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته .. فقال صلى الله عليه وسلم : أتعجبون من غيرة سعد والله أنا أغير منه ، والله أغير مني .

يقول العلماء : إن قول سعد بن معاذ رضي الله عنه ليس رداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم ولا مخالفة لأمره وإنما معناه الأخبار على حالة الإنسان عند رؤيته رجلاً عند امرأته ، واستيلاء الغضب عليه ، فإنه حينئذ يعاجله بالسيف وان كان عاصياًَ .

أيها الأخوة : من حرم الغيرة حرم طهر الحياة ، ومن حرم طهر الحياة فهو أحط من بهيمة الأنعام ، ولا يمتدح بالغيرة إلا الكرام الرجال وكرائم النساء ، وإن الحياة الطاهرة تحتاج إلى عزائم الأخيار ، وأما عيشة الدعارة فطريقها سهل الانحدار ، وبالمكاره حفت الجنة وبالشهوات حفت النار .

إن الأسف كل الأسف ، والأسى كل الأسى أن ترى هذه الخصلة الكريمة ، قد بدأت تتناقص في نفوس بعض الخلق ، حتى رضيت نفوسهم بكثير من المنكرات ، وألفت العديد من السيئات .

لقد جلبت لنا مدنية هذا العصر ما فيه ذبح صارخ للأعراض ، وواد كريه للغيرة ، أغان ساقطة ، وأفلام آثمة ، سهرات فاضحة ، وقصص داعرة ، ملابس خالعة ، وعبارات مثيرة ، وحركات فاجرة ، ما بين مسموع ومقروء ومشاهد في صور وأوضاع يندى لها الجنين .

إن من يبصر ما وصل إليه حال بعض المسلمين والمسلمات من تكشف وعري في الأسواق والطرقات ، في الشواطئ والمنتجعات ، في المصائف والمنتزهات ، ليدرك إلى أي حد وصل إليه الحال ببعض المسلمين من ضياع للحشمة والعفة ، وفقدان للغيرة والرجولة .

ترى الواحد منهم يرى زوجته أو ابنته أو أخته ، وهي تكشف عن زينتها ، وترتدي ملابس فتنتها ، وتجوب الأسواق والشوارع ، ومنهم من تمشي معه زوجته أو ابنته أو أخته في سيارته أو في السوق متكشفة متبذلة يمر بها الناس ، ينظرون إليها ، ويتسابقون للتمتع بزينتها ، وهو للأسف بجانبها يضحك بملء فيه كأن الأمر لا يعنيه .

أيها الأخوة الغيورون :ما هذا الداء ؟ ومن أين وصل إلينا هذا البلاء ؟

كيف يستسيغ ذوو الشهامة من الرجال ، والعفة من النساء لأنفسهم ولأطفالهم لفتياتهم ولفتيانهم هذا الغثاء

أين ذهب الحياء ؟ وأين ضاعت المروءة ؟ أين الغيرة من بيوت هيأت لناشئتها أجواء الفتنة ، وجرتهم إلى مستنقعات التفسخ جراً ، جلبت لهم محرضات المنكرات ، تدفعهم إلى الإثم دفعا ، وتدعهم إلى الفحشاء دعا ! 

يا أهل الغيرة :

كم خدشت من أعراض ، وكم هدمت من فضائل ، كم امتدت من أيد وأبصار ؟ كم تحدثالناس وتواطأ كلامهم على ذكر حوادث تستحي الألسنة من ذكرها ، وتستبشع الآذان سماعها ؟

روي عن علي رضي الله عنه انه قال : ألا تستحيون ألا تغارون ؟ فإنه بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج ( أي الأجانب ) في الأسواق .

يا أهل الغيرة : حسبنا الله من أناس يهشون للمنكر ، ويودون لو نبت الجيل كله في حمأةالرذيلة .

وحسبنا الله من فئات تود لو انهال التراب على الفطرة المستقيمة والحشمة الرفيعة .

ألا تباً لقوم هانت عليهم أعراضهم فاهملوها ، وتناقصت الغيرة في نفوسهم حتى نسوها . 

وبئست المدنية ، مدنية هذا العصر ، التي جلبت روح التفسخ ، وذهاب الغيرة..

يا أهل الغيرة : لا عجب أن النساء ترجلت * ولكن تأنيث الرجال عجيب
الخطبة الثانية :
ومن أجل أن يكون المجتمع نظيفا أمر الإسلام بعدد من الأوامر والنواهي ، ليحفظ هذاالمجتمع طاهرا نقيا ، وتصبح مظاهر الغيرة فيه جلية واضحة ومن ذلك مايلي : 
أولا : فرض الله على المسلمات ستر مفاتنهن وعدم إبداء زينتهن ، يقول تعالى : ( ولا يبدينزينتهن إلا ماظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) إلى قوله ( ولا يضربن بأرجلهنليعلم مايخفين من زينتهن ) وقال : ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى )

ثانيا : حرم الإسلام كذلك الدخول على النساء لغير المحارم.. كما حرم الخلوة بهن ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والدخول على النساء ، فقال رجل من الأنصار ، يارسول الله ، أفرأيت الحمو ؟ قال الحمو الموت ) والحمو أخو الزوج وما أشبهه من الأقارب .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم ، فقام رجل فقال : يارسول الله ، امرأتي خرجت حاجة ، واكتتبت في غزوة كذا وكذا ، قال : ارجع فحج مع امرأتك ) رواه البخاري . 

تطهيرا لهذا المجتمع الفاضل ، فلا خلوة ولا ريبة ، حتى الجهاد يؤمر الرجل بتأجيله من أجل أن يحج مع امرأته . 

ثالثا : أوصى بالحياء فقال : ( الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة ) وقال ( الحياء كلهخير ) وقال الله : ( فجاءت إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجرماسقيت لنا )

رابعا : الأمر بغض البصر ، قال تعالى ( قل للؤمنين يغضوا )

خامسا : حرص المجتمع على محاصرة أصحاب الشهوات ، ناشري الفساد في المجتمعات فقال تعالى : ( ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة والله يعلم وانتم لا تعلمون.) الآية 59 / الأحزاب

سادساً : أقام الحدود وشرع التعزيرات لحفظ الاعراض وصيانة الانساب وجعل حفظالاعراض مقصدا من مقاصد هذه الشريعة الغراء .

إن الغيرة خلق عربي أصيل ، ارتفع به الإسلام آفاقا عالية سامية ، وقمماً شامخة في ظل مجتمعات محافظة على كرامتها وشرفها وصيانة أعراضها .
ثم بدأت الأخلاق تتغير عند الكثيرين ، مع ضعف الوازع الديني وهجمة الغرب الشرسة ، حتى بدت المظاهر المنحرفة عجيبة في العلاقات الإجتماعية والأخلاقية .

أيها المسلمون :إن كريم العرض يبذل الغالي والنفيس عن شرفه ، يصون عرضه بماله لا يدنسه ، فإذا ذهب العرض فلا بورك في المال الذي لا يصون العرض .

والمؤمن يحمي عرضه بدمائه ، ويرخص نفسه في سبيل الدفاع عن شرفه ، ومن فعل ذلك فمات بسببه فهو ممن بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة ، قال صلى الله عليه وسلم : " من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله وفي رواية دون عرضه فهو شهيد " رواه أصحاب السنن .

أيها المسلمون : إن طريق السلامة لمن يريد السلامة بعد الإيمان بالله ورحمته وعصمته ينبع من البيت والبيئة ، ولن تحفظ المروءة ويسلم العرض إلا حين يعيش الفتى وتعيش الفتاة في بيت محتشم محفوظ بتعاليم الإسلام وآداب القرآن ، بيت تختفي فيه المثيرات وآلات اللهوالمنكر ، بيت يتطهر من الاختلاط والأفعال المنكرة . ألا فاتقوا الله عباد الله ، وغاروا على حرمات الله ، يسلم لكم دينكم وعرضكم ، ويبارك لكم في أهلكم وذرياتكم .

3

خطر فتنة النساء

( خطر فتنة النساء )
عباد الله، إن فتن الحياة الدنيا كثيرة، فمنها فتنة المال، وفتنة الفقر، وفتنة الغنى، وفتنة الأولاد، وفتنة الحرب، وفتنة الاضطهاد والإيذاء، وغير ذلك من أنواع الفتن، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء) ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وفي الحديث أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قول الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء ) سورة آل عمران:14، فجعلهن من حب الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع، قبل الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، وقبل فتنة الأولاد، قبل جميع الفتن، بدأ الله بهن في الذكر، حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء، ومع ما في النساء من الضعف فإنها تحمل الرجال على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين كشغلهم عن طلب أمور الدين، وحملهم على التهالك على طلب الدنيا، وذلك أشد الفساد.
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) رواه مسلم، 
وقد أورد بعض المفسرين كلاماً حول هذا الحديث فذكروا : أن موسى عليه الصلاة والسلام حاصر قوماً ، فاحتال هؤلاء وقال لهم كبيرهم : 
لم يبق إلا المكر والحيلة وأمرهم أن يزينوا النساء ويعطوهن السلع للبيع ويرسلوهن إلى العسكر من بني اسرائيل ولا تمنع امرأة نفسها ممن يريدها , وقال إن زنى منهم رجل واحد كفيتم. ففعلوا ذلك ودخل النساء عسكر بني إسرائيل , فأخذ زمرى بن شلوم وهو رأس سبط شمعون بن يعقوب امرأة وأتى بها إلى موسى عليه السلام فقال له أظنك تقول ان هذا حرام فوالله لا نطيعك ! ثم أدخلها خيمة فوقع عليها ! فأنزل الله عليهم الطاعون.
وكان صحاح بن عيراد بن هارون صاحب عم موسى غائباً , فلما جاء رأى الطاعون قد استقر في بني إسرائيل , وكان ذا قوة وبطش. فقصد زمرى فرآه مضاجع المرأة فطعنها بحربة بيده ,ورفع الله الطاعون.وقد هلك في تلك الساعة عشرون ألفاًوقيل: سبعون ألفاًوهي أول فتنة في بني إسرائيل ......فتنة النساء ) 
وفي رواية للإمام أحمد رحمه الله تعالى: "(إن الدنيا خضرة حلوة فاتقوها، واتقوا النساء)، ثم ذكر نسوة ثلاثاً من بني إسرائيل، (امرأتين طويلتين تعرفان، وامرأة قصيرة لا تعرف، فاتخذت رجلين من خشب) من تحت الثياب لتطول، (فاتخذت رجلين من خشب، وصاغت خاتماً، فحشته من أطيب الطيب المسك، وجعلت له غُلفاً، فإذا مرت بالملأ، أو بالمجلس قالت به، ففتحته؛ ففاح ريحه) ، هكذا تحايلت لتلفت نظر الرجال إليها.
(فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء) قال النووي رحمه الله: "ومعناه: تجنبوا الافتتان بها وبالنساء، وتدخل في النساء الزوجات وغيرهن، فإن الزوجة قد تفتن زوجها في دينه وتحمله على ما لا يجوز 
الصحابي الذي رُجم والصحابية التي رُجمت ، ما كان السبب ؟ الفتنة بالنساء ، وكانت العاقبة ماكانت ولولا أن تداركهم الله برحمته ووفقهم لتوبة نصوحا لكانت العاقبة وبال ...
 خوف السلف من فتنة النساء:
ومن أسباب الافتتان بالمرأة  -وهو تفسير للقضية- ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله في الحديث الصحيح:  (المرأة عورة؛ فإذا خرجت استشرفها الشيطان) ، فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (استشرفها الشيطان)؟ قال المباركفوري رحمه الله تعالى: "أي زينها في نظر الرجال، وقيل: أي نظر إليها ليُغويها، ويُغوي بها، والأصل في الاستشراف رفع البصر للنظر إلى الشيء، وبسط الكف فوق الحاجب، هذا هو الاستشراف، ، فإذا خرجت أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها، ويغوي غيرها بها، ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة، أو يريد بالشيطان شيطان الإنس من أهل الفسق سماه به على التشبيه".
إذن الشيطان يرفع أنظار الرجال إلى المرأة، والشيطان يزين المرأة في أعين الناظرين؛ فترى المرأة إذا خرجت إلى الشارع تمشي ارتفعت إليها أبصار الرجال ؛ ذلك لأن الشيطان حريص على تزيينها، وعلى رفع الأبصار إليها، تلقائياً تجد الأبصار تتجه إلى المرأة من حين خروجها إلى الشارع، من حين بدوها للرجل يرتفع البصر إليها، يستشرفها الشيطان، يجعلها هدفاً منصوباً ملفتاً لينظر إليها الرجال، استشرفها الشيطان، فهي وسيلته لإغواء الناس؛ 
ولذلك كان السلف رحمهم الله يخافون على أنفسهم أشد الخوف من فتنة النساء، مع عبادتهم، وزهدهم، وورعهم كانوا يخافون على أنفسهم من النساء أكثر مما نخاف نحن على أنفسنا مع ضعفنا، ولا مقارنة بيننا وبينهم.
وكان سعيد بن المسيب رحمه الله يقول، وقد أتت عليه ثمانون سنة منها خمسون يصلي فيها الصبح بوضوء العشاء، وهو قائم على قدميه يصلي، كان يقول:"ما شيء أخوف عندي علي من النساء"، وهو ابن ثمانين سنة يعبد الله تعالى يقوم الليالي يقول: "ما شيء أخوف علي من النساء".
وقال رَحِمَهُ الله تَعَالَى : " مَا يَئِسَ الشَّيطَانُ مِنَ شَيءٍ إلا أتَاهُ مِن قِبَلِ النِّسَاءِ "
وقَالَ طَاوُوسُ بنُ كيسَانَ اليَمَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ( وخُلق الانسان ضعيفا ) : " أي : ضَعِيفَاً‏ في أمرِ النِّسَاءِ ، لَيسَ يَكُونُ الإنسَانُ فِي شَيءٍ أضعفَ مِنهُ فِي النِّسَاءِ "
 حتى لا تقع الفتنة:
ومن أجل فتنة النساء اتخذ الشارع سائر الإجراءات الكفيلة بحماية الرجل من الوقوع في فتنة المرأة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إياكم والدخول على النساء)، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت) ، وهو قريب الزوج أخوه، وسائر أقاربه، فهو يشبه الموت في خطره، فهو يؤدي إلى موت الدين، وقال: (لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم) ، (لا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما) ، كل هذه الإجراءات لأجل درء فتنة النساء.
والنبي صلى الله عليه وسلم أطهر الناس مع الصحابة أفضل هذه الأمة كان يعمل سائر الإجراءات الكفيلة بمنع الاختلاط والنظر، فعن أبي أسيد الأنصاري: "أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عما رآه: (استأخرن؛ فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق)، فالمرأة لا تمشي في الوسط، بل تمشي في الجوانب، والرجال يمشون في الوسط، هكذا كانت الشوارع في المجتمع الإسلامي الأول، "فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به" رواه أبو داود، وهو حديث صحيح.
وعن أم سلمة رضي الله عنها: "أن نساءً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلمن من المكتوبة قمن" مباشرة "قمن، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صلى من الرجال ما شاء الله" فترة كافية لخروج النساء، "فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال" قال الحافظ رحمه الله: "وفي الحديث الاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور، وفيه اجتناب مواضع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلاً عن البيوت.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو تركنا هذا الباب للنساء) باب في المسجد مخصص للنساء، وإلى الآن اسمه باب النساء، قال نافع: "فلم يدخل ابن عمر منه حتى مات" حتى مات ما دخل من هذا الباب! هذه الإجراءات وغيرها لأجل درء فتنة النساء.
عائشة رضي الله عنها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بفترة قالت: "لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء" يعني: ما أحدثن بعده؛ "لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل" وماذا أحدث النساء في عهد عائشة؟ وهي تقول: لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم الوضع لمنعهن من المساجد والخروج، فلو رأت عائشة، ولو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعنا اليوم ماذا تراه يقول؟ وماذا تراه يفعل؟
عباد الله، إن الأمر خطير والله، وإن الخطب جلل، وإن الفساد في انتشار بسبب فتنة النساء، وفي هذا الزمان الذي لم يمر في العالم زمان مثله زُينت فيه المرأة لفتنة الرجال، واجتهد فيه أعداء الله في إبراز المرأة، فترى عوامل الجذب والفتنة في الملابس الضيقة والمفتوحة والشفافة، والكعب العالي، والمناكير على الأظفار، ورائحة العطور، والصوت والأزياء الفاضحة، وحتى النقاب الذي تلبسه بعض النساء والبرقع اليوم ربما يكون أشد فتنة مما لو كشفت وجهها بالكلية، والأفلام، والقصص الفاسدة، والمجلات، والدعايات لا تكاد توجد سلعة إلا ومعها صورة امرأة ولا بد، وعروض الأزياء، وكل ذلك يزين المرأة في نظر الرجال، حتى إذا نزلت إلى الشارع والسوق رأيت العجب، وهذه المساحيق والمكياجات التي تجعل أشد النساء ذمامة لوحة فنية من الأصباغ، وما تفعله الكوافيرات في وجه النساء.
ثم تحدث الفتنة العظيمة، وتخرج المرأة بهذه الزينة، وتجتمع كل عوامل الإغراء كل العوامل، فلا تدخل دكاناً، ولا سوقاً، أو باب مدرسة، أو مستشفى، أو طائرة، أو غير ذلك من الأماكن إلا ووجدت القضية كلها تدور على الإغراء والإغواء بالمرأة، ولا تكاد تنظر في الصفحة الخارجية لمجلة أو غيرها إلا وتجد القضية نفسها تدور.
وتأمل فقط في الارقام المخيفة لتجارة الدعارة في العالم  والتي تقدر بالمليارات من الدولارات - وانتشارها وما يبذله الرجال والنساء للوصول لها 
إخوان القردة والخنازير الذين وصلوا بالمرأة إلى ما وصلوا إليه، وعمت الفتنة، وثارت الشهوات، وصار الوضع محزناً لصاحب القلب الحي.
لمثل هذا يذوب القلب من كمد *** إن كان في القلب إسلام وإيمان
والمسألة فيها غضب من الله، وإغضاب لله، وكل القضية تدور على مخالفة الآيات الشرعية، تأمل في الواقع ثم قارن: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ) سورة النــور:31 تأمل ثم قارن بقوله: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ سورة الأحزاب:53، وتأمل وقارن بقوله: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ) سورة الأحزاب:32، وقارن بقوله تعالى: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى سورة الأحزاب:33، وقارن بقوله تعالى: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ سورة النــور:31، المسألة كانت على الخلخال، والآن تفتح العباءة هذا اذا كانت لابسه للعباية، وتلبس عدة مرات لتصلح من هندامها بزعمها، وهي في وسط الرجال،.
فإذن المسألة تحتاج في زماننا هذا إلى صبر عظيم، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مجانباً للصواب أبداً، ولا مبالغاً عندما قال: (إن أخوف ما أتخوف عليكم فتنة النساء) ، والذي يتتبع الأخبار يعرف ذلك، وليس المجال مجال التفصيل، ولا تعميم الحال، فهناك صلاح، والحمد لله، وهناك خير، ولكن لا بد من أن نضع الضوابط، وأن نلزم أنفسنا بأحكام الشريعة.
الخطبة الثانية : 
وسائل النجاة من فتنة النساء:
فإن قال قائل: وما هي الإجراءات التي تحمي الرجل من فتنة النساء؟
فأقول: أولاً: قال عليه الصلاة والسلام: (لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) ، وعن جرير بن عبد الله قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري" 
فإذن مسألة غض البصر هي أساس العلاج؛ لأن المسألة في أولها، وهو أهون شيء النظر، أهون شيء في البداية النظر، قال العلاء بن زياد: "لا تتبع بصرك رداء امرأة؛ فإن النظرة تجعل في القلب شهوة"،.
نظر الرجل إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس، والسهم المسموم إذا دخل السم ينتشر: "إياكم والنظرة؛ فإنها تزرع في القلب الشهوة، 
وكان السلف رحمهم الله في غاية الحرص على هذه المسألة، قال سفيان: كان الربيع يغض بصره، فمر به نسوة، فأطرق إطراقاً شديداً، حتى ظن النسوة أنه أعمى، فتعوذن بالله من العمى.
وخرج حسان بن أبي سنان إلى العيد، فقيل له لما رجع: يا أبا عبد الله، ما رأينا عيداً أكثر نساءً منه، فقال: ما تلقتني امرأة حتى رجعت،
عباد الله، هذه القضية لا يكاد يطبقها اليوم إلا من رحم الله، غض البصر عن النساء، 
ثانياً: أن الإنسان إذا رأى امرأة فأعجبته؛ فإن كان له زوجة، أتاها مباشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة، فأعجبته؛ فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه) ، وأما الأعزب، فإنه يستعين بالصبر والصلاة والصيام الذي هو من أسباب تقليل الشهوة، 
ثالثاً: أن الإنسان لا يغشى أماكن الفتنة، ولا يغشى أماكن الخلوة، ثم بعد ذلك يقول: لم أصبر، بل إنه يتمنى عند الحرام؛ يذهب الى أماكن الفتنة ثم يقول : لم اصبر !! ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... ان السفينة لا تجري على اليبس
رابعاً: ينبغي للرجل إذا تعرضت له المرأة ألا يلتفت إليها، وكثير من النساء اليوم هي التي تتعرض للرجل، وربما تكون هي التي اتصلت، وهي التي تأتي بالإشارات، والحركات الداعية ، فماذا يفعل؟ افعل كما فعل جريج رحمه الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)، ومنهم ذلك العابد، تكلم الصبي من أجله، (كانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم) تقول لبني إسرائيل (إن شئتم لأفتننه) لأفتنن هذا العابد الزاهد، (فتعرضت له، فلم يلتفت إليها) هذا هو المهم، هذا هو لب الموضوع الآن، (فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها؛ فحملت...) الحديث، وفيه كيف خلص الله جريج بسبب صبره، الشاهد قوله: (فلم يلتفت إليها)، فمن الذي لا يلتفت اليوم؟ الذي رحمه الله، وأراد به خيراً.
خامساً: لا بد من التأمل في مسألة الفاحشة،.الزنا من أعظم الذنوب والفواحش، النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن عقوبة الزناة والزواني في البرزخ قبل دخول جهنم، في تنور، في فرن يأتيهم اللهب من أسفل منهم؛ فيرتفعون، فيصيحون، فإذا خمد اللهب سقطوا، ثم يأتيهم مرة أخرى فيرتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا، وهكذا إلى قيام الساعة، هذا عقاب الزناة والزواني في البرزخ. قبل عقابهم يوم القيامة 
الافتتان بالنساء من سببه؟
وتعلم فعلاً -يا عبد الله، يا أيها الأخ المسلم- أن القضية بحاجة شديدة إلى مصابرة ومجاهدة، وبعض الناس يقولون: لا تلوموا الشباب، ولوموا الفتيات، كيف ذلك؟ اللوم على الجميع، اللوم على الفتاة التي تبرجت، وعلى الشباب الذي استجاب، وعلى وليهما الذي لم يرب هذا، ولم يمنع تلك من الخروج، وعلى الذي يضع العراقيل في طريق الزواج بحجج واهية، ويغلي المهور، ويقول: بنتنا ليست بأقل من بنت فلانة، أو يضع العراقيل الواهية، والموازين التافهة الدنيوية، ويرد هذا، وهذه بنتنا تريد الدراسة، ونحو ذلك، اللوم على الجميع، ليس أحد بمستثنى.

والمرأة المسلمة التي تتقي الله عليها أن تخاف من غضب الله أن تكون سبباً لفتنة مسلم او حرفه عن دينه او إلقاء الشهوة في قلبه وربما يزل او ينحرف بسببها ، فعليها أن لا تبدي زينتها ولا تخضع بالقول وتعمل على ستر نفسها والحشمة وهي بذلك ترجوا الله والدار الاخرة وترجوا ما عند الله من الثواب 
نسأل الله ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ونسأله عز وجل أن يقينا كل هذه الشرور، وأن يجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.


1